فى بداية أحداث شبرا الأخيرة التى كان بطلها جمال صابر منسق حركة «حازمون»، أخبرنى صديق بأنه يشك فى أن مباراة كرة القدم التى راح ضحيتها الشاب البرىء ابن عائلة العسال قد اشترك فيها مسيحيون، والخوف من أن تنقلب من جريمة قتل تتشاجر فيها عائلتان إلى فتنة طائفية تحرق شبرا بأكملها، قلت لصديقى الجريمة بشعة والفتنة تحت الرماد ومن الممكن أن تشتعل فى أى لحظة، وقد حاول بطل القصة اختراع الاسطوانة المشروخة التى دائماً يرددها من يريد صب البنزين على النار، وهى قصة المسجد الذى يريدون هدمه!!، والحمد لله أنه لم يصدق أحد من سكان شبرا هذه القصة المزيفة، ولكن صديقى العزيز، الشىء الوحيد الذى أنا متأكد منه «زى ما أنا شايفك» وبدون أن أذهب إلى شبرا هو أن هذا الماتش لم يشترك فيه مسيحى واحد لسبب بسيط وهو أن المسيحيين لا يلعبون كرة القدم!

اندهش صديقى المهتم بشئون المسرح وقال «المسيحيون لا يلعبون الكرة، حاجة كده زى الغرباء لا يشربون القهوة مسرحية محمود دياب الشهيرة، بتقولها وكأنها بديهية كونية فيزيقية زى الماء لا يختلط بالزيت والمادة لا تفنى ولا تستحدث، قلت له «حاجة زى كده ممكن مسيحى ينبغ فى لعبة فردية أو حاجة غير الكورة زى ناجى أسعد بطل دفع الجلة مثلاً»، وأنا فعلاً عملت تجربة بسيطة مع أصدقائى على مقهى تويتر الكونى وطلبت منهم أن نجمع عشرة أسماء لمسيحيين لعبوا كرة القدم التى سنحتفل بعد ثمانى سنوات بمرور مائة سنة على إنشاء اتحادها، نجمع عشرة فقط ممن أفلتوا من هذا القانون المصرى الحتمى!، وبعد بحث طويل وجهد عميق وأخطاء فى أسماء ولعيبة كورة «يقولوا عنهم مسيحيين ويطلعوا مسلمين» قدرنا نلملم ونتجاوز نصف هذا العدد بالعافية، والعهدة على أصدقائى التويتريين، الكباتن هانى رمزى ومحسن عبدالمسيح ونخلة وأشرف يوسف وناصر فاروق!

وفيه صديق أرسل لى اسم سامى قمصان، ولكنى مش متأكد قوى، من الممكن أن نكون قد نسينا اسماً أو اسمين فى غمرة البحث ولكن الواقع يدل على أن عدد المسيحيين الذين لعبوا فى الدورى العام المصرى نسبة ضئيلة جداً تدخل تحت بند الفصائل النادرة!، ما هى دلالة هذه الملاحظة؟، دلالتها ومن الآخر أننا دولة عنصرية بامتياز ووطن يميز بمهارة بين مواطنيه على أساس الدين، فالوظائف والبرلمانات من الممكن أن نضع فيها مسيحيين بقرار، ولكن المأساة تكمن فى الممارسات والسلوكيات اليومية الاجتماعية التى لن ينفع فيها قانون أو فرمان، فلعبة كرة القدم لعبة جماعية بذرتها الأساسية فى الشارع والحارة والجرن والزقاق، تبدأ بطفل معاه كورة يصفر لأصدقائه ويالّا نلعب ماتش، وبالطبع ماتش الكورة لازم يبقى فيه تلاحم وتلاسن وخبط وضرب وشتيمة ومشاجرات جانبية واعتراضات واتهامات بالموالسة وبيع الماتش والتفويت.. إلى آخر قاموس الكورة المعروف والمحفوظ، ولأننا عنصريون حتى النخاع وتلافيف الدماغ يرقد داخلها مشروع متطرف نونو، فإن الطفل المسيحى وأهله بالذات يكبتونه صارخين فيه «إوعى تنزل تلعب كورة وابقى العب فى الكنيسة مع أصحابك اللى زيك!»، وعندما يتفوق واحد من المسيحيين ويتحرفن ويتجرأ ويروح عايز يشترك فى فريق شعبى كبير، إذا بالمدرب يقول له وهو يتصعب ويمصمص شفايفه «انت كويس بس للأسف مسيحى»!.

هكذا تبدأ القصة السريالية التى تنتمى إلى عالم الكوميديا السوداء أو مسرح العبث، ولنطمئن جميعاً لن تحدث فتنة طائفية من ماتش كورة، من الممكن أن تحدث نتيجة قصة حب، أو فصال فى صفقة بيع، أو مية غسيل وقعت من بلكونة علوية على بلكونة سفلية، ولكنها لا يمكن أن تحدث من ماتش لأن المسيحيين لا يلعبون الكرة.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا