الوطنية والإيمان (5)– وطنيتي الجديدة في المسيح

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

الوطنية والايمان

تكلمنا في المقال السابق عن سمتين هامتين للهوية الوطنية الجديدة في المسيح؛ وفيها رأينا كيف أنها وطنية منساقة بالحكمة السماوية وليس بالحكمة البشرية؛ ولا بحكمة هذا العالم الساقط. رأينا أيضًا أنها تتسم برؤية العدالة بحسب منظار الله للعدل الذي يشمل البر، العدل، الحق والسلام؛ ورأينا كيف أن مفهوم العالم العام عن العدالة يعني شرائح مختارة من العدل، عادة تتمحور حول حق من ينادي به؛ وكيف هو عدل خالي من أي بر وقداسة؛ وفي معظم الحالات، يدوس على سلام الناس والشعوب ولا يؤدي للسلام. وفي هذا المقال، سنتابع النظر إلى قضية العدالة والإصلاح، على ضوء هويتنا الوطنية الجديدة في المسيح.

5- ملكوت سماوي وليس أرضي؛ ماذا يعني لنا؟

كان التلاميذ منشغلين بملك إسرائيل الأرضي، أي في الحالة السياسية لشعبهم وأرضهم؛ بخصوص زوال الظلم والاحتلال الروماني عنهم، استرجاع سيادة أهل الأرض الشرعيين لحقهم. وهذا طبعًا يعكس تثقل وانشغال الكثير من المؤمنين الفلسطينيين في وقتنا الحاضر؛ لذلك سأل التلاميذ المسيح: 
"6 ... يَا رَبُّ هَلْ فِي هَذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟" أعمال 1. 
أما المسيح فبالرغم من أنه لم ينفي وجود خطة إلهية سياسية لإسرائيل، ولديه طبعًا خطة إلهية صالحة لجميع شعوب العالم. لكن مع هذا وفي المقابل، أكد المسيح للتلاميذ أنه ليس لهم أن ينشغلوا في الحالات السياسية لبلادهم؛ ويعلن بخصوص هذا أنه يوجد أزمنة وأوقات لعالمنا الحالي في يد الله وحده؛ مرتبة ومجهزة ومتمحورة حول تحقيق ملكوته السماوي الكامل، يعلم الآب وحده أزمنة تحقيقها:
"7 فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ 8 لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" أعمال 1. 
لذلك وجه المسيح تركيز انشغالهم بملكوت الله السماوي وليس بالملكوت الأرضي، داعيَا إياهم للتركيز على الإرسالية العظمى وخلاص شعبهم وجميع الشعوب. لذلك أي مفهوم للهوية والدور الوطني، الذي لا يعطي الأولوية الأولى والأخيرة للإرسالية العظمى المؤسسة على الوصية العظمى (أي محبة الله ومحبة جميع الناس)، هي وطنية نافلة وزائفة وليست من الله؛ وهي مجرد وطنية قديمة نفسانية لا تخدم الله، وحتى لو لبست قناع مسيحي! لهذا يؤكد الوحي أن كل شيء في الخليقة الجديدة التي منحنا إياها الله، متمحور حول المأمورية العظمى: 
"17 إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً. 18 وَلَكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، «وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ» 19 أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، «وَوَاضِعاً فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ». 20 إِذاً نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. «نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ»" 2 كورنثوس 5.
فالنص يؤكد بشكل قاطع ارتباط الهدف من الخليقة الجديدة، ومن ضمنه الهوية الوطنية الجديدة، بدعوة المولودين من الله للعمل من أجل مصالحة الإنسان مع الله، أي إرسالية الكنيسة (الكرازة والتلمذة والتعليم – متى 28: 19-20). لذلك مواطنتنا الجديدة وكل شيء نعمله في حياتنا الجديدة، يجب أن يكون متمحور حول سفارة المسيح، وصنع السلام بين الإنسان والله المؤسس على كفارة المسيح التي قدمها لجميع الشعوب والألسنة. 

أيضًا يؤكد الوحي أن تبعيتنا هي ليس لهذا العالم، بل لله والسماء:
"15 لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ. 16 لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ." يوحنا 17.
وأننا نزلاء وغرباء في هذا العالم الزائل، لنا وطن سماوي لا يزول:
هذا ما عاشه رجال الله في العهد القديم: 
"13 فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ" عبرانيين 11.
وهذا ما طُلب منا في العهد الجديد: 
"11 أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ كَغُرَبَاءَ وَنُزَلاَءَ، أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الْجَسَدِيَّةِ الَّتِي تُحَارِبُ النَّفْسَ" 1 بطرس 2.
ويعلمنا الوحي أننا ونحن مستوطنون في هذا الجسد بشكل مؤقت، متغربون عن موطننا الحقيقي السماوي:
"1 لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ... 6 فَإِذًا نَحْنُ وَاثِقُونَ كُلَّ حِينٍ وَعَالِمُونَ أَنَّنَا وَنَحْنُ مُسْتَوْطِنُونَ فِي الْجَسَدِ، فَنَحْنُ مُتَغَرِّبُونَ عَنِ الرَّبِّ" 2 كورنثوس 5.

وصلتني مشاركة قبل أيام عبر الواتس أب، تروي قصة رمزية، أنقلها كما أتتني:
"وصل أحد المبشرين إلى الولايات المتحدة بعد ان خدم الرب في الصين لسنوات طويلة، فلم يجد مَن يستقبله في المطار. وفي الساعة نفسها وصل السفير الامريكي في الصين إلى المطار ذاته، فاستقبله الكثيرون استقبالا حافلا. فحزن المبشر كثيرا وقال في قلبه "الانسان العالمي يجد الكثيرين في استقباله، اما رجل الله فلا ينتبه اليه أحد". فأجابه الرب وقال: "هذا السفير وصل إلى بلاده فاستقبله الكثيرون، وانت لم تصل إلى وطنك بعد؛ لكنك عندما تصل، سترى اي استقبال وتكريم سيكون لك من الرب وملائكته وقدِّيسيه. أما الذين يُعظِّمهم العالم فسيهلكون في الظلمة الأبدية"

إن النقطة السابقة، تثير عدة تساؤلات هامة جدا، منها:
ما هي خطة الله لإصلاح هذا العالم الفاسد؟ 
وهل الله لا يريد أن يتدخل إطلاقًا في عالمنا لإصلاحه وفرض عليه العدل؟

إن الوحي يؤكد أن عالمنا الحالي قد أخضع للشرير:
"19 نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ" 1 يوحنا 5.
فبعد سقوط آدم الذي أُعطيَ سيادة تامة على كل الأرض (تكوين 1: 28-29)؛ ووكله الله للاهتمام بالأرض وحفظها من الشر، كما قال الوحي: 
"15 وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا" تكوين 2. 
فمع أن الله أعطى السلطان لآدم أن يطرد الشيطان من الجنة، وهي تحت سيادته؛ لقد تمرَّد آدم على الله ورفض سيادته عليه وبالتالي زالت سيادة الله عن العالم المُوكَّل لآدم. فأصبح إبليس يسود على هذا العالم، لأنه قوي عليه (لوقا 4: 6). كنتيجة لهذا أعلن الله لآدم أن الأرض أصبحت تحت لعنة بسبب قراره الخاطئ: 
"17 وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ" تكوين 3.

أما من جهة موقف الله الحالي من تلك اللعنة على عالمنا؛ نرى أن الوحي يبين لنا أن الله ترك هذا العالم للسيادة الباطلة (بعد أن فقد رئيسه آدم، السلطان عليه)، لهدف إلهي صالح له زمن ووقت:
"20 إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا عَلَى الرَّجَاءِ. 21 لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ." رومية 8.
دعونا نقرأ الآية نفسها من الترجمة العربية المبسطة:
"20 فَقَدْ أُخضِعَ هَذا العالَمُ المَخلُوقُ لِحالَةٍ فَقَدَ فيها قِيمَتَهُ! لا باختِيارِهِ، بَلْ بِمَشِيئَةِ اللهِ نَفسِهِ. لَكِنْ هُناكَ رَجاءٌ، 21 وَهُوَ أنْ يَتَحَرَّرَ هَذا العالَمُ المَخلُوقُ أيضاً مِنْ عُبُودِيَّتِهِ لِلفَسادِ، وَيَتَمَتَّعَ بِالحُرِّيَّةِ المَجِيدَةِ الَّتيْ لِأبناءِ اللهِ." رومية 8. 
إذا خطة الله الحالية من جهة هذا العالم الفاسد، هي أن يخضع العالم للفساد بحسب إرادة معظم البشر الحرة التي وهبهم إياها الله، والتي في معظم الأحياء يستخدمونها للشر. إلى أن يتحرر العالم من فسادة بإعلان ملكوت الله الكامل عليه بواسطة المسيح. كما وعد الوحي وقال: 
”15 ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: «قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ»“ رؤيا 11.
لاحظ هناك قول الوحي "صارت ممالك العالم لربنا ومسيحية" وبعدها يقول بالمفرد "فسيملك"؛ أي أن خطة الله متمحورة حول إخضاع العالم الحالي لذاته، من خلال مسيحيه؛ الذي لا يمكن فصله عن ذات الآب، لذلك يقول "فيسملك" بالمفرد. 
فهل تريد أن تتبع برنامج السياسيين لترقيع هذا العالم الفاسد بعكس برنامج الله؟
أم تريد أن تتبع الخالق في إرساليته العظمى لك، إلى أن يُعتق الله ذاته العالم من عبوديته للفساد ويؤسس عالم جديد مبني على البر والسلام والعدل؛ خاضع لحكم الله خلال ربنا يسوع المسيح؟

إذا نتعلم مما سبق، أن الله ركز الهدف من الخليقة الجديدة ومن ضمنها الوطنية الجديدة في المسيح، هو العمل لملكوته السماوي وليس للملكوت الأرضي. في الوقت الذي فيه قد ترك الله العالم الحالي للسيادة الباطلة، أعطانا الإرسالية العظمى المتمحورة حول الوصية العظمى؛ على رجاء تحقيق ملكوته السماوي الكامل للبشر.
وهذا يقودنا لتساؤل عملي وهام جدًا: 
هل بناءً على ما سبق، يريدنا الله أن نواجه الظلم للحكومات وأن نطالب بالعدل؟ 
إذا نعم، كيف؟ وإذا لا، لماذا؟

سأخصص كل المقال القادم للتعامل مع هذا الموضوع الهام.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
يجب أن نعطي فرصة لله أن يستبدل محبتنا الجسدية القديمة لشعبنا، بمحبة إلهية جديدة له. فمهما كانت نيتي نقية ومهما حاولت أن أعمل لشعبي بكل جهد وإخلاص، أعمال الجسد لا تقدر أن تخدم أو تخضع
هل يستطيع مؤمن يعيش في ثوب وطنيَّته القديم أن يخدم الله ويخدم شعبه؟ إن حياتنا الجديدة في المسيح، يجب أن تنقاد بحكمة الله الجديدة، وليس بحكمتنا القديمة الأرضية التي هي وليدة هذا العالم
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader