آية الآيات (ج3): نهر محبة الرّب

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

نهر المحبة على صورة قلب

الآية في يوحنا 3: 16 يمكن اعتبارها بكل ثقة آية الآيات، فهي تُجِمل البشارة السارة، بتفاصيلها وتعلن سبيل الخلاص وطريق الحياة الأبدية. هي الماسة المميزة بإشعاعاتها، التي كلما تأملت فيها رأيت فيها أبعادًا جديدة، ورسالة حياة متجددة.
بالنظر إليها ببُعد واحد، هي أهم إعلان أو رسالة موجّهة للبشرية على الإطلاق في كل مكان وزمان (راجع آية الآيات ج1)، وذلك بالاستناد على عظمة المرسل (الخالق)، وجمهرة المرسل إليهم (البشرية جمعاء)، وخطورة مضمون الرسالة (المصير الأبدي).

وبالتأمل فيها ببعدين، هي البداية والنهاية (راجع آية الآيات ج2)، فهي تبدأ بالله الأزلي خالق كل البشرية وجامعها معًا بمحبته لها رغم ضلالها، وتنتهي بالمصير الأبدي الذي يختاره كل إنسان بكامل حريته، والذي تفترق عنده البشرية وتنقسم إلى مجموعتين، مجموعة خلُصت بالإيمان بعمل المسيح ونالت الحياة الأبدية، ومجموعة رفضت خطة الرّب للخلاص ولم تنج من مصير الهلاك الأبدي.

عندما تتجول أفكارنا في أجواء هذه الآية نرى فيها نهر محبة الله للبشرية، بأبعاده الثلاثة: المنبع والمجرى والمصب.

 النهر: المنبع، المجرى والمصب: (ثلاثة أبعاد)
"لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ." (يوحنا 3: 16).
يشبّه الأنبا مكاريوس آية الآيات كالنهر الجاري، فلكل نهر ثلاثة أجزاء رئيسة، وهكذا هذه الآية تعبر عن نهر المحبة الإلهي بثلاثة أجزائه: 
أ‌. المنبع: وهو المنطقة المرتفعة التي ينبع منها النهر: هكذا أحب الله العالم.
ب‌. المجرى: وهو المنطقة التي تجري فيها مياه النهر ما بين المنبع والمصب: حتى بذل ابنه الوحيد.
ت‌. المصب: وهو المنطقة المنخفضة التي يصب فيها النهر مثل المحيط أو البحر أو البحيرة: لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.

نهر محبة الله للبشرية، هو نهر جارٍ، مياهه عذبة، نقية بل مطهّرة ومخّلصة من كل الأدران والخطايا، لكل من يستحم في غزير مياهها، وكل من يغرق في محبتها يعيش، كما صرّحت عروس النشيد " إِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا" (نشيد 2:5 و5: 8). فمنبعه الله المحبة، أو محبة الله، التي لا تنضب، بل تنبع محبة وخلاصًا حتى لأشر الخطاة دون توقف. 
نهر المحبة هذا يجري باستمرار ليتلامس بل ليغمر بعنايته ورعايته كل عطشان للحياة الحقّة، فهو يتواصل مع روافد ووديان وجداول عديدة وصلت وتصل لكل إنسان على وجه المسكونة، في كل مكان وزمان، (فالسموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه... (مزمور19: 1))، كما تصل الأوعية الدموية من شرايين وشعيرات دموية إلى كل عضو وخلية في جسم الكائن الحيّ لتمده بأكسجين وغذاء الحياة. 
نهر المحبة الإلهية يستمر في جريانه ليصب في بحر بل محيط الحياة الأبدية، لكل من يسمح لتعاملات ومحبة الله التي ظهرت على صليب الجلجثة في موت المسيح الكفاري، أن تلمس حياته وتغيّره لينال الحياة الأبدية وينجو من الهلاك، هذه المياه تستطيع اختراق القلوب القاسية كالصخور، شريطة أن تفتح هذه القلوب فتحة ولو صغيرة لاستيعاب ماء الحياة، لتفيض مياهًا وحياة، أما القلوب المحجرة التي ترفض أن تلين أمام مياه نهر محبة الله، الذي فاض دمًا طاهرًا زكيًا بموت المسيح على الصليب، فلن تنعم بالحياة الأبدية، بل تصب حياتها في بحيرة النار المعدة لإبليس وملائكته، حيث الظلمة الخارجية، وصرير الأسنان والعذاب الذي لا نهاية له بعيدًا عن الله، فيصدق فيهم قول إرمياء النبي "لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (ارمياء2: 13). 
من الغباء والجهل أن نترك نهر المحبة الصافية والفيّاض بماء الحياة، لنشرب من مجاري مياه ملوثة ومتسخة لا تروي ولا تنعش، بل تسمح لسموم الموت وجراثيمه بالتغلغل عميقًا في حياتنا والقضاء على الرجاء الأبدي.

آية الآيات تدعونا لنشرب ونرتوي من نبع نهر المحبة ليحيا المسيح فينا فنفيض من حبه وحياته، فهو القائل: "مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يوحنا 4: 14). 
إقبل محبة الله المقدمة لك في المسيح يسوع ليصب مصيرك في الحياة الأبدية، الحياة التي لا تنتهي مع الله.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
هي اللؤلؤة الماسية الفريدة المنصوبة عاليًا على تاج الخليقة، لتعلن للبشرية جمعاء طريق الحياة. وبالتالي لا بدّ للمتأمل فيها طالبًا روح الحق من أعماق القلب إلا أن يجد طريقه للحياة الفضلى والأبدية...
البداية: الله الأزلي، بدء البدايات الذي لا بدء له: تركز الآية على الله ومحبته، فالله الأزلي الذي هو محبة، هو بدء البدايات إذ لا بداية له، هو سِر وبداية كل شيء ما يُرى وما لا
مع أننا لا نستطيع تقصي أبعاد محبة الله وسبر أعماقها، ولكننا يمكننا من خلال آية الآيات ملاحظة أربعة أبعاد لمحبة الله للبشر. طول محبة الله للبشرية، عمق هذه المحبة، أما عرضها، فيظهر في العبارة...
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader