كم هو موجع ومؤلم ذاك الشعور بأن تفقد شخصًا عزيزًا عليك... عندما يباغتك خبر الموت فجأة من اللامكان وينقض عليك كالحيوان المفترس لينهش أحشاءك وأنت حيّ، فتدخل في حالة هي خليطٌ من الصدمة القوية والضياع غير المفهوم. ألمٌ عميقٌ جدًا لا يبرح ولا يخف ولا يتوقف.. هي حالة من الغياب وكأن جسدك وعقلك وكل حواسك تطفو ما بين رائحة الموت وبين استيعاب مفهومه وتذوق مر طعمه وسواد ظلمته!

ان خبر الموت يأتي كالصاعقة..لا يطلب الإذن ولا ينتظرك لتستعد وتتحضّر لاستقباله.. يفاجؤك في كل مرّة!!

أما ما بعد خبر الموت... فهو غمر!

يغمرنا سيلان من الذكريات الكثيرة.. ذكريات مبعثرة في ثنايا ذاكرتنا وماضينا القريب والبعيد. ذكريات عن أماكن ومواقف ولحظات جمعتنا بهذا الإنسان العزيز الذي أصبح جثة هامدة وباردة في مكان ما، ولن يعود إلينا! غمرٌ وسيلانٌ للمشاعر.. ألمٌ يعتصر النفس من الأعماق عندما نتيقن بأنها ستبقى ذكريات والحاضر لن يجمعنا ثانية معه لنصنع سويةً حفلا جديدا من الذكريات الحلوة ورنينٍ للضحكات وصدًى لمحادثات طويلة وابتسامات ناعسة وحنين... نجد أنفسنا هائمين ولفترة قد تكون طويلة ولكأننا في غيبوبة ما بين النوم والصحو، لا نعي ما يدور من حولنا وبذات الوقت نسمع ونرى بحواس شاردة متألمة ونازفة!

ما أقسى هذا الشعور عندما تجبرك الحياة على دفن هذا العزيز! تجد نفسك في مواجهة مُرة مع واقع وحقيقة أن هذا الجسد القابع أمامك بلا حراك بلونه الأزرق البارد هو جسدٌ فان وزائل.. لا يمكننا التمسك به والإبقاء عليه، حتى لو حاربنا وركلنا وصرخنا وبكينا وتشبثنا به رافضين تركه. ترانا قد نقوم بضمه لصدرنا بقوّة وإصرار معلنين بأنه لنا. لن يأخذه أحد..هو لنا...! هو غير قادر على أن يدافع عن نفسه.. هو.. أصبح مجرد جثة هامدة..هو...هو.. قد...مات!

مات!! مات..؟ كيف هذا؟ كلا، لم يمت؟! هيا استيقظ! لماذا تصمت؟ لماذا تنام؟ قل شيئًا..دافع عن نفسك..لا تدعهم يحشروك في مساحة خانقة تحت التراب أو خلف حجر ما حيث الظلام اللانهائي والدود!

وتغلبنا الدموع ويسحقنا الألم ويتلاشى الأمل، عندما تُجبرنا الحياة على مواجهة الحقيقة: هو فعلاً... قد مات!!!

لا يمكننا التمسك بهذا الجسد لأنه بعد برهة سيتعفن وسينقض عليه الدود من كل مكان واتجاه.. فهل نختار الموت معه ونحن أحياء، حتى لا نفترق؟! هنا ندرك صغرنا وعدم قيمتنا. نحن بالأخير من التراب وإليه نعود مهما ملكت يدنا في هذه الحياة. عريان أتيت وعريان أعود! ندرك بأنه ليس بقوتنا ولا بقدرتنا، ولكل شيء حد ووقت. حتى حياتنا هنا فهي محدودة ومؤقتة ولن يتمكن أي شخص من إيقاف الفراق والموت مهما بلغ من الأهمية والمقدرة والجبروت! فهل نحتضن التراب للأبد رافضين الفراق؟

مات يسوع...

كانت صدمة كبيرة وصراع عنيف وألم موجع لكل من عرفه.

مات يسوع وبكت مريم أمه... وبكى يوحنا الحبيب.. وبكت مريم المجدلية... وبكى التلاميذ وكل من أحبه وعرفه... كلٌّ على حدى غاص في يم من الآلام والذهول والصدمة والحيرة والتساؤل والرفض والبكاء والاستهجان...  هو... قد مات؟!! كيف هذا؟

"ربي وإلهي" هذا ما ناداه به أحد تلاميذه.. فكيف له أن يموت؟
وقالت مريم العذراء والدته: "جاز في نفسي سيف"!  وهل من تعبير أقوى من هذا لوصف عمق وشدّة الألم لموت حبيب وغالي؟!
لقد مات يسوع!
ولكن... ما يميز موت يسوع دون سواه هو الحقيقة المثبتة بأن يسوع قد غلب هذا الموت الرهيب الأسود وآلامه وقام منتصرًا. لقد عاد منه وأحيانا معه. يسوع، دون سواه، له هذه القدرة وهذا الجبروت ليكسر شوكة الموت ويقوم!

وبقيامته صار لنا الخلاص وتحقيق للوعود، ومن خلال عمله الكفاري العظيم صار لنا مكان لنسكن معه في السمويات.

بقيامته أصبحنا أولاد الملك... المسيح قام يا أمراء...هللويا، حقًا قام!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا