وردت في الكتاب المقدّس، بعهديه القديم والجديد، مصطلحات تعبر عن علاقة الإنسان مع الله بشكل مميّز ودرجة سامية، مثالًـا؛ رجُل الله، البارّ، التّقيّ، أمَة الرّبّ، النبيّ، النبيّة، الرّسول. ولأصحاب هذه الألقاب، من الجنسين، اتجاه واحد مشترك هو التواصل مع الله بالخضوع له واتّباع وصاياه وتنفيذ أحكامه. وقد تمّ التواصل عبر الكلام المباشر المسموع بين الله ومُختاريه أو بواسطة ملاك الله أو عبر الإلهام الروحي سواء في اليقظة والحُلم. وقد تحلّى مختارو الله ومختاراته بخصائص حسنت لديه؛ أهمّها تكريس الذات لعبادة الإله الواحد ومحبّة القريب والاتّضاع والصدق والنزاهة والأمانة والخدمة، ما جعل طريق المؤمن مستقيمة نحو مرضاة الله على أمل النجاة والخلاص: {لي طِلْبةٌ مِنَ الرّبِّ ولا ألتمِسُ سِواها: أنْ أُقيمَ في بَيتِ الرّبِّ جميعَ أيّامِ حياتي، حتى أُعاين نعيمَ الرّبِّ وأتأمَّلَ في هَيكلِه} - مزمور 27 لداود الملك إمام المُغنّين، وهذا نصّ صريح دالّ على تكريس الذات للربّ مدى الحياة وهو يمثّل أهمّ سمات الرّهبنة وإن لم تُذكَر الرّهبنة حرفيًّا في الكتاب المقدّس، شأنها شأن غيرها، كالأقنوم والناسوت. والرهبنة بهذا المفهوم كانت دعوة خاصّة من الله لمختاريه الذين رغبوا بصدق في السير في طريق الرّبّ: {طوبَى لمن اٌخترتَهُ وأدنيتَهُ ليَسكُن في ديارِكَ. لَنَشبَعَنَّ مِن خَيرات بَيتِكَ هَيكلِكَ المقدَّس. بالمَخاوِف في العَدل تستَجيبُ لنا يا الله مُخلِّصنا، يا رجاءَ جميعِ أقاصي الأرض والبحر البَعيدَة} - مزمور 65: 4-5 لداود وهو الذي انتخبه الرّبّ لنفسه رجُلًـا حسب قلبه ليصنع كلّ مشيئته (1 صموئيل14:13 وأعمال الرسل 22:13) وإن ارتكب داود من الخطايا ما يندى له الجبين خجَلًـا، مثالًـا: خطيئته في حقّ أوريّا الحِثّي (1 ملوك5:15) فلم يعصم الله أحدًا من الخطأ {إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله} - الرسالة إلى روما 23:3 والمزامير 14 و53 بل العكس؛ لقد عاقب الله المُخطئين، مثالًـا لا حصرًا؛ ما ورد في سفر صَموئيل الأوّل، الأصحاح 13 المذكور: {فقالَ لهُ صَموئيلُ: بحَماقةٍ تَصرَّفتَ، لأنَّكَ لم تَعمَلْ بوَصيَّةِ الرّبِّ إلهِكَ. فلو عَمِلْتَ بها، لكان الرّبُّ ثبَّتَ مُلكَكَ على بَني إِسرائيلَ إلى الأبد. فأمَّا الآن فلن يَدومَ مُلكُكَ، لأنَّ الرّبَّ اختارَ لَه رَجُلًـا يُرضيهِ، وأمَرَهُ أنْ يكونَ رئيسًا على شَعبه. فأنتَ لم تَعمَلْ بما أمرَكَ الرّبُّ بهِ} والمُخاطَبُ هنا شاول أوّل ملوك إسرائيل أمّا الذي اختاره الله فهو داود الملك

* * *

أعظم المعجزات

أخبر الكتاب المقدّس عن داود أنّه تاب توبة صادقة (مزمور 51) وشهد الكتاب لقوة تعلّقه بالله وشدّة إخلاصه له وروعة إيمانه به، لذا يمكن اعتباره راهبًا بمنظار ذلك الزمن، كما يمكن اعتبار كلّ من أخنوخ ونوح وأيّوب ودانيال النبي وإيليّا النبي. فأخنوخ هو السابع من آدم من نسل شيث، قد {سار مع الله} اي أنه عاش في طاعة الله وفي شركة معه (تكوين: 5) فلم يَرَ الموت {بالايمان نُقِل أخنوخ حتّى لا يرى الموت. ولم يوجد لأنّ الله نقلَهُ. ومِن قبْلِ نقلِهِ مشهودٌ لهُ بأنّهُ قد أرضى الله} - الرسالة إلى العبرانيين 5:11 والجدير ذكره أنّ أخنوخ تنبّأ عن القضاء الذي يحلّ بالأشرار (رسالة يهوذا 14:1-15) أمّا إيليّا فقد قضى بأمر الرّبّ وقتًا طويلًـا في البَرّيّة (كذلك الرهبان في ما بعد) والجدير ذكره أنّ الرّبّ سَمِعَ لصوت صلاته ليُقيم ابن الأرملة من الموت فقام (1 ملوك:17) كذلك فعل أليشاع (أو أليشَع) خليفة إيليّا مع ابن المرأة الشونميّة (2 ملوك 35:4) وإيليّا أيضًا لم يَرَ الموت (2 ملوك 11:2) وهنا قد يتساءل سائل: ما المعجزة التي صنعها السّيّد المسيح أعظم ممّا فعل إيليّا وخليفته بإذن الله؟ والجواب من الكتاب؛ أوّلًـا: بإذن الله أي بكلمة الله وكلمة الله هو الأقنوم الثاني أي إبن الله وهو الله الظاهر بشخص المسيح له المجد إذ {كلّ شيء به كان وبغيره لم يكن شيء ممّا كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس} – يوحنّا: الأصحاح الأوّل. ثانيًا: المعجزة الأعظم التي للسّيّد المسيح، ما لم يقدر عليها سواه، هي أنّ المسيح أعطى لرُسُلِهِ سُلطانًا لفِعْل المُعجزات، مثالًـا لا حصرًا: ما صنع بطرس الرّسول أحد التلاميذ الإثني عشر باٌسم يسوع المسيح الناصري؛ كشفاء المولود أعرج (أعمال الرسل: 3) وإقامة طابيثا من الموت وهي تلميذة من يافا (أعمال الرسل: 9) وإلّـا (أي لولا معجزات الرسل) لَمَا انتشرت المسيحيّة في أصعب الأماكن ولا سيّما اليونان القديمة التي كانت مشهورة بالفلسفة والطّبّ

* * *

رَجُل الله وأمَة الله

ورد المصطلح “رَجُل الله” في العهد القديم حوالي سبعين مرّة وقد أُطلِق على موسى النبي وإيليّا النبيّ وأليشاع وداود الملك وآخَرين، أطلِق على مختاري الله من المؤمنين ذوي المواصفات الخاصّة التي قدّرها الله ولم يُطلَق على جميعهم. وقد يجوز القول أن رجُل الله هو عبد الله المميَّز من الله. لكن لا يوجد في الكتاب المقدّس مصطلح “امرأة الله” أسوة بالرّجُل، لأنّ فهْمَ هذا المصطلح قد يصعُب على فهم المرء وقد يُساء إليه، في نظري، لذا كان المصطلح “أمَة الله” أي عَبْدة الله هو المناسب والدّالّ على الطّاعة الإلهيّة والاتّضاع الإنساني والوداعة والعفّة وسائر المحاسن والفضائل؛ نطقت به في العهد الجديد السيّدة العذراء (لوقا 38:1) المباركة بين النساء والأعظم منزلة عند الله. وقد أُطلِق على النبيّة حَنّة بنت فنوئيل (لوقا 36:2) التي عاشت مع زوجها سبع سنين ثمّ ترمّلت حتّى سنّ الرابعة والثمانين، غير مفارقة الهيكل، عابدة الله بالصوم والصلاة ليل نهار. وأخبر الإنجيل عن مريم تلميذة المسيح التي كانت ذات روح مَيّالة على الديانة إذ كانت تسمع كلامه جالسة عند قدمَيه فشهد لها أنّها اختارت النصيب الصالح الذي لن يُنزَع منها (لوقا:10) وهي التي دَهَنت قدَمَي الرّبّ يسوع بالطِّيب ومَسَحَتهُما بشَعرها في بيت لعازر أخيها (يوحَنّا: 11 و 12) على خلاف أختها مرثا إذ اهتمّت بأمور دنيويّة وإن آمنت بأنّه المسيح ابن الله الآتي الى العالم (يوحَنّا 27:11) قبلما أقام أخاها لعازر من الموت وله في القبر أربعة أيام (يوحَنّا 17:11) أمّا في العهد القديم فقد نطقت به حَنّة أمّ صَموئيل النبي، أوّل أنبياء العبرانيّين بعد موسى وآخر القضاة، وفي العهد القديم سِفران مسمَّيان باٌسمه. كذلك راعوث الموآبيّة التي كانت من عَبَدة الأصنام فتمسّكت بدين الإسرائيليّين تاركة شعبها وبيت أبيها في موآب فكافأها الرّبّ على صنيعها إذ وجدت نعمة في عَينَي بُوعَز الذي تزوّجها، بهذا صارت ضمن سلسلة نسب داود وتاليًا المسيح، لأنّها ولدت عوبيد وهو أبو يَسّى أبي داود الملك، هي في النهاية أصبحت صورة دخول الأمم في حظيرة المسيح (سِفر راعوث) ذلك بالإضافة إلى نبيّات العهد القديم؛ مريم النّبيّة بنت عمرام وأخت موسى النبي وهارون الكاهن (الخروج 20:15) ودبورة التي كانت نبيّة وقاضية (القضاة 4:4) وحُلدة النبيّة أو خلدة (2 ملوك 14:22 و أخبار الأيّام الثاني 22:34) ونوعدية النبيّة (نحميا 14:6) كذلك أخبر الكتاب المقدّس بعَهدَيه عن أخريات وآخرين

* * *

الراهب والرهبنة

ما ادّعيت يومًا أني قرأت رواية “مئة عام من العزلة” للكاتب الكولومبي الشّهير غابرييل غارسيا ماركيز لأحكم عليها بأنّها رائعة أو ساذجة. ولا أستطيع التخمين ما كان الكاتب روى قصّة رجل عاش في عزلة مدّة مئة عام أم قصّة قرية معزولة عن العالم طوال تلك الفترة، لذا وجب عليّ فتح الكتاب وقراءته من ألفه إلى يائه لكي يكون حُكمي عادلًـا، وقد لا يكون عادلًـا إذا واجهتُ مشاكل في الفهم وتثاقلت عن إيجاد حلول لها، فكيف أسمح لنفسي بالحكم على رواية تُرجمَت إلى سبع وثلاثين لغة وبِيعَ منها أزيد من عشرين مليون نسخة وأدّت إلى حصول كاتبها على جائزة نوبل للآداب سنة 1982 وأنا لم أقرأها جيّدًا؟ وفي المقابل؛ لا أدري كيف ينظر شخص إلى الرّاهب قبل دراسة الكتاب المقدّس ولا كيف يتصوّر أحدٌ الرّاهبَ والرهبنة قبل أن يعيش في دير قاسٍ أسبوعًا واحدًا في الأقلّ (لو استطاع!) إذ يقول أحد الأمثال: (لا تحْكُمْ على كتاب من غِلافِه) وهل صحيح حُكم الأخ المعترض: (لا يوجد رهبان في الكتاب المقدّس وفكر الرهبنة من أساسه غريب عن الايمان المسيحي وعن تعاليم الكتاب المقدّس) وهل هذا يعني أن الكنيسة المسؤولة عن الأديرة والرهبانيّات منذ القرون المسيحيّة الأولى كانت على خطأ ولم يتنبّه رجالُها ونساؤها إلى روح الإنجيل وتعاليمه السّامية قبل ظهور صاحب الحُكم في القرن السادس عشر أو الحادي والعشرين؟ وهل يتعارض فكر الرّهبنة مع قول الرّب يسوع: {فاٌذهَبوا وتلمِذوا جميعَ الأُمَمِ وعَمِّدوهُمْ باٌسمِ الآبِ والِابنِ والرّوحِ القُدُسِ} - متّى 19:28 ومرقس 15:16 ولوقا 3:10 أم أنّ صاحب الحُكم قد جرّب الرّهبنة ولم يتجاوب معها فثار على الكنيسة الرّسوليّة مدّعيًا على آبائها ما اٌدّعى؟ أم أنّه خلط بين المفاهيم الكتابيّة واضعًا نقاط بعض الحروف على حروف غيرها؟ لكنّ هناك موضوعًا أدهشني حين تصفّحتُه؛ إذ وجدت أنّ أوّل كلمتين للتعريف عن الأخ مارتن لوثر (1483- 1546 م) في سيرته التي في ويكيپـيديا، الموسوعة الحُرّة، هُما: راهب ألماني! وذلك في الأقسام العربيّة والانگليزية واليونانيّة والدنماركية من الموسوعة المذكورة. فصحيح أنّه كان راهبًا لكنّه ترك الرّهبنة بل اعترض عليها في ما بعد، لذا وجب على كاتب سيرته أن يذكر في البداية ما آلت إليه حياته، مثالًـا: مُصلح بروتستانتي، كما هو شائع عنه، أو أحد الأساتذة في اللاهوت، ثمّ يذكر دخوله الرهبنة في حقل سيرة حياته المبكّرة، إلّـا إذا كان كاتب السّيرة من المعجَبين بصفة الرّاهب

عِلمًا أنّ الإدّعاءات على رجال الكنيسة كثيرة وأنّ نقدها مستمر من داخلها ومن حولها ولا سيّما نقد بعض العقائد، لكني وثقت بأنّ جميع عقائد الكنيسة الرّسوليّة نابعة من روح الكتاب المقدّس، لذا أتمنّى على كلّ مؤمن مسيحي، معترض أو مشكّك، أن يسأل أصحاب العقائد قبل الحكم عليها مسبّقًا، أو قبل تبنّيه رأي هذا وموقف ذاك، أسوة بمن سأل كثيرًا ودرس وبحث بنفسه. وقد رأيت التالي واجبًا ومُلزمًا 1. فهْم الكتاب المقدّس روحيًّا لا حرفيًّا كما في الرسالة الثانية إلى كورنثوس 6:3 {لأنّ الحرف يقتل ولكنّ الرّوح يُحيي} 2. تفسير آيات الكتاب المقدّس بإرشاد الروح القُدُس أو بالرجوع إلى كتب التفسير التي سهر عليها الآباء القدّيسون بالصلاة والصوم والزّهد والتأمّل، هذا لكي يناسب التفسيرُ قولَ الوحي الإلهي بلسان بطرس الرسول 2 بط 1: 20-21 {عالمين هذا أوّلًـا أنّ كلّ نبوّة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنّه لم تأتِ نبوّة قَطّ بمشيئة إنسان بل تكلّم أناس الله القدّيسون مَسُوقين من الرّوح القُدُس} 3. تفسير كلام الرّبّ يسوع (خصوصًا) بدون اقتطاع نصّ ما من سياقه، مع الأخذ بنظر الاعتبار المناسبة التي قال فيها كلّ قول من أقواله 4. التمييز بين وصايا الرّبّ يسوع وبين الأمثال التي ضربها للتعليم، والتمييز بين التعليم المباشر وبين التعليم بالأمثال 5. اعتماد الدراسة والبحث وتقصّي الحقائق شخصيًّا وتجنّب الانجراف في تيّارات الشائعات والتعتيم والتضليل والتزمّت بالرأي والسّخرية من الآخر، بل لتكن آية الرّبّ يسوع التالية على المنارة: {فكلّ ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم. لأنّ هذا هو الناموس والانبياء} – متّى 12:7 والتي اختصرها بعض الكتّاب العلمانيّين بالقول: “عامل الناس كما تريد أن يُعاملوك” وبعضهُم ظنّ أنّ هذا المختصَر من أمثال العرب ولم يعرف قائله

أمّا جوابي على حُكم الأخ المعترض هو التالي: جميع رجال الله السالف ذكرهم كانوا رُهبانًا، بشكل ما أو بآخر. وتعريف الرّهبنة من لسان أحد الرهبان (القدّيس باخوميوس) في القرن الرابع الميلادي: (الصّومُ بمقدار والصّلاة بمداومة وعِفّة الجسد وطهارة القلب وسكوتُ اللسان وحفظُ النّظر والتّعب بقدر الإمكان والزّهدُ في كلّ شيء) فالصّوم والصّلاة والعفّة وسائر المفردات الواردة في التعريف هي من صُلب تعاليم الكتاب المقدّس. مثالًـا على الصّوم
ومتى صُمتمْ فلا تكونوا عابسين كالمُرائين. فإنّهم يُغيّرون وجوهَهُم لكي يظهروا للناس صائمين. الحقّ أقول لكم إنّهم قد اٌستوفوا أجْرَهُم – متّى 16:6
ومثالًـا على السكوت: {أمّا الرّبّ ففي هيكل قُدسِه. فاٌسكُتي قدّامَهُ يا كُلّ الأرض} - حبقوق 20:2

والأمثلة على دوافع الرّهبنة وأصولها الكتابيّة كثيرة؛ منها التالي
وفيما أنتُم ذاهِبون اكرِزوا قائلين: إنَّهُ قد اقتَرَبَ ملكوتُ السَّماواتِ. اِشفوا مَرضى. طَهّروا بُرصًا. أقيموا مَوتى. أخرِجوا شَياطين. مَجّانًا أخَذتُمْ، مَجّانًا أعطوا. لا تَقتَنوا ذَهَبًا ولا فِضَّة ولا نُحاسًا في مَناطِقِكُمْ، ولا مِزوَدًا للطريقِ ولا ثَوبَينِ ولا أحذيَة ولا عَصًا، لأنَّ الفاعِلَ مُستَحِقٌّ طَعامَهُ- متّى 10: 7-10

مَنْ أحَبَّ أبًا أو أُمًّا أكثَرَ مِنّي فلا يَستَحِقُّني، ومَنْ أحَبَّ ابنًا أو ابنَةً أكثَرَ مِنّي فلا يَستَحِقُّني، ومَنْ لا يأخُذُ صَليبَهُ ويتبَعُني فلا يَستَحِقُّني. مَنْ وجَدَ حَياتَهُ يُضيعُها، ومَنْ أضاعَ حَياتَهُ مِنْ أجلي يَجِدُها. مَنْ يَقبَلُكُمْ يَقبَلُني، ومَنْ يَقبَلُني يَقبَلُ الَّذي أرسَلَني- متّى 10: 37-40

قالَ لهُ تلاميذُهُ: "إنْ كانَ هكَذا أمرُ الرَّجُلِ مع المَرأةِ، فلا يوافِقُ أنْ يتزَوَّجَ!" فقالَ لهُم: ليس الجميعُ يَقبَلون هذا الكَلامَ بل الَّذين أُعطيَ لهُم، لأنَّهُ يوجَدُ خِصيانٌ وُلِدوا هكَذا مِنْ بُطونِ أُمَّهاتِهِمْ، ويوجَدُ خِصيانٌ خَصاهُمُ النَّاسُ، ويوجَدُ خِصيانٌ خَصَوْا أنفُسَهُمْ لأجلِ ملكوتِ السَّماواتِ. مَنِ استَطاعَ أنْ يَقبَلَ فليَقبَلْ- متّى 19: 10-12

قالَ لهُ يَسوعُ: إنْ أرَدتَ أنْ تكونَ كامِلاً فاذهَبْ وبعِ أملاكَكَ وأعطِ الفُقَراءَ، فيكونَ لكَ كنزٌ في السَّماءِ، وتعالَ اتبَعني- متّى 21:19

وكُلُّ مَنْ ترَكَ بُيوتًا أو إخوَةً أو أخَواتٍ أو أبًا أو أمًّا أو امرأةً أو أولادًا أو حُقولاً مِنْ أجْلِ اٌسمي، يأخُذُ مِئَةَ ضِعفٍ ويَرِثُ الحياةَ الأبديَّةَ- متّى 29:19

* * *

ثلاثة أسئلة

لكنّ في الأفق ثلاثة أسئلة لزم الجوابَ عليها بعضُ التأمّل، الأوّل: هل جميع المؤمنين المسيحيّين، من الجنسين، مواظبون يوميًّا على مفردات تعريف الرّهبنة المذكور، باستثناء موضوع الزهد؟ الجواب: لا. وإلّـا لأصبحوا، رهبانًا وراهبات، بحسب التعريف، كُلّـا بطريقته، وإن لم ينتموا إلى أيّ دير أو أيّة مؤسّسة رهبانيّة. والثاني: هل يستطيع المؤمنون المسيحيون، من الجنسين، الزهد عن الدّنيا في كلّ شيء لكي ينطبق على سلوكهم ذلك التعريف؟ ج: لا. لأنّ هذا الزهد يعني التفرّغ كلّيًّا إلى عبادة الله والتخلّي عن أمور الدنيا، إلّـا ما اٌقتضى فعله منها لمجد الربّ يسوع له المجد. وهذا يعني ترك جميع مغريات الدنيا وملذّاتها ومشتهياتها الوقتية والدائميّة، إلّـا مشتهى التقرّب إلى الله بالجهادَين الرّوحي والجسدي اللذين تضمنّتهما مفردات التعريف. والثالث: أفليست الرّهبنة دعوة خاصّة من الله أم أنّها مفروضة على جميع المؤمنين، من الجنسين، وأنّهم مُلزَمُون بها؟ ج: دعوة خاصّة؛ غير مفروضة، لأنّ الدعوة تأتي من الله، أي بحسب مشيئته وليست بحسب مشيئة المؤمن-ة، ولهذا فالرّهبنة غير مُلزِمة

عِلمًا أنّ للرهبنة أنماطًا مختلفة وأماكن مختلفة وفيها وجهات نظر مختلفة وتوجّهات مختلفة، هذا ما لمست خلال زيارتي عددًا من الأديرة في الأردنّ ولبنان وسورية، أخصّ بالذكر منها الرّهبنة اليسوعيّة؛ وهي (رهبنة كاثوليكية أسسها إغناطيوس دي لويولا الذي كان جندياً ثم كرّس حياته للحياة النسكية المسيحية عام 1540 م. بلغ عدد أعضائها قرابة 20.170 فردًا، منهم 14.147 يحملون الرتبة الكهنوتية، وبهذا يكون اليسوعيّون أكبر جماعة رهبانية كاثوليكية للذكور في العالم. تنتشر مراكز اليسوعيين في 112 بلدًا في القارّات السّتّ، ولهم مراكز في دول عربية عدّة، أبرزها لبنان وسوريا ومصر. لا يطلق اليسوعيون على أنفسهم عادة صفة راهب، بل يفضلون لقب أخ أو أب، لهذا فهُمْ يُعرَفون أيضًا بالآباء اليسوعيّين...) والمزيد في ويكيپـيديا: يسوعيون

* * *

مخافة الرّبّ

أمّا الرّاهب- لغويًّا: هو اٌسمُ فاعل الفعل “رَهِبَ” يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْباً بالضم، ورَهَباً بالتحريك، أي خافَ. والمُراد بالخوف هنا: خوف الرّبّ (أو مخافته) فنقرأ ما يأتي في المزامير
رأس الحكمة مخافة الرّبّ. فطنة جيّدة لكلّ عامِليها. تسبيحُهُ قائمٌ إلى الأبد – مزمور 10:111
وفي سِفر الأمثال
مخافة الرّبّ رأس المعرفة. أمّا الجاهلون فيحتقرون الحكمة والأدب – أمثال 7:1
بدءُ الحكمة مخافة الرّبّ ومخافة القدّوس فهْمٌ – أمثال 10:9
في مخافة الرّب ثقة شديدة ويكونُ لبنيهِ ملجأ – أمثال 26:14
وفي سِفر إشعياء
يخرُج فرعٌ مِنْ جذعِ يَسَّى وينمو غُصنٌ مِنْ أُصولِهِ، روحُ الرّبِّ ينزِلُ علَيهِ، روحُ الحِكمةِ والفهْمِ والمَشورةِ، روحُ القوَّةِ والمَعرفةِ والتَّقوى، ويبتَهِج بمخافةِ الرّبِّ. لا يقضي بحسَبِ ما ترَى عيناهُ ولا يحكُمُ بحسَبِ سَماعِ أُذُنَيهِ- إشعياء 11: 1-3

* * *

الراهب في شعر العرب

إنّ الرهبان ومساكنهم، كالصّومَعَة والدَّير والهيكل، من أكثر الألفاظ النصرانيّة تعدّدًا عند العرب، بحسب كتاب «النصرانيّة وآدابها بين عرب الجاهليّة» بقلم الأب لويس شيخو اليسوعي ج 2 وباب “الألفاظ النصرانيّة” الذي اقتطفتُ منه التالي: [قال عمرو بن عبد الحقّ ويُروى أنه للأعشى أو الأخطل أو ابن عبد الجنّ- على وزن بحر الطويل
وما سَبّحَ الرهبانُ في كلّ هيكلٍ: * أبيلُ الأبيلِين المسيحُ بنُ مَريَمَا
ما: الذي. ويُروى: وما قدَّسَ... والأبيل: لفظة سريانيّة من فِعل معناه: بكى على خطاياه وناح. ومن معاني الأبيل أيضًا الزاهد والناسك، بالإضافة إلى الراهب. مثله الأيْبَلي- بفتح الباء، والأيبُلي- بالضمّ، والهَيْبُلي. قال الأعشى- بحر المتقارب
وما أيبُليٌّ على هيكلٍ * بناهُ وصلّبَ فيه وصارا
وقال الأعشى (تاج العروس 280:1) يحلف بمُسُوح الرهبان والكعبة- بحر الطويل
حَلفتُ بثوبَي راهب الدير والتي * بناها قصيٌّ والمُضاضُ بن جُرهُمِ
أراد بثوبَيه مِسْحَيه كما قال جرير (التاج 69:8) – بحر البسيط
لا وصْلَ إذ صَرَمَتْ هندٌ ولو وقفتْ * لاٌستَفتَنتْني وذا المِسْحَينِ في القُوسِ
والقُوسُ، بضم القاف: رأْس الصَّوْمعة، وقيل: موضع الراهب، صَوْمَعة الراهب- لسان العرب
وقال امرؤ القيس في معلّقته يصف لمعان البرق ويشبّهه بسراج الرّاهب عند صبّه الزيت على الفتيلة ليذكيه- بحر الطويل
أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَهُ * كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِبٍ * أَمَالَ السَّلِيْـطَ بالذُّبَالِ المُفتَّـلِ
كما قال واصفًا الراهب بالتّبتّل
تُضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا * مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ
وكما أفاضوا في ذكر الرهبان، بيَّنوا منازلهم في بلاد العرب فخصّوا منها بلاد مَدْيَن؛ قال كُثيّر عَزّة
رُهبانُ مَديَنَ والَّذين عَهِدتُهُم * يَبكون مِن حَذرِ العَذابِ قُعُودا
لو يسمعون، كما سَمِعتُ، كلامَها * خرّوا لعَزّة رُكّعًا وسُجُودا- بحر الكامل
وقال جرير- بحر الكامل أيضًا
رُهْبَان مَدْيَن لَوْ رَأَوْك تَنَزَّلُوا * والعُصْمُ مِنْ شَعَف الجبَال الفادِرُ

وكما ذكروا الراهب ذكروا الراهبة وجمعوها: الرواهب. ودعوها أيضًا بالدَّيرانيّة. قال امرؤ القيس
فآنستُ سِربًا مِن بعيدٍ كأنّهُ * رواهبُ عِيدٍ في مُلاءٍ مُهدَّبِ- بحر الطويل... إلخ] انتهى

* * *

الراهب في القاموس العربي

وردت كلمة “الراهب” في “لسان العرب” مع عدد من المرادفات: [تَرَهَّب الرَّجُلُ إِذا صار راهِـبًا يَخْشَى الله. والرَّاهِبُ: الـمُتَعَبِّدُ في الصَّوْمعة، وأحَدُ رُهبان النصارى، مصدرُهُ الرَهْبَة والرَهْبانِيَّة. والجَمعُ الرُّهْبانُ. والتَّرَهُّبُ التَّعَبُّدُ، وقيل: التَّعَبُّدُ في صَوْمَعَتِه. وأَصلُ الرَّهْبانِـيَّة من الرَّهْبة. قال ابن الأَثير: هي من رَهْبَنةِ النصارى. وأَصْلها من الرَّهْبةِ: الخَوْفِ؛ كانوا يَتَرَهَّبُون بالتَّخلي من أَشْغالِ الدنيا، وتَرْكِ مَلاذِّها، والزُّهْدِ فيها، والعُزلةِ عن أَهلِها، وتَعَهُّدِ مَشاقِّها. وفي الحديث: (عليكم بالجهاد فإِنّهُ رَهْبانِـيَّة أُمّتي) يُريد أَنَّ الرُّهْبان، وإِن تركوا الدنيا وزَهِدُوا فيها، وتَخَلَّوا عنها، فلا تَرْكَ ولا زُهْدَ ولا تَخَلِّيَ أَكثرُ مِن بذل النفس في سبيل الله؛ وكما أَنّهُ ليس عند النصارى عَمَلٌ أَفضلُ من التَّرَهُّب، ففي الإِسلام لا عَمَلَ أَفضلُ من الجهاد] انتهى. ومن المرادفات: الأبيل والأَيْبُليّ، كما تقدّم، سُمِّيَ به لتأَبله عن النساء، والفعل منه أَبَلَ يأْبُلُ أَبَالة إِذا تَنَسَّك وتَرَهَّب. والنِّهامِيُّ في “القاموس المحيط” صاحِبُ الدَّيْرِ

* * *

الهروب والعزلة

سُئِل الراهب المِصري أرسانيوس ذات مرّة: لماذا تهرب منّا يا أبتاه؟ فأجاب: (الله يعلم أني أحبّكم، لكني لا أستطيع أن أكون مع الله ومع الناس، لأن ألوف الملائكة والربوات العُلويّة لهم إرادة واحدة، أمّا النّاس فلهُمْ إرادات كثيرة! وهكذا لا أستطيع أن أترك الله وأصير مع الناس) – كتاب "بستان الرهبان" لآباء الكنيسة القبطية. أمّا “الهروب” إلى البَرِّيَّةِ ولا سيّما الصّحارى والجبال فقد انطلق كثير من رجال الله إليها، لِما فيها من سكون وهدوء وفسحة للصلاة والتأمّل والإصغاء إلى كلام الله (إذا كانت دعوة الراهب صادقة) والتواصل معه، على رغم ما في البَرِّيَّةِ من صعوبات ومخاطر. والربّ يسوع نفسه قد انتقل إلى البَرّيّة: {ثُمَّ أُصعِدَ يَسوعُ إلى البَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ ليُجَرَّبَ مِنْ إبليسَ. فبَعدَما صامَ أربَعين نهارًا وأربَعين ليلة، جاعَ أخيرًا...} متّى: 4 (أنظر-ي أيضًا متّى 33:15 إذ انتقل يسوع الى جانب بحر الجليل وصنع معجزة الخبز والسَّمَك) كذلك يوحنّا المعمدان (متّى 7:11 ومرقس 4:1) بالإضافة إلى الآية التالية وما يليها وغيرها: {في أيّام رئيس الكهنة حنّان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنّا بن زكريا في البَرّيّة...} وقد ذكر بولس الرسول الاضطهاد الذي تعرّض له في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس مضافة إليه مخاطر كثيرة، منها أخطار البَرِّيَّةِ (2 كو 26:11) وهناك المرأة التي هربت إلى البَرِّيَّةِ في سِفر الرّؤيا 6:12 والمقصود بها السيّدة العذراء

لاحظ-ي أني وضعت كلمة الهروب بين مزدوجَين، نظرًا إلى أنّ للهروب دلالات إجابية سواء ما تمّ بالجسد وبالفطرة وبالروح؛ كالهروب بالجسد من الشّرّ والخطر، والهروب بالفطرة من الكلام البذيء نُطقًا به أو استماعًا له، والهروب بالرّوح من التفكير الباطل والمتخلّف

أمّا في العهد القديم فوجدت الإشارات التالية؛ انتقال إيليّا النبيّ إلى البريّة حيث كان كلام الرّبّ إليه، ابتداءً بالآية: {ثم سار في البَرِّيَّةِ مسيرة يوم حتى أتى وجلس تحت رتمة وطلب الموت...} - الملوك الأوّل 4:19 وفي المزامير: {هاءَنذا كنت أبعد هاربًا وأبيتُ في البَرِّيَّة} – مزمور 7:55 وفي سِفر إرميا: {يا ليتَ رأسي ماءٌ، وعَينَيَّ يَنبوعُ دُموعٍ، فأبكيَ نهارًا وليلاً قتلى بنتِ شَعبي. يا لَيتَ لي في البَرِّيَّةِ مَبيتَ مُسافِرين، فأترُكَ شَعبي وأنطَلِقَ مِنْ عِندِهِمْ، لأنَّهُمْ جميعًا زُناةٌ، جَماعَةُ خائنين. يَمُدّونَ ألسِنَتَهُمْ كقِسيِّهِمْ للكَذِبِ. لا للحَقِّ قووا في الأرضِ. لأنَّهُمْ خرجوا مِنْ شَرٍّ إلَى شَرٍّ، وإيّايَ لم يَعرِفوا، يقولُ الربُّ} - إرميا 9: 1-3 بالإضافة إلى أنّ الرّبّ تعامل مع شعبه الذي أخرجه من أرض مِصر في البَرِّيَّة: {أنا عَرَفتُك في البَرِّيَّةِ في أرض العَطش} – هوشع 5:13 وآيات أُخَر

* * *

في دنيا الرهبان/ نازك الملائكة

سِر بنا يا طريقُ نحو حِمى الدَّير فقد نلتقي الرِّضَى والأمنا
فلعلّ الرّهبان قد أدركوا السّرّ المُعَمّى الخافي الذي نتمنّى

هؤلاء الزّهّاد في القنّة الخضراء حيثُ الحياةُ صَمْتٌ مديدُ
رُبّما كاشَفتْهُمُ الأنجمُ العُليا بأسرارها وباحَ الخلودُ

مرحبًا يا رهبانُ هلْ في حِماكُمْ * مِن حديث عن كنزنا المفقودِ؟
هل لمستُمْ بَريقهُ وشَذاهُ؟ * هل نعمتُمْ بظلِّهِ الممدودِ؟

إنَّ في أفْقِكمْ جَلالًـا وشِعرًا * وسُكونًا مُطلسَمَ الأستارِ
وصلاة لله تقطرُ حُبًّا * طهّرَتْها يدُ الدموع الغِزارِ

فلِمَ الحُزنُ والشّحوبُ يطلّـان لديكُمْ مِن أعيُن وشِفاهِ؟
يلقيان الظلال فوق وُجُوهٍ * صامتات المرأى خواء الجباهِ؟

ووراء الأهداب أستارُ حُزن * وذهولٌ ووحشة لا تنامُ
إنْ يكنْ ديرُكُمْ عَذابًا وهَمًّا * أيّها الرّاهبون فيمَ المُقامُ؟

لم أجدْ في الصّوامع الرّثة الحَيرى عُلُوًّا ولم أجدْ آفاقا
إنّ هذا الجَناحَ يا ديرُ مقصوصٌ فلن يستطيع قطّ اٌنطلاقا

أثقلتْهُ رَغائبٌ ثرّة حَرّى تبقَّتْ مِن أمسِهِ المدفونِ
واٌشتياقٌ إلى الطّفولة والحُبّ إلى ضَمّةٍ وصَدر حنونِ

أيّها الرّاهبُ الذي يقطع العُمرَ وحيدًا في غرفة منسيّهْ
ليس يدري دفءَ الموّدة في عينين في قرّ ليلةٍ شِتْويّهْ

حَدَّثوني عنكم فقالوا: قلوبٌ * نُسِجَتْ مِن وداعة ونقاءِ
ونفوسٌ صِيغتْ من الضّوء والعطر وحامتْ على شفاه السماءِ

وحكوا لي عنكم فقالوا: ضياءٌ * وكؤوسٌ مِن الشّذى رُوحيّهْ
وسُمُوٌّ إلى الذّرى الطّاهرات البِيض فوق الرّغائب البَشَريّهْ

عَجَبًا أين ما سمِعتُ؟ هنا شوقٌ ونارٌ وأعينٌ مفتونهْ
وهوىً قيّدوهُ عطشان محرورًا فأين السّلامُ؟ أين السَّكينهْ؟

واٌسمُ (تاييسَ) لم يزلْ في شِفاه الرّيح يُتلى على الوجود اللاهي
رمزَ قلبٍ ممزَّقٍ بين صَوتين: نداءِ الهوى وصوتِ اللهِ

ما نسِينا غَواية الرّاهب المفتون في حُبّها وكيف هَداها
يا لهُ بائسًا سَما باٌبنة الإثم إلى قمّة السماء وتاها

أيّها الدّيرُ يا جَديبًا من الحبّ خواءً من النّدى والحَنانِ
يا غريقًا في الصّمت والوحشة الصّماء يا مُقفِرَ الرؤى والأماني

حان عن صَمْتِك الكئيب رحيلي * فدُروبُ الحياة خضراءُ حَيَّهْ
وذراعُ الوجود يفرش لي دربًا مِن الخِصْب والظّلال الثّريّهْ

وسألقى ربّي هناك بعيدًا * عن دياجيك إنّ ربّي ضياءُ
وطريقي يمتدّ حيث يدُ الله جَمالٌ ورحمةٌ واٌرتواءُ

والقصيدة كاملة على وزن بحر الخفيف، تمّت مراجعتها من جهتي إكرامًا لذِكر شاعرتنا الكبيرة، لأنّ في نسخ هذه القصيدة أخطاء في جميع المواقع الالكترونية التي نشرتها. عِلمًا أنّ نازك الملائكة هي الوحيدة في تاريخ الشّعر العربي التي تأثّرت بالحياة الرّهبانيّة المسيحيّة بشدّة، حتّى كتبت في الأقلّ أربع قصائد عن الرهبان والراهبات، تحت العناوين التالية- بالإضافة إلى ما تقدّم: (عند الرهبان، أنشودة الرهبان، أغنية تاييس) والتي اقتطفت عددًا من الأبيات منها جميعًا في ما مضى، وتحديدًا في مقالتي: آثار مسيحيَّة في شعر غير المسيحيّ، ج 5 الأخير. وقد انتهى المطاف بالشّاعرة إلى هجرة وطنها (العراق) واتخاذ سبيل العزلة والاعتكاف في بيتها، في العاصمة المِصريّة، حتّى وفاتها- رحمها الله

* * *

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا