ايمان اخنوخ‎

، لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

في مقال سابق تأملنا بإيمان هابيل، عن الذبيحة التي قدمها لله، وبنعمة الرب سوف نستمر بالتأمل بحياة رجال ونساء الله، من خلال الاصحاح الحادي عشر من رسالة العبرانيين.

أحد الشخصيات الكتابية التي كُتِب عنها القليل في الكتاب المقدس، ولكن لها تأثير كبير ومعنا حقيقي للإيمان بالله هي شخصية اخنوخ.

اخنوخ

نقرأ في العبرانيين 11:5 انه بالإيمان نُقِل اخنوخ لكي لا يرى الموت، ولم يوجد لان الله نقله، اذ قبل نقله شُهِد له بانه قد ارضى الله.
ذكر الرسول كلمة نقل ثلاث مرات في هذا العدد، نقرأ ان اخنوخ نُقل، اي ليس بمجهوده البشري وحكمته البشرية نُقل، بل كما يقول الرسول ان الله نقله، وبانه قبل نقله قد أرضى الله، اي بمعنى اخر ان الفضل هو لله، القوة من الله، العمل هو لله وتكريس حياتنا المسيحية يأتي بفضل قوة وافتقاد سماوي، من الله وروحه القدوس.

ان معنى الاسم اخنوخ هو "المكرس"، وما احوجنا جميعا في هذه الايام ان نتكرس للرب الهنا من كل قلوبنا، تكريس صادق وكامل من كل القلب، والله وحده بعد ان وهبنا نعمة الخلاص والحياة الابدية، بسفك دم يسوع على الصليب، قادر ان يكرسنا بالتمام لشخصه المبارك ولخدمة الملكوت، ملكوت السماوات.

كتب الرسول بولس لأهل تسالونيكي الاولى 4:3، ان ارادة الله قداستكم، ويتابع بالقول ان تمتنعوا عن الزنا، وان يعرف كل واحد ان يقتني اناءه بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله!

علينا كمؤمنين (بمعونة الرب) ان لا نتمثل ونتشبّه بأفكار العالم، وللأسف الشديد اصبحت افكار ومعتقدات مناقضة للإيمان المسيحي، مناقضة لفكر ومحبة الله وكل رغبة صادقة بأن نتكرس ونتقدس للرب الهنا، وكما يقول الرسول يوحنا ان كل ما في العالم هو شهوة الجسد، شهوة العيون، وتعظم المعيشة، وهذه الامور هي ليست حسب فكر الله بل بالعكس تمام.

يحثنا الرسول في تسالونيكي الاولى 5:23 ان نمتحن كل شيء، ونتمسك بالحسن، ان نمتنع عن كل شبه شر، ويتابع ان إله السلام نفسه يقدسكم بالتمام، وتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح.

اخنوخ سار مع الله، نوح سار مع الله، ابراهيم سار مع الله، فهل حياتنا نحن، بعد ما قبلنا يسوع ربًا ومخلصًا على حياتنا، تُظهر تكريس وتقديس للسيد الذي اقتنانا بدمه؟ هذا التكريس الذي يبدأ بالروح كما كتب الرسول، اي من الداخل، من كياننا الباطني ومن كل القلب، كذلك تكريس للنفس، وتهذيب رغباتها وميولها حسب مشيئة الله، وايضا الجسد بكلامه ونظراته، بطعامه وشرابه ولباسه، بشهوته واحتياجاته...

يحثنا الكتاب المقدس ان نسير مع الله كما سار اخنوخ، ولكن هذا الامر يتطلب منا ان نقدم ذواتنا وبإرادة كاملة لله، وليس عن غصب، او حزن، او اضطرار، بل كما طلب الرسول بولس برأفة الله من اهل رومية، ان يقدموا اجسادهم ذبيحة حيّة مقدسة مرضية عند الله، اي ان رأفة الله هي التي تدعونا لكي نتكرس لإلهنا، وليس اي امر او دافع اخر، كذلك يقول الرسول ذبيحة حية، فكيف للذبيحة ان تكون حية؟ نعم ذبيحة اي ان نموت على ذواتنا وشهواتنا، لكي نحيى بقوة قيامة المسيح فينا، نسير معه كل ايام حياتنا، نتغير الى صورته ومثاله، 

وكما كتب الحكيم في كتاب الامثال 23:26، يا ابني أعطني قلبك، ولتلاحظ عيناك طرقي، لان الزانية هُوَّة عظيمة، والاجنبية حفرة ضيقة. وفي امثال 4:23 نقرأ ان فوق كل تحفظ احفظ قلبك، لان منه مخارج الحياة...

في تكوين 5:22 نقرأ عن حياة اخنوخ انه سار مع الله بعد ما ولد متوشالح، ونحن ليس لنا ان نسير مع الله، نطيعه، نخضع له ونخدمه ان لم نولد من فوق، نولد من الله، من الكلمة الحية وبعمل الروح القدس.

اخنوخ ولد متوشالح (المعنى مات وأرسل، بالعبرية מתושלח)، اي قبل الولادة الجديدة بالروح القدس، هناك موت على ذواتنا وشهواتنا، موت عن العالم، موت عن الخطية لكي نحيى مع المسيح، وكما كتب بولس في كولوسي 3:3، لأنكم قد مُتُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهِر المسيح حياتنا، فحينئذ تُظهرون أنتم ايضًا معه في المجد.

دعونا لا نتهاون بما يكتب رسول الامم، لأنه ان لم نموت على ذواتنا ونحيا مع المسيح كل يوم، بكل قداسة وتقوى فلن يرى أحد الرب! عبرانيين 12:14.

نفهم من تكوين 22 -5:21، ان اخنوخ عاش 365 سنة، وهذا يذكرنا بعدد ايام السنة، ويحثنا ان نتكرس للرب الهنا كل ايام السنة، وليس في ايام معينة فقط، بل كل ايام حياتنا، ايام الحزن وايام الفرح، ايام الاضطهاد وايام البركات، لأنه لكل شيء وقت تحت الشمس، والمثير للانتباه ان حياة اخنوخ على الارض كانت اقل من جميع ابائه واولاده، كانت حياة قصيرة نسبياً، ولكن كانت حياة مكرسة ومقدسة، لان الله ينظر الى القلوب وليس الى الوجوه، وليس المهم كَم السنين التي نعيشها في ايام غربتنا على الارض، بل الكَيف، الم يعش ربنا المبارك في ايام تجسده فقط 33 سنة، ولكن كانت مليئة بالمحبة والعطاء، بالتحرير والشفاء، فالكيف لا الكم يا احباء...

يقول الرسول ان اخنوخ لم يوجد، لان الله اخذه، هل نحن ايضًا اخذنا الله؟ لا نقصد الاختطاف الى السماء يوم رجوع الرب يسوع مع القديسين، امواتًا كنا ام احياء، ولكن نقصد هل الله اخذنا اليوم، هل اخذ راحته في تشكيلنا وتجديد قلوبنا وافكارنا؟ ان كان الله يعمل بنا فليس لنا ان نوجد نحن ايضًا، كما لم يوجد اخنوخ، هل الناس ترى فينا الطبيعة القديمة، الانانية، الشهوة، الكذب، الزنى والسرقة ام نحن لم نوجد، ويظهر المسيح فينا؟ هل نحن نوجد في خدمتنا وعطائنا للرب ام نختفي وراء صليب رب المجد، لكي يظهر هو وحده؟

كما ذكرنا ان كلمة نقله تتكرر ثلاث مرات في نفس العدد في رسالة العبرانيين، وهذا ما يؤكده لنا بولس مرة اخرى في الرسالة الى اهل كولوسي 1:13، ان الله أنقذنا من سلطان الظلمة، ونقلنا الى ملكوت ابن محبته، الذي لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا.

دم المسيح يغفر الخطايا، دم المسيح يطهر، دم المسيح ينقذ من سلطان الظلمة وينقلنا الى ملكوت ابن محبته، فهل اختبرنا قوة دم المسيح الذي سُفك على عود الصليب، ونقلنا الى ملكوت الحبيب يسوع، ام ما زلنا نصارع بقوانا البشرية ظلمة هذا الدهر بل ومنغمسين بخطاياه وشهوته؟!

الله هو الذي نقل اخنوخ، والفضل والقوة من الله، الله هو الذي نقل ايليا الى السماء، الله هو الذي اقام بل واجلس المسيح عن يمينه لكي يشفع لنا، فالذي نقل اخنوخ وايليا قادر ان ينقلنا نحن ايضاً الى ملكوته ومجده.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:

كيف لي ان اعرف ان كنت قد انتقلت من الموت الى الحياة؟

احبائي، نحن انتقلنا من الموت الى الحياة بمحبة الاخوة (يوحنا الاولى 3:14)، فهل محبة الله هي التي تملأ قلوبنا، ان نحب الله، نحب اولاد الله، نحب ونُكرم الاخوة اكثر من انفسنا، لأننا ان قلنا اننا قد انتقلنا من الموت الى الحياة، من الظلمة الى النور، فالعلامة هي المحبة، محبة الاخوة، بل  واقول محبة الاعداء كما علم ربنا، لأننا ان فعلنا هذا واحببنا الاخوة بل حتى الاعداء، فبهذا نُرضي ربنا المبارك، كما اخنوخ ارضى الله قبل ان ينقل... 

احبائي، دعونا نرضي الله قبل ان نُنقل، دعونا نحب بعضنا البعض قبل ان ننقل، لان الذي نربطه على الارض يكون مربوط في السماء، والذي نحله على الارض يكون محلول في السماء، دعونا نصلح كل شيء اليوم وليس غدًا، لأنه غدًا ربما يكون متأخر! دعونا نغفر اليوم، دعونا نُطلق اليوم، لأنه بعدما نُنقل لن يكون بعد مجال لا للتوبة ولا ارضاء الله، بل دينونة رهيبة لكل من لم يحل ولم يغفر، لان الله محبة، نعم نحن نتكلم عن الايمان، كذلك عن الرجاء، ولكن أعظمهم المحبة! 

وكيف لنا ان نحب الوالد (الله الآب)، ولا نحب المولود منه (المؤمنين باسم ابن الله الحي)؟ الم تكن هذه هي الوصية العظمى، أحبوا بعضكم بعضًا كما احببتكم انا؟

اخنوخ تنبأ عن الناس الفجار، الذين يُحَوِلون نعمة الهنا الى الدعارة، والذين يُنكرون السيد الوحيد: الله وربنا يسوع المسيح، نعم تنبأ عن هؤلاء اخنوخ السابع من آدم قائلاً:

هوذا قد جاء الرب في ربوات قدّيسيه، ليصنع دينونة على الجميع، ويعاقب جميع فُجَّارهم على جميع اعمال فجورهم التي فجروا بها، وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خُطاةٌ وفُجارٌ (رسالة يهوذا).

اخنوخ تكرس وتقدس وأرضى الله، وانتقل الى الامجاد السماوية، فهل تكرسنا وتقدسنا نحن من كل القلب، روحاً ونفساً وجسدًا؟ وانتقلنا من سلطان الظلمة والموت الى ملكوت يسوع المسيح؟ هل ملكوت الله في قلوبنا؟ ونحب الاخوة، جميع الاخوة، الضعيف والقوي، اليهودي والاممي، من اتفق معه الرأي ومن اعارضه الرأي؟ من فهمني ومن لم يفهمني؟

هل حياتنا تُظهر المسيح؟ لكي نتنبأ كما اخنوخ أيضا؟

ان كنا رائحة المسيح الذكية لله (كورنثوس الثانية 2:15)، في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون، لهؤلاء رائحة موتٍ لموتٍ، ولأولئك رائحة حياةٍ لحياةٍ، ومن هو كُفوءٌ لهذه الامور؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
سوف نبدأ بدراسة وتأمل حياة القدماء، الذين شُهِدَ لهم بالأيمان، من ايمان هابيل، الى اخنوخ، فنوح وابراهيم وغيرهم من ابطال الايمان
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader