متى 18:1-25‏‎ ‎‏"أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هَكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا ‏وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارّاً وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرّاً. وَلَكِنْ فِيمَا هُوَ ‏مُتَفَكِّرٌ فِي هَذِهِ الأُمُورِ إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ ‏لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ. ‏وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ:‏‎ ‎هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (ﭐلَّذِي ‏تَفْسِيرُهُ: اَللَّهُ مَعَنَا). فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ. وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى ‏وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ".‏

عندما نتحدث في حياتنا اليومية عن شخصية أو صفات رجل أو امرأة معينة فإننا في الغالب نتحدث عن واحد ‏من ثلاثة أشياء:‏
‏* الحديث عن إنسان معيّن بأن له شخصية مميزة، يكون القصد هو أن هذا الشخص فريد من نوعه أو غريب ‏الأطوار.‏
‏* أيضاً الحديث عن شخصية معينة يعني الحديث عن رجل أو إمرأة له دور في قصة معينة أو فلم سينمائي.‏
‏* كذلك فالحديث عن إنسان بأنه شخصية مميزة يعني ببساطة الحديث عن رجل أو إمرأة له سمات أو ميّزات ‏نبيلة أو أخلاق حميدة. ‏

أي أن الحديث عن شخصية معينة هو في الواقع حديث عن إنسان فريد أو مميز، أو إنسان له دور في قصة أو ‏حدث معيّن، أو الحديث عن إنسان نبيل ومحترم. وفي تأملنا في شخصية القديس يوسف النجار خطيب القديسة ‏مريم العذراء، فإننا في الواقع نتحدث عن رجل اجتمعت في شخصيته الميزات الثلاث أعلاه: فهو إنسان مميز ‏وفريد، وله دور في واحد من أعظم أحداث التاريخ، وهو حدث أو حقيقة تجسد شخص الرب يسوع المسيح، ‏كما أن يوسف كان إنساناً نبيلاً ومحترماً، بل يجب عليّ هنا أن أستخدم الصفة التي ذكرها الإنجيل المقدس عن ‏هذا الإنسان بأنه كان "باراً" (متى19:1).‏

الشيء المؤسف، أنه في خِضَمِّ الحديث عن ميلاد رب المجد يسوع، يتحدث الناس كثيراً عن القديسة مريم ‏العذراء، وعن الملائكة، وعن الرعاة، وعن المجوس، وعن الملك هيرودس، وحتى عن النجم الذي ظهر للمجوس، ‏ولكن ينسون نجماً بشرياً استخدمه الله والملك هيرودس ليكون الزوج المحب للقديسة مريم العذراء، والمربي ‏الفاضل لشخص الرب يسوع له المجد.‏

عندما نتأمل في الآيات القليلة التي سجلها الوحي المقدس عن القدّيس يوسف، نكتشف مباشرة بأن الله قد ‏اختاره لأنه كان مثالاً لرجل يحب الله، شخص امتاز بالبر والخضوع لإرادة الله، والعمل بحسب مشيئة الله وطاعته ‏فيما أراد منه أن يعمل.‏

القديس يوسف النجار ومريم العذراء

اسم يوسف يعني لغوياً إضافة أو زيادة. ويرتبط ذكره ارتباطاً وثيقاً باسم القديسة مريم العذراء. فعندما ذكر ‏اسم يوسف للمرة الأولى في الإنجيل المقدس قيل عنه "يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى ‏الْمَسِيحَ" (متى 16:1). كذلك ينهي الإنجيل المقدس ذكر اسم يوسف بعد زيارته إلى اورشليم مع القديسة مريم ‏عندما كان الرب يسوع إبن إثنتي عشرة سنة، ويتضح من الإنجيل أن علاقة القدّيس يوسف بالقدّيسة مريم ‏العذراء قد اتسمت بالمحبة واللطف والرعاية، أي أنها كانت علاقة انسانية مثالية ورائعة.‏

دعونا في البداية نتعرف على القدّيس يوسف، من هو هذا الإنسان: ‏
‏1. يوسف من نسل داود من سبط يهوذا: يوجد في الإنجيل المقدس ثلاثة شواهد على نسب القديس يوسف من ‏نسل الملك داود. فقد ورد اسم يوسف أولاً في سلسلة النسب الملوكي، أي سلسلة نسب الرب يسوع المسيح ‏الأرضية. نقرأ في متى 15:1-16 قول الوحي المقدس "... وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ ‏الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ".ثم نقرأ عنه في الآية 20 قول ملاك الرب ليوسف: "يَا يُوسُفُ ابْنَ ‏دَاوُدَ". كذلك نقرأ في لوقا 4:2 عن يوسف أنه "مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ". ‏

‏2. يوسف هو الأب الأرضي الشرعي للرب يسوع المسيح: يعلن لنا الله في الإنجيل المقدس حقيقة حبل القديسة ‏مريم العذراء بمعجزة سماوية، فقد حملت الطفل يسوع في أحشائها بدون زرع بشر، بل بقوة من الله. ومن أجل ‏حماية القديسة مريم من الإشاعات والتهم الباطلة، أي من أجل صيانة اسمها الطاهر وسيرتها المقدسة، رتب الله ‏بحكمته الفائقة للإدراك أن يتم حبلها بشخص الرب يسوع المسيح في الوقت الذي كانت فيه مخطوبة من ‏القديس يوسف النجار.‏

يشير لفظ "مخطوبة" في الكتاب المقدس إلى رباط شرعي بين الرجل والمرأة، أي أن الخطوبة هي علاقة زواج ‏حقيقية بينهما ولا تفسخ تلك العلاقة إلا بالطلاق. والفرق بين الخطوبة والزواج الفعلي هو أنه لا تتم العشرة ‏الزوجية أثناء فترة الخطوبة إلى حين انتقال المرأة إلى بيت خطيبها. أي أن يوسف كان من الناحية الشرعية زوج ‏مريم (سفر التثنية 23:22-24).‏

وهكذا عرف يوسف بأنه الأب الأرضي والشرعي للرب يسوع مع أنه لم يكن أبوه الطبيعي، لذلك دعي المسيح ‏إبن داود. وبهذا الترتيب الإلهي. وهكذا تمت نبوات رجال الله في العهد القديم على أن المسيح سيأتي من نسل ‏داود (صموئيل الثاني 12:7-16). لقد ولد الطفل يسوع في أسرة بشرية مقدسة تتكون من الأم مريم العذراء ‏والأب يوسف النجار (متى 16:1، 20/ لوقا 24:2، 27، 48؛ 23:3؛ 22:4/ يوحنا 45:1؛ 42:6).‏

‏3. كان يوسف يعمل في النجارة: نقرأ في متى 55:13 أن يسوع عرف "بإبن النجار" ونقرأ في مرقس 3:6 قول ‏أهل مدينة الناصرة عن المسيح بأنه "النجار ابن مريم". وهكذا شرّف الرب يسوع مهنة النجارة التي عمل بها ‏أيضاً أبوه الشرعي القديس يوسف.‏

ما هي أهم الأشياء التي يعلنها الكتاب عن القديس يوسف النجار:‏

أولاً: كان يوسف رجلاً باراً: متى 18:1-19‏

نقرأ في الآية 19 أن "يُوسُفُ... كَانَ بَارّاً"، والواقع حتى لو أن الإنجيل لم يذكر لنا هذه الحقيقة، فإننا نستطيع ‏استنتاج ذلك من خلال قراءتنا لما عمله يوسف مع القديسة مريم العذراء ومع الطفل يسوع. وصفة "البار" ‏المستخدمة هنا تشير إلى أن أسلوب تفكير يوسف ومشاعره وأعماله كانت جميعها بحسب مشيئة الله.‏

وجد يوسف نفسه في موقف حرج وصعب للغاية: فقد كان خطيباً لمريم، واكتشف فجأة أن خطيبته حبلى، فما ‏العمل. موقف يوسف من حبل مريم العذراء يكشف لنا أنه كان رجلاً عظيماً ومباركاً. فهو لم يعلم بسر حبلها، ‏وتفاجأ بها وهي تحمل جنينها في أحشائها. فلم يشتم ويلعن ويهدد ويضرب ويطالب بالإنتقام. بل تصرف بحب ‏ورعاية عجيبة. فلم يخبر أي شخص بأن الجنين الذي كان في أحشاء مريم لم يكن منه، بل ترك الجميع يظنون أنه ‏الأب الحقيقي للطفل. وأراد أن ينفصل عن مريم بهدوء.‏

لقد كان باستطاعة يوسف أن يطالب بتطبيق شريعة الله ورجم مريم بالحجارة حتى الموت أو أن يطلقها (راجع ‏سفر العدد 11:5-31، ولاويين 10:20) ولكنه لم يمارس حقه الشرعي. في نظر يوسف، كانت الرحمة والمحبة ‏أعظم جداً من تطبيق حرف الناموس.‏

حسب العادات التي سادت في أيام يوسف ومريم، كان الزواج يمر في مرحلتين: المرحلة الأولى هي مرحلة ‏الخطوبة، ثم مرحلة الاحتفال بالزواج. وخلال مرحلة الخطوبة، يعمل أهل العروسين على ترتيب عقد الزواج ‏الذي يتعهد فيه والد العريس بدفع مهر العروس الذي يمثل ضمانة أو مصدر أمن للعروس في حالة أراد العريس ‏ترك خطيبته أو طلاقها. ومن الناحية القانونية، فإن الخطيبين يُعتبران زوجين منذ الإتفاق على عقد الزواج، ولكن ‏لم تكن مراسم الزواج تتم عملياً إلا بعد سنة، حيث كانت فترة الخطبة للتحضير ولاختبار ولاء الخطيبين لبعضهما ‏البعض.‏

بدأت المشكلة عندما ظهر ليوسف أن خطيبته مريم قد خانت عهدها معه وأصبحت حاملا، أي أنها خيّبت آماله ‏ووضعته في موقف محرج. فبحسب الشريعة كان يحق ليوسف أن يذل مريم أمام الناس بسبب خيانتها ‏الظاهرة له، كما وكان من حقه أن يطالب برجمها بتهمة الزنا، وفي نفس الوقت كان يستطيع تركها بهدوء وبدون ‏أية فضائح، وفي جميع الحالات لم يعد باستطاعة يوسف إتمام مراسم الزواج لأنها، كما بدا له، قد خانت عهدها ‏معه ومع الله.‏

ومع ذلك فقد اختار يوسف أن "لا يشهرها"، أي أن لا يسبب لها فضيحة أخلاقية واجتماعية ودينية، بل أراد أن ‏يفسخ عقد الخطوبة بينهما بصمت وهدوء، حيث كان يتم فسخ العقد بحضور شاهدين أو ثلاثة يمكن الثقة ‏بهم. وهذا الاختيار يدل بلا شك على أن يوسف كان يخاف الله، وبحسب تعبير الكتاب المقدس، لقد كان "باراً"، ‏ولم يهتم بالجرح والألم الذي أصابه، ولكنه كان حريصاً أن لا تنجرح خطيبته مريم وأن لا تتعرض لأي سوء من ‏المجتمع القاسي الذي لا يرحم. وهذا دليل قاطع على أنه كان يحب خطيبته مريم، وبالرغم مما جرى، فإن حبه ‏لم يتغير، والذي يحب لا يمكن أن يتسبب بأيّ أذى لمن يحبه.‏

موقف يوسف من القديسة مريم يدفع الكثيرين منا إلى الخجل من أنفسنا. فنحن على استعداد أن نشهر بأي ‏شخص ولو أساء إلينا بإساءة بسيطة جداً، وليس إساءة فظيعة مثل الزنا والحبل. نحن لا نرحم. نحقد، ونفرغ ‏سموم حقدنا بالثرثرة وتشويه سمعة الناس وحتى الإساءة إليهم.‏

يوسف لم يشأ أن يشهر خطيبته. اليوم إن خطب شاب فتاة، واكتشفت هي شيئاً عليه أو اكتشف هو شيئاً ‏عليها، فإن جميع الناس يعرفون ما الذي يجري بينهم، وتنتشر الفضيحة بين الناس.‏
المسيحي إنسان محب ولا يسئ للآخرين حتى ولو أساؤوا إليه.‏
المسيحي المحب يحب أن يستر على أخطاء الآخرين، فالمحبة تستر كثرة من الخطايا... ومن منا لا يخطأ، ومن منا ‏لا يحتاج إلى رحمة الله.‏

أراد يوسف أن يعمل ما هو حق وصواب، وقلب يوسف يعكس رحمة الله وعدله في نفس الوقت. فنحن نعلم ‏من الكتاب المقدس أن الله محب وعادل في نفس الوقت. فالله في عدله يكره الخطية ويعاقب من لا يتوب عن ‏خطاياه، ولكنه أيضاً محب، ولذلك يظهر رحمته لمن لا يستحق الرحمة. نقرأ في مزمور 7:45 عن شخص الرب: ‏‏"أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ". أجل إن الله يحب الخطاة حتى الموت، موت الصليب كما نقرأ في رومية 8:5 "وَلَكِنَّ ‏اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا".‏

يوسف، هذا الرجل الذي لم يسجِّل لنا الإنجيل أية عبارة نطق بها، أي الذي يمكن أن نطلق عليه لقب "الرجل ‏الهادئ" أو "الرجل الصامت"، أحب خطيبته وأراد أن يظهر لها الرحمة لمن ظنّ أنها لا تستحق الرحمة بسبب ‏خيانتها وحبلها قبل الزواج. تماماً كما يظهر الله لنا الرحمة بسبب خيانتنا له وعدم طاعتنا له وارتكابنا لأبشع ‏الخطايا مثل الكذب والنفاق والحسد ومحبة المال وغيرها من الخطايا البشعة. ‏

كره يوسف الخطية الظاهرة له، ومع ذلك كان رحيماً ومحباً لمريم، علماً بأن مريم لم ترتكب خطية في حبلها، بل ‏أن كل شيء قد تم بحسب مشيئة الله وبقوة الروح القدس. لقد انتصرت المحبة على الدينونة لمن لا يستحق ‏الرحمة، وما قام به يوسف يجسد موقف الله منا نحن البشر الخطاة. أجل: كان يوسف باراً ومحباً ورحيماً.‏

ثانياً: كان يوسف رجلاً مطيعاً: من خلال قراءتنا في متى 19:1 نستنتج أن القديسة مريم لم تخبر يوسف عن ‏زيارة الملاك جبريل لها، وعن حبلها وهي عذراء بقوة الروح القدس. ويؤكد هذه الحقيقة ما جاء في الآية 20، ‏حيث لم يقل الملاك ليوسف: "عليك أن تصدق ما قالته مريم"، بل قال له حقيقة الذي جرى بالضبط. وعندما ‏اكتشف يوسف أن مريم كانت حاملا، لم تظهر منه علامات العصبية والتسرع والغضب. حتى بعدما أراد ‏تخليتها سراً، بل بقي يفكر في الأمر حتى وهو في سرير نومه. نكتشف في استجابة يوسف لكلام ملاك الرب أنه ‏كان مثالاً للرجل التقي الذي يخاف الله.‏

في الآية 20-23 استمع يوسف بحرص إلى كلمات الله من خلال الملاك في حلم ليلي، وأخذ كلامه بشكل جدي. لم ‏يعلق على ما سمعه في الحلم، بل استمع وآمن بكلمة الله وصدّق كل ما قيل له عن القديسة المباركة مريم ‏العذراء وحبلها بشخص يسوع، ابن الله، عمانوئيل، الله معنا. لقد وثق القديس يوسف بأن كلمة الله صادقة ‏بالرغم من أن ما حدث يفوق العقل البشري ويصعب تصديقه باستخدام لغة المنطق، ولكن بعقل وعيون ‏الإنسان المؤمن، فإن يوسف صدّق ما قيل له من قبل ملاك الرب. لم يكن من الطبيعي أن يولد طفل بدون وجود ‏أب بشري له، ولربما لو كان إنسان آخر بدل يوسف لما صدّق ما سمعه، ولكن يوسف صدق ما قيل له من قبل ‏الرب. أي أن يوسف كان رجل إيمان، رجل وثق بالله، وآمن بما حدث مع القديسة مريم بالرغم من أن منطق ‏العلم والعالم لا يقبل هذا الحق الإلهي.‏

بعد أن استمع وصدق ما سمعه، أطاع القديس يوسف كلمة الله، وألغى فكرة ترك القديسة مريم، أي طلاقها، ‏وقام رأساً بإتمام مراسم الزواج بها كما نقرأ في الآية 24 "فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ ‏وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ". أجل استمع يوسف لكلام الله وأطاعه وأخذ مريم امرأةً له خضوعاً لمشيئة الله. وهنا يظهر إيمان ‏يوسف ومحبته لله بشكل عملي. فقد قبل أن يأخذ مريم زوجة له، وتنازل عن حقه الطبيعي والشرعي في ‏ممارسة العشرة الزوجية معها، ووفر لها البيت والرعاية والحماية من ألسنة المجتمع القاتلة. وهكذا ظن الناس ‏أن حبل القديسة مريم كان من يوسف رجلها، في حين أن هذا الحبل كان بقوة الله الفائقة للطبيعة.‏

عندما يكلمنا الله من خلال الكتاب المقدس أو حتى من خلال إعلان معين بالروح القدس، فإن علينا أن نطيع، ‏ولو كان ذلك مكلفاً لنا، كما كان بالتأكيد مكلفاً ليوسف. لقد استمع هذا الرجل البار لكلمة الله، وآمن بهذه ‏الكلمة، وعمل طائعاً للكلمة. وهكذا فإن استماع يوسف وإيمانه وطاعته لكلمة الله تعطينا مثالاً عظيماً لما يجب ‏عليه أن يكون المؤمن والمؤمنة في أيامنا هذه: كان يوسف مطيعاً لله، وليتنا جميعاً نجعل من طاعة الله أسلوباً في ‏حياتنا اليومية.‏
فهل نستمع لكلمة الله كما استمع يوسف؟
وهل نؤمن حقاً بكل كلمة نسمعها من الله كما آمن يوسف؟ ‏
وهل نطيع الله ونتصرف بحسب كلمته كما أطاع يوسف؟

ثالثاً: كان يوسف رجلاً مسئولاً ومصدر ثقة: أهم المميزات التي يتصف بها الأبرار هي الإستجابة بمسئولية لكلمة ‏الله وذلك كما نقرأ في رسالة كورنثوس الأولى 2:4 "ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِيناً". لقد أطاع ‏القديس يوسف البار كلمة الله بكل إيمان، و "فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ". (آية 24). ثم عاد الرب وكلّم يوسف ‏بعد زيارة المجوس للطفل يسوع كما نقرأ في متى 13:2-14 حين أمره الرب أن يأخذ مريم والطفل يسوع ‏ويهرب إلى مصر حتى لا يُقْتَلْ على أيدي جيش هيرودس. وقد استجاب يوسف في الحال وبدون تردد، ونفذ الأمر ‏بسرعة، وأخذ القديسة مريم وطفلها الرب يسوع، وسافر ليلاً دون انتظار نور الصباح، وذهب إلى مصر. فالأمر ‏كان عاجلاً جداً، ولا مجال للتروّي.‏

لم يفكر يوسف بتكاليف الإقامة في مصر، أو أين سيسكنون، وماذا سيفعلون هناك، وكيف أنهم سيصبحون ‏لاجئين وغرباء في مصر. أطاع يوسف كلمة الله بإيمان وثقة بأن الله لن يتركهم في مصر، وسيوفر لهم كل ‏احتياجاتهم. لقد حذّر الله القديس يوسف من خطة هيرودس الإجرامية، وأمّن الله لهم ما سيحتاجونه في وقت ‏غربتهم في مصر عن طريق الهدايا التي استلموها من المجوس، أي بواسطة الذهب واللبان والمر. لم يعرف ‏القديس يوسف لماذا أراد هيرودس قتل الطفل يسوع، ولكن ما عرفه هو أنه كان عليه واجب توفير الحماية ‏للطفل وأمه، وهذا ما عمله بالضبط، غير عالمٍ أنه بعمله هذا قد تمم النبوة الواردة في هوشع 1:11 "مِنْ مِصْرَ ‏دَعَوْتُ ابْنِي". لم يعلم يوسف أن الله قد اختاره ليتمم مقاصده والنبوات، ولكن علم بالتأكيد أن ما قام به كان ‏من أجل سلامة أفراد أسرته. لقد كان مسئولاً أمام الله في طاعته له، وكان مسئولاً تجاه أسرته في توفير الحماية ‏للقديسة مريم وللطفل يسوع.‏

لا نعرف بالضبط المدة الزمنية التي مضت على يوسف ومريم والطفل يسوع في مصر. ولكن عندما كلّم ملاك ‏الرب القديس يوسف للمرة الثالثة في متى 19:2-23، أطاع يوسف كلمة الله كعادته وبدون تردد، وعاد إلى ‏وطنه. وبسبب حرصه على مريم وطفلها يسوع، لم يذهب يوسف إلى بيت لحم لقربها من القدس حيث أصبح ‏أرخيلاوس ملكاً خلفاً لأبيه، بل توجه إلى الناصرة بعيداً عن الخطر حيث يستطيع أن يوفر الحماية للقديسة ‏مريم وابنه بالتبني دون قلق. بعد ذلك لم يُذْكَر يوسف إلا مرة واحدة وأخيرة وهي مرافقته لمريم ويسوع في ‏زيارة القدس، عندما كان عمر يسوع 12 عاماً. بعد ذلك ينتهي ذكر يوسف نهائياً، فقد أدى دوره بأمانة، ‏وبعدها صمت الوحي المقدس عن ذكره نهائياً.‏

في عالمنا المليء بالخطية، يكرّم الناس الأغنياء والمشهورين مع أن الكثيرين منهم يعيشون في الرذيلة ولا يقدمون ‏شيئاً للبشرية، أما أشخاص بسطاء وفقراء مثل يوسف النجار فإنهم لا يلتفتون إليهم. ولكن مثل هؤلاء الرجال ‏الأبرار والمطيعين هم الذين يعطيهم الله مسئوليات عظاما، مثل حماية إبنه الوحيد من القتل على يد الملك ‏الطاغية هيرودس، وحماية أمه القديسة المباركة مريم العذراء وتوفير أسباب الراحة لها. يوسف النجار البسيط ‏تلقى وحياً من السماء، ليس مرة واحدة فقط بل ثلاث مرات. يحتاج مجتمعنا اليوم مثل هؤلاء الرجال. صحيح ‏أن التاريخ المسيحي والتاريخ العام للبشرية لم يذكر يوسف إلا في سطور قليلة في الإنجيل المقدس، ومع ذلك ‏فهذه السطور خلّدت لنا ذكرى رجل أحب الله وأحب زوجته، وأطاع الله مصغياً لكلامه ومنفّذاً كل كلمة سمعها ‏من الرب.‏

هذا هو القدّيس يوسف:‏
رجل خدوم: خدم القديسة مريم العذراء ورب المجد يسوع.‏
رجل مضحي: ضحى من أجل القديسة مريم العذراء ورب المجد يسوع
رجل مجتهد في عمله: عمل نجاراً ليوفر أسباب الحياة لأسرته المقدسة
رجل مسئول: تحمل مسئولية القديسة مريم العذراء ورب المجد يسوع.‏
رجل مفكر: فكر بأمر القدّيسة مريم العذراء قبل أن يتخذ أي خطوة، فلم يكن متسرعاً بل أعطى مكاناً للعقل ‏إلى جانب عواطفه وأحاسيسه البشرية
رجل مطيع: أطاع الله عندما أخذ القدّيسة مريم زوجة له
‏ أطاع الله عندما ذهب إلى مصر
‏ أطاع الله عندما عاد من مصر إلى الناصرة
رجل بار: كل خطواته كانت متفقة مع مشيئة الله
ورافق القدّيس يوسف القدّيسة مريم العذراء في أهم محطات حياتها:‏
‏1. عند السفر إلى بيت لحم لأنه من نسل داود ليتم إحصاؤهم حسب أوامر قيصر روما.‏
‏2. عند ولادة الطفل يسوع في بيت لحم.‏
‏3. عند تسمية الطفل باسم يسوع.‏
‏4. عند ختان الطفل في اليوم الثامن.‏
‏5. عند تكريس الطفل في الهيكل وصلاة سمعان الشيخ.‏
‏6. عند السفر إلى مصر ثم العودة إلى الناصرة.‏
‏7. وعند السفر إلى هيكل الله في أوروشليم لمّا كان عمر الرب يسوع اثنتي عشرة سنة.‏

دعونا نصلي في ذكرى عيد ميلاد الرب يسوع أن يقيم الله في وسطنا رجالاً ونساءً أتقياء مثل القدّيس البار ‏يوسف النجّار. أشخاصاً يحبون الله، ويستمعون لصوت الله، ويعملون بحسب مشيئة الله.‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا