قوة الكلام وتهذيب اللِّسان - الجزء الأوّل

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

يستطيع الإنسان أن يروض معظم الحيوانات البرية، كما يحدث مثلاً عند ترويض أسد أو نمر أو فيل ‏لتقديم عروض في ألعاب السيرك، حيث نشاهد دببة تقود دراجات، وأسود ونمور تقفز في حلقات نارية، ‏وفيَّلة تقف على رؤوسها، و كلاب تلعب الكرة، ودلافين ترقص وتقفز في الماء.‏

أجل، يستطيع الإنسان أن يروض معظم الحيوانات البرية، ولكنه لا يستطيع أن يروض شيئاً صغيراً جداً ‏يمتلكه، وهذا الشيء الصغير هو اللِّسان.‏

قوة اللسان

إن أهم ما يميزنا كبشرعن بقية المخلوقات من نباتات وحيوانات هو قدرتنا على النطق. فالكلام والقدرة ‏على الاتصال والحوار مع الآخرين هما نعمة رائعة لنا من الله. ويوجد في الكلام الذي ننطق به قوة جبارة ‏غالباً لا ندركها. فكلامنا قادر أن يغير ويشكل حياة النَّاس إمّا للأحسن أو للأسوأ:‏

ما أكثر الرجال الذين طعنوا نساءهم بكلمات أمضى من السيف.‏

وما أكثر النساء اللواتي قطَّعن ومزقَّن قلوب أزواجهنَّ بألسنتهم.‏

ما أكثر الأهل الذين دمروا مستقبل أولادهم بكلمات نارية.‏

وما أكثر الأبناء الذين ملئوا قلوب أباءهم وأمهاتهم بالحسرة واللوّعة.‏

وللأسف أقول: ما أكثر الكنائس التي مُسحت عن وجه الأرض بسبب حروب كلامية بين أعضائها.‏

كذلك ما أكثر ما انقسمت الكنائس على مدار التاريخ بسبب أقوال هدَّامة.‏

كلامنا هو فضلة ما في قلوبنا، فمن فضلة القلب يتكلم اللِّسان. ويوجد بين النّاس من ينطق بكلمات الإيمان، ‏ولكنه في الواقع يمثل ويدّعي الإيمان، وسريعاً ما ينكشف أمام النَّاس، مع أنه مكشوف أمام الله منذ البداية. ‏ومن لا يضبط لسانه، فإنه بحاجة إلى مراجعة حياته الروحية وتصحيح علاقته مع الله.‏

كل واحد منّا يفرح ويتشجع وترتفع معنوياته عند الاستماع لمثل الجمل والعبارات التالية: أنا أحبك. أنت ‏إنسان مهم لي. أشكرك جزيل الشكر. أنا معجب بشخصيتك. شكراً لاتصالك وسؤالك بي، شكراً لزيارتنا. ‏شكراً للسؤال عن أخباري. أنت رائع. أحب تسريحة شعرك. ملابسك جميلة ورائعة وجميلة عليك. أنت ‏قمت بعمل ممتاز. هذا المكان لا شيء بدونك، لا يمكن التعويض عنك، مبروك النجاح،  عنّي. أنا أفتخر ‏بك.‏

وفي نفس الوقت، كل واحد منا يتضايق ويغضب ويشمئز وقد يصاب بالاكتئاب عند الاستماع لعبارات ‏سلبيّة مثل: أنا أكرهك. أنت مثير للاشمئزاز. أنت ثقيل الدم. ما أدفشك. ليتنا لم نعرف بعضنا البعض. ‏ليتني مت ولا عرفتك. ليتك تموت ونرتاح منك. أنت تثير أعصابي. أريد أن أهجرك. لا أحد يهتم بك. من ‏أنت أصلاً حتى أكلمك. سكوتك أحسن لك. شكلك غير لائق. لن أتحدث معك مرة ثانية. أنت منحط. أنت ‏فاشل. أنت أناني. أنت مقرف. وغيرها من العبارات السلبيّة والقاسية واللاذعة.‏

هذا هو حال البشرية: ننطق بكلمات كثيرة ومتنوعة، ولكننا كثيرا لا نفكر بقوة وتأثير هذه الكلمات على ‏حياتنا وحياة الآخرين.‏

نقرأ في رسالة يعقوب  1:3-12 كلمة الله المقدّسة: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ ‏دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْثُرُ فِي الْكَلاَمِ فَذَاكَ رَجُلٌ كَامِلٌ، قَادِرٌ أَنْ ‏يُلْجِمَ كُلَّ الْجَسَدِ أَيْضًا. هُوَذَا الْخَيْلُ، نَضَعُ اللُّجُمَ فِي أَفْوَاهِهَا لِكَيْ تُطَاوِعَنَا، فَنُدِيرَ جِسْمَهَا كُلَّهُ. هُوَذَا السُّفُنُ ‏أَيْضًا، وَهِيَ عَظِيمَةٌ بِهذَا الْمِقْدَارِ، وَتَسُوقُهَا رِيَاحٌ عَاصِفَةٌ، تُدِيرُهَا دَفَّةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا إِلَى حَيْثُمَا شَاءَ قَصْدُ ‏الْمُدِيرِ. هكَذَا اللِّسان أَيْضًا، هُوَ عُضْوٌ صَغِيرٌ وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا. هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ؟ فَاللِّسان نَارٌ! ‏عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسان، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ. ‏لأَنَّ كُلَّ طَبْعٍ لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَالزَّحَّافَاتِ وَالْبَحْرِيَّاتِ يُذَلَّلُ، وَقَدْ تَذَلَّلَ لِلطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ. وَأَمَّا اللِّسان، فَلاَ ‏يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاس أَنْ يُذَللهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا. بِهِ نُبَارِكُ اللهَ الآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ النَّاس ‏الَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ اللهِ. مِنَ الْفَمِ الْوَاحِدِ تَخْرُجُ بَرَكَةٌ وَلَعْنَةٌ! لاَ يَصْلُحُ يَا إِخْوَتِي أَنْ تَكُونَ هذِهِ الأُمُورُ ‏هكَذَا! أَلَعَلَّ يَنْبُوعًا يُنْبِعُ مِنْ نَفْسِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ الْعَذْبَ وَالْمُرَّ؟ هَلْ تَقْدِرُ يَا إِخْوَتِي تِينَةٌ أَنْ تَصْنَعَ زَيْتُونًا، أَوْ ‏كَرْمَةٌ تِينًا؟ وَلاَ كَذلِكَ يَنْبُوعٌ يَصْنَعُ مَاءً مَالِحًا وَعَذْبًا!".‏

في الآية الأولى، يحذرنا الله بلسان الرسول يعقوب بأن نكون حذرين عندما نرغب بأن نكون معلمين ‏للآخرين، لأن المعلم سيقع تحت دينونة أعظم من دينونة الآخرين. فكلامه وتعليمه سيأثر بكل تأكيد في ‏عقائد وأخلاق وسلوك الآخرين، وبالتالي فمسئوليته أمام الله عظيمة جداً.‏

ربما يظن المعلم أن رتبته ودوره مهم في الحياة، فهو كمعلم له امتيازات وسلطة ومركز ومهابة. وهو ‏بذلك ينسى أن هذا المركز القيادي يعني أن عليه مسئولية عظيمة أمام الله، وبأنه بالتالي يجب أن يتواضع ‏ويشكر الله على ما أعطاه، ويكون حريصاً في كلامه ويضبط لسانه ويفكر بكل كلمة ينطق بها.‏

في الآية الثانية نكتشف أنه ليس المعلم فقط من قد يقع في الخطيَّة، بل أن كل واحد منا عليه أن يعترف ‏بأنه يعثر ويخطأ في أشياء كثيرة، وخصوصاً خطايا اللِّسان العديدة والمتنوعة.‏

بعد ذلك نقرأ عبارة رائعة: "إن كان أحدٌ لا يعثر في الكلام فذاك رجل كامل". أجل: من لا يخطأ من الرجال ‏والنساء في كلامهم، فهو إنسان مسيحي ناضج في إيمانه وعلاقته مع الله. نقرأ في سفر الأمثال 23:21 ‏‏"مَنْ يَحْفَظُ فَمَهُ وَلِسَانَهُ، يَحْفَظُ مِنَ الضِّيقَاتِ نَفْسَهُ".‏

في الآيات 3-12 ، يقدم لنا الرسول يعقوب ستة صور عن اللِّسان، وهذه الصور والتشابيه تبين لنا مقدار ‏صغر اللِّسان حجماً وقوة تأثيره فعلاً:‏

‏1.‏ اللجام: يضع مروضي الخيول قطعة معدنية في فم الحصان تسمى اللجام، وهذه القطعة الصغيرة ‏تتحكم بقوة الحصان العظيمة. فراكب الخيل يتحكم بحركة الخيل من حيث الركض أو السير أو ‏التوقف أو الرجوع للخلف بواسطة اللجام.‏

‏2.‏ الدّفة: يشبه الرسول اللِّسان أيضاً بدفة السفينة أو الباخرة وحتى حاملة الطائرات. والدفّة عبارة ‏عجلة صغيرة أو قضيب معدني قادر أن يتحكم بحركة سفينة هائلة قد تحمل آلاف المسافرين أو ‏مئات الأطنان من البضائع أو حتى مجموعة من الطائرات.‏

كل من اللجام والدفة يجب أن تكون تحت تحكم وسيطرة يد قوية، وبنفس الصورة، يحتاج لساننا ‏الصغير أن يكون تحت سلطان الله القدوس، فمن ألسنتنا تخرج كلمات للحياة وكلمات للموت.‏

‏3.‏ نار: في الآيات 5 و6 يشبه الرسول يعقوب اللِّسان بالنَّار، وبأنه عالم الإثم بين أعضائنا الجسدية. ‏تصور أن اللِّسان عالم بذاته في الجسم البشري، ولكنه عالم الإثم لأنه مصدر لسقوط الإنسان ‏بأكمله. نعم: لسان الإنسان يحرق الإنسان ويحطمه، وللأسف الشديد، إن مصدر نار اللِّسان التي ‏تحرق كل الإنسان هي جهنم، أي أن الشيطان الشرير وعدو النفس هو مصدر كل شر ينطق به ‏لسان كل واحد منّا.‏
تصوروا معي غابة من الاف الأشجار وعمرها مئات السنين، ومع ذلك فعود واحد من الكبريت كفيل ‏بحرقها وتحويلها إلى رماد. فالنار قوة مدمرة جبارة. كذلك لسان كل واحد منا له نفس هذه القوة الجبارة ‏على حرق النَّاس وحرق الذات وخراب البيوت والأسر والمجتمعات والكنائس والمؤسسات، وحتى الحياة ‏نفسها.‏

تستطيع الكلمات أن تنتشر كالنار في بيوتنا وكنائسنا ومؤسساتنا وتدمر الجميع. لذلك علينا أن نتذكر معي ‏قول النّبي داود في مزمور 13:34 "صُنْ لِسَانَكَ عَنِ الشَّرِّ، وَشَفَتَيْكَ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْغِشِّ". ‏

‏4.‏ شر لا يضبط: في الآيات 7-8 يذكرنا الرسول يعقوب بقدرة الإنسان على ترويض وضبط ‏الكائنات الحية. فالإنسان دجَّن الحصان والحيوان والطير والسمك. واستطاع استخدام حيوانات ‏كثيرة لخدمته. حتى الأسود والنمور روضها الإنسان، مع ذلك فلم ولن يستطيع الإنسان أن ‏يروضه، فهو "شر لا يضبط، مملوءٌ سماً مميتاً". اللِّسان دائم الحركة، فهو لا يستريح، ودائماً ‏يبحث عن ضحية جديدة. هكذا الأفعى السّامة والقاتلة، فهي لا ترحم من يقع بين أنيابها.‏

‏5.‏ ينبوع أو نبع: يقدم لنا الرسول يعقوب صورة خامسة للسان وهي صورة النبع، وهذه الصورة ‏تساعدنا لنفهم أن يستحيل علينا أن نبارك ونلعن بنفس اللِّسان في نفس الوقت. فالذي يلعن النَّاس لا ‏يمكن أن تكون صلاته مقبولة أو صادقة. ولتوضيح هذه الثنائية أو التناقض في ما يخرج من بركة ‏ولعنة من اللِّسان، يسأل الرسول سؤالاً يدعوا للتأمل "أَلَعَلَّ يَنْبُوعًا يُنْبِعُ مِنْ نَفْسِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ ‏الْعَذْبَ وَالْمُرَّ؟". والجواب على هذا السؤال هو بالنفي. فلا يمكن لنفس ينبوع الماء أن يعطينا، وفي ‏نفس اللحظة، ماءً عذباً صالحاً للشرب، وماءً مراً أو ملوّثاً لا ينفع لشيء.‏
أي أن الرسول يعقوب يعلمنا بأنه كما أن نبع الماء الواحد يعطي نوعاً واحداً من الماء، وهذا الماء إما أن ‏يكون عذباً أو مالحاً، كذلك علينا كبشر أن ننتبه لما يخرج من أفواهنا، فلا نمثل الورع والتقوى والإيمان، ‏ونبارك الله في محضر الآخرين أو في الكنيسة، ولكننا في حياتنا الخاصة نجدف ونلعن النَّاس ونشوه ‏سمعتهم.‏

‏6.‏ شجر مثمر: الصورة الأخيرة في الآية رقم 12 هي صورة ثمار الشجر. فكما أن كل شجرة تعطي ‏ثمارها الخاصة بها، كذلك اللِّسان يعطي ثماراً تجسد حقيقة صاحبه. من التين نأكل ثمر التين، ‏ومن الكرمة نأكل عنباً. ومن ثمر لساننا، ماذا نستفيد ويستفيد النَّاس: هل ثمر لساننا هو كلام حياة ‏وبناء، أم كلام موت ودمار.‏

عندما خلقنا الله أعطانا أذنتين للسمع، وعينين للنظر، وفتحتي منخار للتنفس والشم. فنحن بآذاننا وعيوننا ‏وأنوفنا نستطيع أن ندرك ما يدور حولنا، وفي نفس الوقت أعطانا الله فماً واحداً للتعبير عن الأمور التي ‏نسمعها ونراها ونتنفس رائحتها. فهل هذا يعني أن الله يريد منا أن نلاحظ وندرك الأشياء أضعاف ما ‏نتحدث عنها أن نعلق عليها.‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
"اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسان، وَأَحِبَّاؤهُ يَأْكُلونَ ثَمرَهُ" يعلن لنا الله هنا حقيقة ‏صادمة تتعلق بقوة الكلام واللسان. وهذه الحقيقة ببساطة تبين لنا قدرة اللسان على جلب الموت والدمار..
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader