في طريقي إلى دائرة بريد مدينة نرويجية خلال فصل الصيف؛ لفتتني لافتة من ‏القماش منصوبة بالطول، في شارع يتوسّط مركز المدينة، والرياح تكاد تقلبها، ‏وبعض المارّة متوقفون مثلي إزاءها عن كثب، فقرأت على اللافتة، باللغة ‏النرويجية، ترجمة النَّصَّ القرآني: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَاد في الأرض ‏فكأنّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَنْ أحياها فكأنّمَا أَحيا النّاسَ جميعًا- من المائدة: 32) ‏فتذكرت أنّ هذا النص قد استشهد به الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما خلال ‏خطبة ألقاها في جامعة القاهرة في الرابع من يونيو-حزيران 2009 وكان ‏صاحب اللافتة واقفًا إلى جانبها مع اثنين من رفاقه، تحت مظلة شمسية كبيرة، ‏تدلّ ملامحهم على أنهم من الجيل الثالث من العمّال المهاجرين من باكستان إلى ‏‏النرويج. ‏أمامهم طاولة عريضة وعليها مجموعة من الكتيّبات بلغات مختلفة. ‏ولفتني أيضًا، على غلاف أحدها، صورة لـ ميرزا غلام أحمد القادياني، لكنّ ‏الاسم المدوَّن تحت صورة ميرزا: "المسيح المنتظَر" والمفترض كتابة "مؤسّس ‏الجماعة الأحمدية" وليس "المسيح المنتظَر" فسألت المبشّر الإسلامي عن ‏صاحب الصورة فقال: "المسيح المنتظر" فقلت له: هذا صلف واستهتار، ‏لاستغلال حرية التعبير في غير ساحتها. لا أيّها الشاب المحترم، هذا اعتداء على ‏أهمّ المقدَّسات عند المسيحيّين وليس تعبيرًا عن حرية الرأي ولا الاعتقاد! هل ‏تستطيع أن تصف لي شعورك الآن إذا ما رأيتني بعد قليل وفي يدي كتاب صغير ‏وعلى غلافه صورة لميرزا غلام أحمد والمكتوب تحتها: هولاكو؟ هذا بمعيار ‏حرية الرأي أو التعبير التي في ضوء فهمك: {لأَنَّكُمْ بالدَّيْنُونةِ الَّتِي بهَا تَدِينُونَ ‏تُدَانُون، وبالكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ}+ متّى 7: 2‏

وتاليًا؛ أتقول لي "هذا المسيح المنتظر" وأنت واقف أمام كاتدرائية والصليب ‏شامخ فوقها؟ فأشرتُ إلى الصليب قائلًا: المسيح المنتظر هو صاحب ذلك ‏الصليب وليس الغريب صاحب هذه الصورة! فصعد الدم إلى وجهه غضبًا، لكنّه ‏تمكنّ من كظم غيظه، لأنّ الذئب الإسلامي يتزيّا بثوب الخروف في دولة غير ‏إسلامية. فقال بسذاجة: لماذا تعترض على اعتباره المسيح المنتظر؟ فتجاوبت مع ‏سذاجته المفترَضَة وأجبته بأعصاب باردة: لأسباب كثيرة؛ لعلّ أهمّها أنّ المسيح ‏المنتظر إنسان كامل وبلا خطيئة! فهل كان ميرزا غلام كاملًا وبلا خطيئة؟ فقال: ‏لقد "أخطأ" المسيح إذ لعن التينة (وهو يقصد الوارد في متى\21 ومرقس\11) ‏فقلت له: على أيّ تفسير مسيحي استندتَ بهذا الحكم، أفلا ترى عذرك أقبح من ‏فعلك؟ وأردفت: هاتِ اسم مفسِّر مسيحي واحد! فما هذا الاستهتار بالمقدَّس ‏المسيحي وبهذا الصَّلَف على أرض مضيئة بنور المسيح؟

ثمّ شرحت له معنى قول المسيح. فاعترض قائلًا: الآية واضحة فما احتاجت إلى ‏تفسير. فقلت: ما يزال فعلك أقبح من عذرك، هل ترضى بأن أفسِّر لك نصًّا ‏قرآنيًّا على ذوقي وعلى مزاجي بحجّة وضوحه وبدون ذِكر أيّ تفسير معتمد ‏لديك؟ فقال: طبعًا لا أرضى. فقلت: إذًا لماذا رضيت لغيرك ما ترفض لنفسك، ‏أليس هذا كيلًا بمكيالين؟ فسكت. لكني لم أسكت، لأن المكتوب على اللافتة أثار ‏اهتمامي.‏

هل هذا هو القرآن؟

ثمّ سألتُ المبشِّر مشيرًا إلى المدوَّن على اللافتة: هل هذا هو القرآن؟ قال: نعم. ‏قلت: هل عندك نسخة من القرآن؟ قال: طبعًا. قلت: اقرأ لي النَّصَّ الذي يلي هذا ‏النَّصَّ. فاحمرّ وجهه خجلًا. فأردفت: ما رأيك في أني أُحضِر لافتات، كلّ منها ‏بطول هذه، مخطوطًا عليها المائدة: 33 والتوبة: 5 و29 ومحمد:4 والأنفال: 39 ‏و55 و65 وما تلاها لكي أقف أمامك معارضًا؟ فاصفرّ وجهه خيبة وذعرًا. ‏فحاول تغيير الموضوع، كعادة سائر المسلمين في الدوران وفي رمي الكرة على ‏ملعب الخصم وفي إسقاط الشبهات على المقابل، مستشهدًا بآية إنجيلية على أنها ‏‏(تنبّأتْ بالمدعو ميرزا غلام أحمد) فأجبته: هل تؤمن بسلامة الكتاب المقدَّس من ‏التحريف المزعوم؟ فلم يردّ. فأردفت: كيف تبحث عن نبوءة في كتاب هو في ‏نظرك محرَّف؟ هذا يسمّى رياء. عِلمًا أنّ الرِّياء في نظر الشاعر العراقي ‏معروف الرصافي من أقبح الصِّفات. وقد ورد هذا الوصف في كتاب الرصافي ‏‏"الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس" الصادر عن دار الجمل في ألمانيا سنة ‏‏2002 فقاطعنا أحد رفيقيه بالإنگليزية قائلًا: عندي أدلّة كثيرة على أنّ بولس ‏خالف تعاليم المسيح فحَرَّف المسيحيّة. فأجبته: هاتِ دليلًا واحدًا ممّا لديك. فقال: ‏‏(لديّ على الأقلّ خمسة أدلّة) فكرّرتُ طلبي إليه. فقال: لا أتذكر شيئًا الآن، لكنّك ‏إذا أتيت السبت القادم فسأريك النصوص. قلتُ: إنّ من الهذيان إحداث ضجّة ‏بدون دليل والاستمرار في التهريج بدون حجّة. يمكنني الانتظار هنا ساعة أو ‏اثنتين لا أزْيَدَ لكي تحضر دليلك، لأنّي سائح. لكنّ رفيقه الثاني أخبرني بعد قليل ‏أنّ المُهَرِّج ذهب ولن يعود. فـ (تركتُ لهم الجمل بما حمل) مواصلًا السير إلى ‏دائرة البريد.‏

وقد أثبتت وقائع الاضطهاد الاسلامي ضدّ الأقليّات أن المسيحي لو أراد التبشير ‏في دولة مؤسلمة بهذه الطريقة لقلب المارّة الطاولة على رأسه ولضربوه ضربًا ‏قد يصل حدّ الموت، ثمّ تُسَجَّل الحادثة ضدّ مجهول-ين في أحد مراكز الشرطة.

رجل يبشر بكلمة الله

وقفة أمام الجيّد في القرآن

قرّرت ألّا أتفق مع بعض الآراء حول القرآن، ممّا تعجّ به مواقع الكترونية عدّة، ‏ومنها القائلة بأنّ القرآن (جيّدُهُ ليس جديدًا وجديدُهُ ليس جيّدًا) متوقّفًا عند سورة ‏المائدة: 32 وباحثًا بنفسي عن مصدر هذه الفقرة، الجيّدة في نظر غيري. لكنّ ‏من محاسن الصدف، كما يُقال، إذ لا أؤمن بها إنما بالترتيب الإلهي، أن أعثر ‏على مقولة يهودية مذكورة في التلمود: "مَن يُنقذ حياة إنسان واحد، يُنقذ عالَمًا ‏بأكمله" في سياق مقالة على موقع الكتروني اسرائيلي عنوانه: "إسرائيل ‏بالعربيّة" فاحتفظت بالمقولة ولم أحتفظ بالمقالة. لذا وضعتها في محرّك البحث ‏گوگل.‏ فعثرت عليها، لكن في مقالة أخرى منشورة على موقع الكتروني ألماني ‏ناطق بالعربيّة. وكان هدفي من البحث إيجاد اسم الفصل الذي احتوى المقولة ‏التلمودية ورقمها. فتصفّحت ويكيپيديا لمعرفة المزيد عن التلمود واقتطفت التالي ‏بتصرّف:‏

‏[التلمود תלמוד كلمة عِبرية تعني الدراسة. وهو كتاب تعليم الديانة اليهودية. ‏وبتعريف آخر: هو تدوين نقاشات حاخامات اليهود حول الشريعة اليهودية؛ من ‏أخلاق وأعراف وقصص موثقة من التراث اليهودي. وهو أيضا المصدر ‏الأساسي لتشريع الحاخامات في الدعاوى القانونية. والتلمود مركب من ‏عنصرين؛ المِشناه משנה (حوالي 200 م) أي النسخة الأولى المكتوبة من ‏الشريعة اليهودية التي كانت تتناقل شفويًّا. والجِمارا גמרא (حوالي 500 م) ‏الذي تناول المِشناه بالبحث والدراسة... يدّعي اليهود أنّ موسى ألقى التلمود على ‏بني إسرائيل فوق طور (جبل) سيناء، وحفظه عند هارون، ثم تلقّاه من هارون ‏كلّ من يشوع بن نون، ثم إليعاز وهلمّ جرّا … حتى وصل الحاخام يهوذا الذي ‏وضع المِشناه بصورته الحالية في القرن الميلادي الثاني. ويعطي اليهود التلمود ‏أهمية كبرى لدرجة أنهم يعتبرونه الكتاب الثاني (بعد التوراة) والمصدر الثاني ‏للتشريع، حتّى أنهم يقولون: "إنّ من يقرأ التوراة بدون المِشناه والجمارا فليس له ‏إله" ويتألف التلمود من ستة سداريم (مباحث) مفرد الواحد منها سِدِر أي سِلك، ‏كلّ منها يتألف من 7 إلى 12 مسيخوت (مقالات) مفرد الواحدة منها مَسَيخت] ‏انتهى الاقتباس ولم أستطع الوصول إلى هدفي.

شكرًا للأصدقاء

تذكّرت أن لي أصدقاء مسيحيّين في الأراضي المقدَّسة ممّن يُتقنون اللغة العِبريّة. ‏فاتّصلت بأحدهم وسألت السؤالين التاليين:‏

‏1. هل شراء كتاب التلمود في إمكان اليهودي العادي وفي إمكان السُّيّاح أيضًا أم ‏أنّ قراءة التلمود مقتصرة على اليهودي المتديّن؟ 2. كم يجب أن يكون كل من ‏عمر القارئ العادي وعمر المتديّن؟

فأجابني الصديق مشكورًا: [أظنّ أن اليهودي يخشى قراءته إذ يجب أن تتوفر ‏لديه درجة من الايمان، بحسب اعتقاده. مرّة وجدت نسخة من الكتاب وأردت ‏إعطاءه لصديق لي بالعمل (يهودي) فتجنّب تناوله. أظنّ فيه بعض السِّحر. لكن ‏الأفضل أن تسأل صديقنا (....) لأنه أعلم مني بالمسائل اليهودية] انتهى.‏

لذا سألت صديقنا (....) فأجاب مشكورًا: [يحقّ للجميع أن يقرأ ويدرس حتى ‏النساء. ولكن كتاب الزوهر غير مسموح بقراءته الّا للرجال في سنّ الـ 40 فما ‏فوق. ولكن هناك مَن يقرأ حتّى قبل بلوغ هذا السِّنّ] ثمّ سألت الصديق عن ‏المقولة فوعدني بالبحث عنها في التلمود في أقرب فرصة. فأخبرني في اليوم ‏التالي بأنه لم يعثر على نصّ المقولة حرفيًّا، لكنّه وجد نظيرًا لها. وحاول ترجمة ‏النص العبري النظير إلى التالي: [هكذا تمّ خلق الإنسان فريدًا من نوعه. مَن ‏أضاع نفسًا كأنه أضاع العالم كلّه. ومن حافظ عليها (أو أقامها أو أعاد إليها رمق ‏الحياة) كأنه حافظ على العالم كلّه] والمصدر: المِشناه- مَسَيخت سنهدرين 4 و5‏

وبناء على ما تقدّم فإنّ فقرة المائدة: 32 مقتَبَسة، كما يبدو لي، من المِشناه مع ‏تحوير في اللفظ. وقد يواجهني معترض باعتراضين؛ لعلّ الأوّل كون محمد أمّيًّا لم ‏يقرأ ولم يكتب. وفي جوابي ببساطة مسألتان؛

‏1. وجود دراسة دلّت على أنّ الأمّي هنا، بحسب أحد المعاجم المسيحية- الجامع ‏المحيط: [منسوبة إلى الأُمَّة. ج: أُمَم. فالأمَمِي (في العهد القديم) مَن انتمى إلى ‏شعب غير الشعب المختار. بينما هو الوثني في العهد الجديد. لهذا سُمِّي بولس ‏‏{رسول الأمم} تجاه سائر الرسل الذين ذهبوا إلى أهل الختان- غلاطية 2: 9 ‏وأعمال 9: 15] فلم يُقصَد بالأُمّي مَن جَهِلَ القراءة والكتابة، إنّما الأممي. فهناك ‏من بين الأمم الوثنية مَن عرفت الله وتشفّعت بالأوثان. وهناك في المقابل أمم لم ‏تعرف الله. وإليك مثالًا آخر: {هكذا قال الرب: لا تتعلَّموا طريق الأمم، ومِن آيات ‏السّماوات لا ترتعبوا، لأن الأمم ترتعب منها}+ إرميا 10: 2‏

2. إن وافقتُ على أن محمّدًا لم يقرأ ولم يكتب فإنه والصحابة كانوا يترددون ‏على نوادي اليهود وكنيسهم. وفي السيرة المحمدية أيضًا؛ تردد محمد على بيت ‏المدراش حيث يتدارس اليهود كتبهم ومباحثهم. فكان يُصغي إلى ما كان يُتلى ‏عليه ويَفهَم، حتّى بلغات أخرى، بالإضافة إلى لغته.‏

والاعتراض الثاني: أنّ الكتب السماوية تشترك بالآيات طالما عُلِمَ أن المصدر ‏واحد وهو الله. وفي جوابي على هذا مسألتان أيضًا، بصفتي مسيحيًّا؛

‏1.‏ سبق لي أن كتبت أن لله كتابًا واحدًا وهو الكتاب المقدَّس. أمّا الإنسان فقد ‏يؤلِّف كتبًا. فلا وجود لـ ‏"كتب سماوية" ‏بصيغة الجمع إلّا في ثقافات غير ‏أتباع المسيح. وأمّا الآيات المشتركة فلا تعتبر الواحدة منها حجّة على ‏الكتاب المقدّس، إذ سبق الكتابُ المقدّس غيرَهُ من الكتب بقرون عدّة ‏ولاسيّما التي اقتبس مؤلِّفوها منه. وقلت تأدّبًا: اقتبس. ولم أقُل: سَرَق.‏
‏2. ليس التلمود كتابًا سماويًّا ولا سِفرًا من أسفار اليهود القانونية المقدَّسًة.

• كتبت المقالة يوم السبت الموافق الثاني والعشرين من أغسطس-آب 2015‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا