بعد ان تأملنا في المقالات السابقة عن ايماننا بالله الواحد، ويقين خلاصنا بالأيمان، في عهد نعمة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، سوف نبدأ بدراسة وتأمل حياة القدماء، الذين شُهِدَ لهم بالأيمان، من ايمان هابيل، الى اخنوخ، فنوح وابراهيم وغيرهم من ابطال الايمان.

كيف لنا ان نتكلم عن الايمان بالله، بدون دراسة ومراجعة اصحاح الايمان من رسالة العبرانيين 11، متعلمين من رجال ونساء الله عن ايمانهم المبارك، حتى وان ماتوا، ما زالوا يتكلمون الى قلوبنا في ايامنا هذه.

في عبرانيين 11:4 نقرأ عن ذبيحة هابيل، التي قدمها بالأيمان لله، ذبيحته التي كانت أفضل من قايين، وبإيمانه شهد له انه بار، وان مات، يتكلم بعد...
والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا نظر الله الى ذبيحة هابيل والى ذبيحة قايين لم ينظر؟ ولماذا شهد له انه بار؟

للإجابة على هذا علينا ان نتأمل بمعنى الاسم هابيل، لأنه في العهد القديم وكذلك الجديد يوجد معنى لكل اسم، ونرى من خلال هذا المعنى سيرة حياة كل واحد من هؤلاء، ان كان للخير او للشر.
فمعنى الاسم هابيل هو زائل او بُطل، وهذا ما فهمه جيدا هابيل في حياته ومسيرته مع الله القدوس، وليتنا نحن نفهم ايضا جيدا ان هذا العالم زائل، باطل، بل حياتنا نحن ايضا الى حين على هذه الارض، ربما سبعون وعلى الاكثر ثمانون سنة، وكما قال الملك سليمان الذي اختبر ملذات هذا العالم، وكان له ممتلكات كثيرة، ونساء كثيرات (سبع مئة من النساء السيدات، وثلاث مئة من السراري) ولكن قلبه لم يشبع بذلك بل نساؤه امالت قلبه، ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود ابيه (ملوك اول 11:3). وهو من قال ان الكل باطل وقبض الريح...

لنتعلم من هؤلاء ان هذا العالم باطل، فكل ما في العالم من شهوة الجسد، وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليست من الله الاب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته، واما من يصنع مشيئة الله فيثبت الى الابد.
فهل يمكن لنا احبائي ان نتمسك بهذا العالم وشهوته، ونقول اننا نحب الرب الاله؟ هل نكنز لنا كنوز في السماء ام على الارض؟ اين قلبنا في هذه الايام، نحو الله وملكوته ام نحو العالم الباطل، الزائل والشرير؟!

ان هابيل لم يحسب نفسه مستحقا ان يقدم ذبيحة لله القدوس، فهل للزائل والباطل ان يقدم شيء لله؟ وهل الله بحاجة لذبائح وقرابين؟ هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب؟ لان الاستماع أفضل من الذبيحة، والاصغاء أفضل من شحم الكباش (صموئيل الاولى 15:22). 

وهذه الصرخة نسمعها من فم اشعياء النبي الذي قال ان الرب لا يسر بدم عجول وخرفان وتيوس، والرب ما زال يُبَوِق لكل قايين فينا بان رؤوس شهوركم واعيادكم بغضتها نفسي، صارت علي ثقلاً، مللت حملها!!! (اشعياء 16-1:10).
 دعونا من كل قايين في العالم ولننظر ان كان هنالك قايين داخل قلوبنا، في حياتنا وخدمتنا للرب؟ هل الرب يطلب منا احتفالات وسهرات وطرب وما شابه لكي نذكره، ونذكر محبته، ميلاده، صلبه وقيامته من بين الاموات ام الرجوع اليه من كل القلب بتوبة يومية صادقة، والتي لا يمكن ان تكون من خلال عبادة الله بالجسد، بتقديم قرابين وذبائح كقايين الذي ظن ان اثمار الارض تصلح بان تُقَدم قرباناً للقدوس البار؟ الم يلعن الله الارض بسبب ادم وسقوطه في الخطية والعصيان؟ هل ما زلنا نعتقد اننا نستطيع ان نقدم لله عبادة غير التي بالروح والحق، لان الهنا روح، وهل ما زلنا نصدق بان التراب والارض الملعونة تصلح بان تقدم ثمارها لله؟ انها الارض التي فسدت، الارض التي سقطت، انها الخليقة والطبيعة القديمة التي فينا، والتي لا تصلح بل ولا تستطيع ان تعبد الرب الاله، فهي تلجأ مرة الى الاحتفال بالأعياد، وتارة الى ترديد الصلوات والاصوام، او الى تقديم عطايا واعمال حسنة، او الى زيارة مكان معين يقال انه مبارك ويجلب البركة للنفوس، والاصعب بل الابشع من كل هذا هو عبادة البشر، عبادة المخلوق من دون الخالق، واستبدال مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الانسان الذي يفنى.
 نعم انها عبادة البشر، عبادة الاعياد، عبادة الشهوة والعالم، حتى عبادة القديسين احبائي التي هي شر لا يقل عن اي عبادة اخرى، لان مصدرها الطبيعة القديمة، مصدرها مجد الناس، مصدرها عدم التوبة الحقيقية والرجوع الى الله الحي الحقيقي الذي يأمر الجميع ان يتوبوا، لانه يحب الجميع، ولا يريد ان احد يهلك الى الابد بل بان يقبل اليه بتوبة حقيقية...

احبائي، هل ما زلنا نقبل مجد أحدنا الاخر؟ بل واقول انه لو قام قديسي الله المباركين، وشاهدوا التمجيد والعبادة لهم، لمزقوا ثيابهم كما فعل بولس وبرنابا، وصرخوا قائلين ان ترجعوا من هذه الاباطيل الى الاله الحي الذي خلق السماء والارض والبحر وكل ما فيها (اعمال 14:14)، وغيرهم من رجال ونساء الله الذين علمونا ان نعبد الله وحده، ونسجد له وحده، ونخدمه وحده لا غير.
اه لو رجعت المطوبة مريم، ولو ليوم واحد، لبكت مرارة عبادة المخلوق دون الخالق، وهي التي اوصت ان نفعل كل ما قال لنا ابنها الحبيب يسوع، الطاعة له هو وحده، السجود والمجد له هو وحده مع الآب القدوس...

نعم انه قايين (المعنى هو اكتساب او صانع) الذي ظن ان يكسب رضى الله من خلال تعب يديه، مجهوده الذاتي، بره الذاتي، رافضًا التوبة من كل القلب والرجوع لله الذي احبه وانذره قائلاً:
لماذا اغتظت؟ ولماذا سقط وجهك؟ ان احسنت افلا رفع؟ وان لم تحسن فعند الباب خطية رابضة، واليك اشتياقها وانت تسود عليها. (تكوين 4:6).

 نرى ان الله أنذر قايين قبل ان يقبل على قتل اخيه، لان الله لم يقبل قربانه، ولماذا؟ لان اعماله كانت شريرة، واعمال اخيه بارة، وقايين كان من الشرير وذبح اخاه (يوحنا الاولى 3:12) ويا اسفاه! لان الرب ينظر الى اعماق القلب، ودوافع القلب قبل ان يقبل اي ذبيحة. اخوة يذبح أحدهم الاخر باسم الله، باسم عبادة الله، باسم تقديم ذبيحة، بل ونقول انه ما زال ابناء قايين الى ايامنا هذه يظنون انهم يقدمون لله عبادة وخدمة بقتل الابرياء والمؤمنين، ويا اسفاه، قلبنا يبكي المًا وحسرة على هؤلاء، لأنهم وقعوا في فخ قايين بل ابليس، والله ما زال يدعوهم للرجوع اليه، وترك الخطية، ترك القتل والذبح والرجم، وان كان أحدنا بلا خطية فليرجم اولاً بحجر...!

لا يا اخوتي واحبائي، انا لا اقصد فقط الذين يذبحون ويقتلون باسم الله!! وليس فقط من حمل الصليب بيمينه والسيف بيساره مدعيًا ان الله ارسله لنشر رسالته، لان الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يهلكون...
بل نقول أَزِل يا رب كل قايين في كنائسنا بل وفي حياتنا، ازل كل بر ذاتي باطل نهايته الهلاك الابدي، ازل كل عبادة جسدية، شهوانية بل وشيطانية ايضا، ازل كل خدمة ليست بالروح والحق، ازل كل خدمة هدفها الكسب والربح القبيح، ازل كل سيف من ايدي شعبك كي لا نُفني أحدنا الاخر، ونهدم أحدنا الاخر بكلام لاذع، كلام جارح بل قاتل ايضًا...

صلاتي ان يعطنا ربنا المبارك ان نرجع اليه من كل قلوبنا، في هذه الايام الشريرة والتي فيها بردت محبة كثيرين، لنتمسك بمحبته وبره هو وحده، لأنه فقط على حساب دمه وبره نحن نحبه، نعبده ونخدمه، لأننا نحن، كنيسة ابكار مكتوبين في السماوات، نأتي الى الله الديان، والى ارواح ابرار مكملين (وواحدهم هابيل)، والى وسيط العهد الجديد، يسوع، والى رش دم يتكلم أفضل من هابيل. (عبرانيين 12:23).
فهل ما زلنا نصرخ مع هابيل نقمة لمن سفك دمائنا؟ ام نطلب على حساب الدم الكريم، دم حمل الله الذي رفع خطية العالم، خطيتي انا وانت، نطلب المغفرة والرحمة والاحسان حتى لأعدائنا، لعل الله يفتح ايضا لهم باب التوبة والخلاص؟ 

دعونا نترك طريق قايين (يهوذا 11 )، ونتمسك بطريق هابيل، بل طريق يسوع، لأنه هو وحده الطريق والحق والحياة، وفقط به نأتي الى محضر الآب، الى قلب الآب والى ملكوته، فقط بيسوع وعلى حساب دمه وبره نحب الله، نعبده ونخدمه، نحب الاخوة، نحب الشركة مع الاخوة، وهكذا نطرح خارجًا كل ثقل وكل خطية رابضة على باب قلبي وقلبك، لأنه بالفعل البار (الذي تبرر بدم المسيح) بالأيمان يحيى، (عبرانيين 10:38، غلاطية 3:11، رومية 1:17، حبقوق 2:4)، ايمان هابيل، الذي علم ان الكل قد زاغوا معا، فسدوا، وليس من يعمل صلاحًا، ليس ولا واحد (مزمور 14:3، 53:3)، وهذا ما ختمه بولس الرسول بروح النبوءة في رومية 3:10، انه ليس بار ولا واحد، ليس من يفهم، ليس من يطلب الله. وكما تنبأ اشعياء اننا كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد الى طريقه، والرب وضع عليه (اي المسيح المصلوب) اثم جميعنا... (اشعياء 53).

فهل ما زلنا نتمسك ببرنا الذاتي؟ ام نقول هو هو وحده القدوس البار، يسوع المسيح المبارك، الذي في القديم قُبِلت باسمه ذبيحة هابيل، التي كانت تشير الى ذبيحة الصليب، والتي بها وفقط بها نخلص من شر هذا العالم، والدينونة الابدية، ونقبل ملكوت الآب ونعبده بروحه القدوس وحقه المبارك، له كل المجد الى الابد، امين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا