تنتشر في شوارع البلاد ورحابها في هذه الأيّام سيّارات الإبيزا (IBIZA) أكثر من إنتشار الدّببة في القطب الشّمالي! وإذا كان وجه الشبه بين هذه وتلك في الإنتشار الواسع، فإنّ التّبايُن هنا هو أن تلك الدّببة تُصنف ضمن الحيوانات المفترسة الكبيرة الحجم؛ أمّا الإبيزا فهي تُعتبر من المركبات المتحركة الصغيرة نسبيّاً، والرّشيقة في حركتها في قلب المدينة.

تتسلل الثعالب الصِّغار بخفة بين الكروم المزدهرة لتفسد أغصانها الطريّة وتتلف عناقيدها اللّؤلؤيّة التي لم تنضج بعد، ومن الصعب على أصحاب تلك الكروم ملاحظتها والتّخلص منها. أماّ أي متسلِّل آخر يكبرها حجماً فمن السهل رؤيته والتعامل معه حسبما يقتضيه الحال. لذلك يدعو حبيبُ العروسِ في سفر النشيد إلى اصطياد تلك الثعالب الصغيرة المتلِفة للخيرات، والقضاء عليها، فيقول: " خذوا لنا الثعالب الصغار المفسدة للكروم، لأن كرومنا قد أقعلت"( 2:15).

وعندما تسقط منّا كأس زجاجيّة على بلاط المكان وتتحطّم، يكون من السهل رؤية قطعها الكبيرة وجمعها ؛ أمّا الشظايا الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، فيكون من الصعب رؤيتها والتقاطها. وكم من المرّات حدث معنا أن شعرنا فجأة بوخز إحدى تلك الشظايا الزجاجيّة الدّقيقة وهي تخترق قاع كفة إحدى قدمينا لتستقرّ هناك بينما كنّا نسير في البيت حفاة. فقد سبق أن جمعنا، باليد وبالمكنسة أيضا، ما تناثر من الزجاج المكسور غير أنه فاتنا واحدة من تلك "الصّغائر".

كذلك هناك الذباب الميت الذي يُنتن ويُخمِّر طيب العطّار (جامعة10:1)، والبرغي الذي بسقوطه يعطل عمل أضخم الماكنات، والفأرة التي تسد القناة أومجرى المياه.
فاستراق بعض النظرات غير الطاّهرة، والتلميحات الكلاميّة التي تطعن باستقامة الآخرين، ونشاطات غير بريئة عبر الآيفون والنِّت والرسائل النصيّة (ٍٍSMS)؛ بالإضافة إلى أحاديث الظلمة الخافتة، ومراعاة أفكار ثأريّة أو عدم مسامحة، واستبدال المحبّة الصّادقة بالدبلماسيّة في التّعامل مع الآخرين، والأكاذيب البيضاء؛ هذه كلها، عدا الزي الكاشف لمناطق إغوائية لإثبات أنوثة مهزومة، وتشكيل ذهن دنيوي مريض من جراء تأثيرات تلفزيونيّة مسمومة، لهي بمثابة تعديات بسيطة لكنها خطيرة. فهي تعكر فرح شركتنا مع الله، وتسلب منا سلامنا وسكينتنا الدّاخليّة، وتحدث تشويشاً في تمييزنا لصوت الرب، كما أنها تدمر جسور التّواصل والمودّة مع الآخرين.

"فإبيزا" التعديات الصغيرة سرعان ما تنتشر في مدينة حياتنا إن كنّا لا نحكم عليها ونطرحها عنّا بعيداً. ثم إذا أسهبنا في التساهل مع تلك التعديات، فإنها تكبر وتكبر حتى تصير دببة ضخمة من الخطايا المتأصلة في شخصياتنا، وعادات قبيحة تفترس فضائل إيماننا وتلاشي تأثيرشهادتنا. فكلّما تباطأنا في تركها والعزوف عنها، يصعب الإنتصار عليها والتّحرر منها. وإنما كلما أسرعنا في السّهر ضدّها ومقاومتها، يسهل علينا حينئذ نزعها نزعاً واسترداد بهجة خلاصنا؛ وفي ذلك ينبوع يتدفّق بالفرح والقوّة.

علينا أن لا نفشل أو نتراجع عن محاولة التّخلص من نفايات هذه المساوئ، ولا سيّما إذا واجهتنا صعوبات متنوعة ونحن في طريق الحريّة الذهبي هذا، أو متى رأينا أننا نسير فيه بخطوات بطيئة للغاية، وأن الإنتصار الذي نحرزه لا يكاد يُرى له أي أثر واضح. لا بل قد يحدث أحياناً وكأننا بدل التّقدم إلى الأمام نتراجع إلى الوراء، ونصير إلى حال أردأ، فينتابنا شعور محبط بأن قضيتنا ميئوس منها ولا فائدة تُرجى من أي جهد نبذله للوصول إلى غايتنا! من الطبيعي أن يحدث معنا كل هذا وذاك. ذلك أن ما نحاول الخلاص منه قد لازم سيرة حياتنا سنين هذا عددها وقد ضَرب له جذوراً في أعماق نفوسنا حتى تحول إلى شبه عادات مستحكمة ومهيمنة بشكل عفوي على سلوكيّاتنا وردود أفعالنا. لذلك من السّذاجة بمكان أن نتوقع خلاصاً سريعاً منها أو إنتصاراً سهلاً دون صراعات وتجنيد أفخر ما لدينا من طاقات لهدم حصونها المنيعة. وإذا فشل أحدنا من نفسه في هذا السّعي- وهذا لا بدّ حادث- فعليه ألاّ يخيب من رحمة الله ومعونته التي تأتينا في ميعادها: وقت الإحتياج الشّديد إليها. "فلنتقدم بثقة الى عرش النعمة لكى ننال رحمة ونجد نعمة عوناً فى حينه" (عب 4:16). إنها الرّحمة التي تُكثر السّتر والغفران في تعثرنا وسقوطنا؛ والنعمة التي تمنحنا العزم على المثابرة وتوفر لنا القدرة الإلهيّة للنهوض والبدء من جديد، مهما كانت حالنا صعبة ومريعة. "وَلكِنْ شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ ِللهِ..."( 2كو15 ,2:14).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا