اليوم هو التاسع عشر من أيام عطلتي السنوية ومدتها شهر في هذا العام. كانت شهرين في الأعوام السابقة وكنت غالبًا ما أقضي فترة منهما في رحلة سياحيّة وأخرى رياضيّة سواء أكانت بدنيّة أم فكريّة أم روحيّة. تناولت طعام الإفطار متأخرًا قليلًـا وطعامي بسيط لكنه كافٍ ليغالبني نعاس فجأة، غالبًا ما اضطرّني إلى الاسترخاء وبعض القيلولة. أوه! مَن قرع الباب في هذه الساعة؟ لعلّه ساعي البريد الذي يأتي كما جرت العادة! لا، إذ يمكنه وضع البريد في صندوق مخصّص له خارجًا. ربّما كان ذلك الطفل بائع الجرائد الذي يأتي قبل ظهرالأحد ليبيع جريدة هي الوحيدة التي تصدر فجر الأحد في مدينتنا، لكنّه يسلّم الجريدة بيد ويتقاضى أجرها باليد الأخرى، لذا لا يمكنه وضع الجريدة في الصندوق، لكنّ اليوم هو الخميس. فلعلّه أحد الأصدقاء! ربّما، لكني لا أقوى على استقبال أحد، أيًّا كان، بدون موعد مسبّق. فعلاقاتي الاجتماعية أصبحت في خبر كان؛ ما تركت صديقًا إلّـا وكنت مدينًا له بموقف مادي أو معنوي (1) لكن اليوم ليس أوّل الشهر كي أسدّد شيئًا من ديوني. ربّما جاء شرطي ليبلّغ بحضور مرافعة في دعوى نفقة أقامتها زوجتي التي انفصلْتُ عنها أو انفصلَتْ عني. فأيًّا كانت أسباب الانفصال، لا بدّ من تأمين نفقتها ونفقة الأطفال، بحسب القانون المدني، وإن اضطرّني ظرف المعيشة إلى التسوّل من أجلهم. لكنّ زوجتي تعمل حاليًّا مقابل أجر، لذا فما عليّ سوى دفع نفقة الأطفال شهريًّا. لكنّها إذا ما أصبحت ثريّة يومًا ما فلماذا أستمرّ حينئذ في دفع نفقة الأطفال، أفليس هذا خللًـا في القانون المذكور؟ أتمنّى على القضاء مراجعة هذه المادّة. ثمّ لا، لأني قمت بالواجب، ما نال استحسان زوجتي والأطفال، بالإضافة إلى الهدايا التي لم أبخل بها عليهم. فلا أظن أنّ زوجتي اضطُرَّت لرفع شكوى قضائيّة ضدّي.

فمَن القارع إذًا؟ ولماذا لم ينتظر قليلًـا ليقرع مرّة أخرى؟ لأنّ عليه أن يتوقّع وجودي في المطبخ وضجيج ساحبة البخار أقوى من صوت قرع الباب، أو وجودي في الحمّام. قد يكون أحد الأطفال ممّن وبّخت من قبل، لأنه يقرع الباب عادة ويهرب قبل تمكّني من الكشف عن هويته، عبر نافذة المطبخ المُطلّة على الشارع العامّ. آه كم أضيق ذرعًا بالإزعاج فإنّه أحد الأسباب التي دفعتني إلى ترك وطني الأمّ. لعلّهم أطفال العيد، لكن موسم العيد مضى والعيد القادم ليس اليوم في الأقلّ ولا غدًا. فلعلّه أحد الجيران؛ لكنّ الجميع قد سافروا لقضاء عطلهم الصيفية وأوصوني أن أفتح صناديقهم البريدية لإلقاء ما يصل إلى كلّ منهم أمام باب شقّته. فلولا وصاياهم لما علمت بسفر أحدهم؛ أوّلًـا لأنهم هادئون لا يشعرني أحدهم بالخروج من شقّته ولا بالدخول إليها. وثانيًا: لأنّ الفضول الذي عندي مخصّص للعلم والأدب والفن وسائر مرافق الثقافة وليس للتنصّت على كلام هذا ومراقبة سلوك هذه والتحرّي عن علاقات هؤلاء.

يا إلهي، كم صرختُ إليك في ضيقي، هل أنا في يقظة أم في حلم؟ لا أزال يقظًا وإن أبقيتُ على عينيّ مغمضتين. لقد كان قرعًا حقيقيًّا صادرًا من جهة باب شقّتي الصغيرة والهادئة. لعلّها أمّ الگيمَر (2) لا؛ أين تظنّ نفسك يا فتىً؛ في البصرة أو بغداد، هل تحلم بتذوّق القَيْمَر العراقي في مكان ينطلق منه السّيّاح إلى تخوم الدائرة القطبيّة الشماليّة؟ تكفيك القشطتان الهولنديّة والدنماركية. بقِي عليك التأكّد مِن فتح الهاتف الجوّال، لأنّك اعتدت على غلقه بعد انتصاف الليل ونسيانه مغلقًا خلال سويعات الصباح الأولى. تذكّرت أنّي فتحته قُبَيل تناول الطعام إذ تركته ليلة أمس على مائدة الطعام. فلو كان أحد أصدقائي هو القارع لحاول الاتّصال بي هاتفيًّا وإلّـا فالموضوع عابر لا أهميّة له ولا ضرورة. فمَنِ القارعُ إذًا؟ ليس ساعي البريد ولا بائع الجرائد ولا الجار-ة ولا أحد الأصدقاء. فإمّا أنْ كان أحد الأطفال المزعجين أو أحد الفقراء. لكنّي اعتدت على نوبة الإزعاج بعد الظهر. أمّا الفقراء في مدينتنا فإمّا أن يتسوّلوا باحترام، باللجوء إلى مراكز اجتماعية مسؤولة حكوميًّا عن العناية والرعاية، أو يجلسوا أمام المارّة بثياب رثَّة في مركز المدينة وفي شوارع مؤدّية إليه. فليس من عادة المتسوّل-ة في مدينتنا قرع الأبواب ولا الأجراس.

فماذا بقِي من احتمال ممّا لم يخطر في ذهني المُتعَب، في وقت تمنّيت أن أحظى بإغفاءة قصيرة؟ إن كان القارع طفلًـا فعسى ولعلّ، لأنّ الرّبّ يسوع أوصى تلاميذه بالأطفال قائلًـا: {دَعُوا الأولاد يأتون إليّ ولاتمنعوهم، لأنّ لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحقّ أقول لكم: مَن لايقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله}- لوقا 18: 16-17 ولقد مضى على القيلولة قرابة الساعة وأنا غارق في التفكير فيمن قرع الباب؛ لم يخطر في ذهني أنّ القارع قد يكون يسوع! نعَمْ؛ يسوع المسيح حيّ، قام من الموت بقوّته اللاهوتيّة منتصرًا على الموت إلى الأبد. وقد شهد على قيامته كثيرون من الجنسين. فإنّي أؤمن أنّ السلطان الذي ليسوع لا مثيل له، إذ تفوّق سلطانه على جميع مفردات الأرض المكانيّة والزمنيّة والفكريّة والروحيّة. وأؤمن أنّ المحبّة التي تميّز بها يسوع عن سائر البشر تدفعه ليقف على باب المستحقّ وعلى باب غير المستحقّ أيضًا (3) ليقرع، في كلّ مكان وفي أيّ وقت وأيًّا كان الظرف الذي يمرّ به المرء: {هاءنذا واقف على الباب أقرعه، فإن سَمِعَ أحدٌ صوتي وفتَحَ البابَ، دخلتُ إليه وتعشّيت معه وتعشّى معي} – رؤيا يوحنّا 20:3 لذا كان عليّ أن أفتح الباب متجنّبًا الكسل، لأنّ الربّ يسوع أوصى بالسَّهَر والصَّلاة (4) كما في قوله: {اسهروا إذًا لأنّكم لاتعلمون في أيّة ساعة يأتي ربّكم} – متّى 42:24 بل كان على هذا الصديق وذاك أن يفكّر أوّلًـا باحتمال كون القارع يسوع نفسه. وعليه أنْ يهُمّ بفتح الباب فور سماع القرع، لأنّ الذي لا يفتح ليسوع أبواب القلب والعقل والروح غلَّق على نفسه منفذ الخلاص الوحيد وما غلَّق باب بيته فحسب.أخيرًا؛ مَن لا يفتح الباب ليسوع فكيف يفتحه لأخيه ولأخته؟ وما أكثر الذين- واللواتي-  لم يفتحوا أبواب بيوتهم لإخوانهم وأخواتهم! سواء في هذا الزمان وفي الماضي.

_ _ _

1 يروي الكاتب هنا وهناك من سِيَر شخصيّة لعدد من الأصدقاء.
2 أمّ الگيمَر وأبو النفط، من التعابير الرائجة في العراق، أي بائعة القيمر وبائع النفط. والحرف گ تضخيم لفظي لحرف القاف باللهجة العراقية، باستثناء لهجة أهل نينوى. والقيمر قشطة عراقية لذيذة يجري تحضيرها من حليب الجاموس (وهو من فصيلة البقر، يرعى في مناطق الأهوار جنوبيّ العراق وفي أرياف مصر وفي غيرهما) والمزيد في ويكيبيديا: قيمر، جاموس الماء، أهوار العراق.
3 وأمّا أنا فأقول لكم: أحِبّوا أعداءكم. باركوا لاعِنيكم. أحسِنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنّهُ يُشرق شمسَهُ على الأشرار والصالحين، ويُمطِرعلى الأبرار والظالمين. متّى 5: 44-45
انظر-ي أيضًا لوقا 35:6
4 نظر-ي أيضًا مَتّى 13:25 و41:26 ومرقس 13: 33-37 و38:14 ولوقا 36:21

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا