نرفع الايادي للرب

وهب الله لنا فترة زمنية محددة نحياها هنا على الارض، ونحن بطبيعتنا البشرية نميل وبشدة الى تحقيق الانجازات في مجالات عديدة، وهنالك احلام كثيرة ما زلنا نجاهد في رؤيتها تتحقق في حياتنا.

بعض هذه الامور من الممكن ان يكون نافعًا وجيدًا لنا وللآخرين، ويكون سبب بركة في مجالات كثيرة، والاخر منها قد يحمل مضمون سلبي ويعود بالضرر لنا وللآخرين ايضًا. 
نحن نجتهد منذ الطفولة ونجدّ في مجال العلم والمعرفة، على الاقل لأنه امر اجباري، فهنالك من لا يهتم بذلك ويلجأ الى مجال العمل منذ حداثته، وهنالك من يتابع تعليمه حتى الوصول الى المعاهد العليا والجامعات، ويتابع بعدها في مجال العمل حتى جيل التقاعد. ونحن بطبيعتنا نميل الى اظهار كل انجاز ونجاح في حياتنا، واخفاء الامور التي أخفقنا فيها!

هنالك من يفتخر بمجال عمله، نجاحه به والتَرقّي الى مناصب عليا، وهنالك من يفتخر بثروته المادية، امتلاكه الاراضي والبيوت الكثيرة، وجمع الاموال...

وهنالك من يفتخر بتحصيله العلمي ومعرفة امور كثيرة وفي مجالات عديدة، واخر من يفتخر بحُسن المنظر الخارجي والجمال الذي وهبه اياه الله، وأصعب انواع الافتخار هي الانتماء لعقيدة فكرية او دينية معينة، والتي عادةً يرى بها الشخص انه أفضل وأحق من غيره، بل ويكفر من لا يُوافقه الرأي تمامًا!

والكارثة الكبرى هي من يفتخر بفجوره وخطاياه، ويعتبرها امور عادية وجيدة، وانه من حقه ممارستها لأنه "حر" الفكر والارادة، كمثل هؤلاء نقرأ بما ذكر بولس الى اهل رومية الاصحاح الاول، الذين يحجزون الحق بالإثم، كما ذُكر في العدد 32، وانهم يُسَرّون بالذي يعملون.
فهل هذا الامر حسن وجيد؟ هل لنا ان نتفاخر بما نحن عليه وما نملك؟ او لأي " طائفة " ننتمي؟ وان نتفاخر بشذوذنا الفكري، الجنسي وما شابه؟!

دعونا نتأمل بما قاله الحكيم في كتاب الجامعة، بأن الكل باطل، باطل الاباطيل، ويسأل ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس؟ 

ولا ننسى ان هذا الملك العظيم، الذي ملك في اورشليم، سليمان الحكيم، قد قال عن نفسه انه عظُمَ وازداد أكثر من جميع الملوك الذين كانوا قبله في اورشليم، ويتابع القول بان كل اعماله التي عملتها يداه، والتعب الذي تعبه، فهو باطل وقبض الريح. (كتاب الجامعة الاصحاح الاول والثاني). وانا لا اظن انه حتى في ايامنا هذه يوجد ملك او رئيس يملك ما ملكه سليمان او انجز انجازات مثله. 

ويتابع الحكيم في كتاب الجامعة 12:12، بتحذير ابنه وربما تحذيرنا نحن في هذه الايام، لعمل كتبٍ كثيرةٍ لا نهاية، والدرس الكثير تعبٌ للجسد! طبعًا انا لا اظن ايضًا ان الحكيم في قوله هذا يحثنا على اهمال دراستنا واعمالنا، بل نفهم عمق قصده بما تابع قائلاً: فلنسمع ختام الامر كله، اتَّقِ الله واحفظ وصاياه، لان هذا هو الانسان كله، لان الله يُحضر كل عمل الى الدينونة، على كل خفي، ان كان خيرًا او شرًا. 

فهل نفحص نحن جميع امور حياتنا، وكل ما عملناه وما سوف نعمله تحت المجهر الالهي ونور الانجيل؟

إذًا فما هو فخرنا؟ بل من هو فخرنا أعزائي بعد ان قال الحكيم ان الكل باطل وقبض الريح؟
قبل مدة كنت اتأمل وادرس رسالة بولس الرسول الى اهل كورنثوس الثانية، وما لفت انتباهي وشد انظاري هو تكرار كلمة الفخر او الافتخار عدة مرات في هذه الرسالة، على ما اظن تكررت اثنين وثلاثين مرة "فقط"، وهذا ما شدني بالفعل لافهم ما كان افتخار الرسول؟

ففي الاصحاح 12:9 يقول الرسول المبارك، انه بكل سرور يفتخر بالحري في ضعفاته، لكي تحل عليه قوة المسيح. ولا ننسى ان المتكلم هنا هو رسول الامم، واحد من أعظم من خدم رب المجد يسوع المسيح، وكاتب 13 رسالة او 14 اذا حسبناه كاتب رسالة العبرانيين من العهد الجديد، اي حوالي نصف العهد الجديد كتبه اخونا الحبيب بولس، ويا روعة رسول الامم بتواضعه، بل ونقول عمل المسيح ومجده في حياته، حتى انه لم يفتخر فقط بضعفاته، بل حسب نفسه آخر الرسل بل وكانه للسِّقط (اي الجنين الذي يسقط من بطن الام قبل استكمال ايام الحمل، والمعنى هو ما لا قيمة له).

وهذا الرسول المبارك، إذا اراد الافتخار، "يحق" له الافتخار أكثر منا جميعا، بمعرفته للكتب، وغيرته لله وانتماءه الديني قبل قبول المسيح ربًا على حياته، لكنه حَسِبَ كل شيء نفاية لكي يربح المسيح، ولم يفتخر بخدمته، معرفته، ولا حتى بالآيات والعجائب التي صنعها الرب من خلاله، بل كان وديعًا ومتواضعًا مثل سيده وربه، فهل نتعلم نحن ان لا نفتخر بما نحن؟ ولا باي انجاز روحي، مادي او اي انجاز اخر في حياتنا؟ لان كل شيء هو من الله، ولا نقول اننا لم ننل من الله لأنه هو الذي اعطانا كل بركة مادية وروحية، وإذا أردنا الافتخار فلنفتخر فقط بضعفاتنا، لكي تحل علينا نحن ايضًا قوة المسيح، لان الله يقاوم المستكبرين اما المتواضعين فيعطيهم نعمة، ونحن عندما نأتي اليه بقلوب صادقة معترفين بزلاتنا وخطايانا وضعفاتنا فهو امين، صادق وقادر ايضًا بان يحررنا من جميع ضعفاتنا، وهكذا يكون المسيح وحده فخرنا، ولسان حالنا يكون: 
من افتخر فليفتخر بالرب (كورنثوس الثانية 10:17)، وهكذا نُعَلّي اسم يسوع المسيح وحده، ونفتخر به وحده، لانه بالفعل عظم العمل معنا، وأعتقنا من العبودية الى حرية اولاد الله.
يؤكد الرسول على فخره بالمسيح في رسالة غلاطية 6:14، ويقول حاشا لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صُلب العالم لي وانا للعالم، فهل عندما نتأمل بالمصلوب، بجراحه، بيداه ورجليه المثقوبتان، بإكليل الشوك على رأسه، والاهم من كل ذلك الامه النفسية وانه تُرك على الصليب كخاطئ من اجلنا، هل لنا ان نفتكر بعد بالافتخار الى بضعفاتنا، وبربنا المعبود الذي احبنا حتى المنتهى، وهل وضعنا صليب الرب بيننا وبين العالم، ورفضنا فكر وعادات العالم، لكي نتعلم من بولس الذي عبد وخدم الله بالروح، وافتخر في المسيح يسوع، ولم يتكل على الجسد (فيلبي 3:3) ؟ دعونا لا ننسى وصية السيد لتلاميذه انه متى فعلنا كل ما أُمرنا به نقول: اننا عبيد بطّالون، لأننا انما عملنا ما كان يجب علينا، ولا نفتخر بأنفسنا ولا خدمتنا.

هنالك ملك اخر في العهد القديم، تعلم جيدًا ان يفتخر بربه والهه، مع انه سقط في خطية الزنى بل والقتل ايضًا، لكنه تاب من كل قلبه، وثَبَّت اعينه على ربه، والذي في النهاية أكرم ايمانه، وهو الملك داود.

نقرأ في كتاب المزامير ان داود افتخر بالله اليوم كله 44:8، بمعنى انه لم يسمح لشيء اخر يفتخر به الا الله وحده. وفي مزمور 56:10 يقول: الله افتخر بكلامه، الرب افتخر بكلامه، فهل نفتخر نحن بكلام الله، هل ندرس كلمة الله، هل تجسدت الكلمة فينا واظهرت المسيح في حياتنا؟ هل نعيش ونطبق في حياتنا اليومية ما نحفظه من الكلمة ام تبقى سيفًا من دون الروح، لا ننتفع به بل ونجرح به الاخرين؟! وفي المزمور 105:3 يقول افتخروا باسمه القدوس، فهل اختبرنا قداسة الله في حياتنا العملية واليومية، او افتخارنا يقتصر على انتماء لطائفة او دين او عقيدة معينة، لأنه بدون القداسة لن يرى أحد الرب!

صلاتي اخوتي واخواتي ان نختبر بحياتنا ما قاله بولس، ان فخرنا هو هذا: شهادة ضميرنا اننا في بساطة واخلاص الله، لا في حكمة جسدية بل في نعمة الله، تصرفنا في العالم، ولا سيما من نحوكم. (كورنثوس الثانية 1:12)، لان مسيحنا اله حي، وهو حي فينا، وبقوة نعمته الفائقة نحمل شهادة حية لإله حي، وضمير صالح نحو الله والناس، لكي نتصرف في العالم كما يحق فقط لإنجيل المسيح، فهل هنالك اعظم من فخرنا هذا؟!

اخيرًا احبائي، دعونا نحذر من الذين يفتخرون بالجسد، من الرسل الكذبة، الماكرون والذين يغيرون شكلهم الى شبه رسل المسيح، كخدام للبر، الذين نهايتهم تكون حسب أعمالهم (كورنثوس الثانية 15-11:12)،

ونسير نحن المؤمنين باسم ابن الله الحي في خطى بولس، الذي قال انه لا يوافقني ان افتخر 12:1، بل اوصانا بان نفتخر احدنا بالآخر، كما افتخر هو بالمؤمنين في كورنثوس ( 1:14 ، 7:4 )، مع انهم لم يكونوا كاملين، كما نحن لسنا كاملين، ولكن علينا ان نفتخر احدنا بالآخر، وان لا نركز على ضعفات اخوتنا في الكنيسة بل نرى ونميز عمل الرب بحياتهم  ونفتخر بذلك، لأننا نحن جسده وهو بروحه حي فينا، ولكي نفتخر بالرب وبعروسه كل ايام حياتنا هنا على الارض، ونبارك اسمه القدوس الى ابد الابدين، امين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا