هدية عيد الامتكثر الدعايات والاعلانات في الجرائد والمجلات ووسائل الإعلام في الآونة الأخيرة تحت العناوين العريضة "تحبنا طول السنة فلنعطها هدية يوم بالسنة..." أو "ماذا تستاهل ست الحبايب هدية.." وما إلى ذلك من الكلمات المعسولة المنمقة الهادفة إلى لمس المشاعر والأحاسيس لتتهافت الجموع إلى الأسواق بغية شراء هدية للأم بمناسبة عيد الأم السنوي...! ولكأن الأم تتحرق شوقًا لهذا اليوم، وتنتظره بفارغ الصبر...فلا يهمها ما يمرعليها من أحداث وأمور خلال العام، المهم أنها تُكرَّم بالذات في هذا اليوم!

تربينا في مجتمع يعتبر الأمومة أمرًا مفهوم ضمنًا ودور لا بد منه في نهاية المطاف. فالفتاة تحلم بالزواج لأنها تريد أن تُصبح أم...وبإمكاني القول أنه أمر طبيعي لأنها غريزة تولد معها الفتاة. فمنذ نعومة أظافرها، تراها تحمل دميتها الصغيرة لتطعمها وتهتم بها وتُدللها...هو دور تبرع فيه دون تجربة أو دفتر تعليمات. تعرف دومًا ما عليها فعله وكيف تفعله. تعلم تمامًا كيف تُهدِّئ من روعة طفلها، كيف تحتضنه وتهدهد وتدندن له.. تعرف ما سيقوله من طريقة وقوفه، وما يشعر به من نظراته وتعابير وجهه..تقرأه بوضوح وتتجاوب مع احتياجاته بمهارة وبراعة بديهية. تُفكِّر فيه طوال الوقت وتقلق من أجله مهما كبُر واستقل ورحل مبتعدًا عنها. تتمنى له الأفضل حتى على حساب حياتها وراحتها وقدراتها، وتتفوق على نفسها عندما يتعلق الأمر بحياة طفلها (أو ابنها البالغ الذي لا يزال طفلها).

هي كالأخطبوط، ولكأنها تملك الكثير من الأيادي! فهي قادرة على عمل عدة أمور بالوقت ذاته..أن تطبخ، وتنظف المكان، وتحضِّر المائدة، وتتحدث مع من حولها، وترتب الخزانة، وتُحضِّر السلطة، وتعصر البرتقال، وتغسل الصحون...كل هذا في الوقت ذاته وهي في تركيز تام دون تشتيت. يسخر الرجل عندما يقول بأن عقلها معقَّد وغير مفهوم، ولكنه لا يتنبه لحقيقة أنها الإناء الأدق الذي صنعه الله...خصَّصها لتتمكن من القيام بالعديد من الأمور على عكس الرجل الذي لا يستطيع أن يقوم بأكثر من عمل واحد ومهمة واحدة في كل مرة.

للأسف يفشل مجتمعنا العربي الذكوري في استيعاب مدى تميز وروعة هذا المخلوق، فغالبية النساء (الأمهات) هي شخصيات باهتة وتابعة للرجال. فالفضائل والتميزات النسائية ودور المرأة في المجتمع يُعتبر أمرًا بديهيًا ومفروغ منه. فالأم يجب أن تكون موظفة مجتهدة بوظيفة كاملة تدوم لسبعة أيام في الأسبوع و24 ساعة في اليوم. عمل لا يهدأ ولا يكلّ ولا يتوقف، حتى لو كان برغبة منها في أن تستريح إلاّ أن غريزتها وتعلقها الطبيعي بأولادها يدفعها لتبقى متيقظة ومتنبهة طيلة الوقت وكل الوقت دون كلل، تمامًا كالجندي في الحرب!

هي كالنسيم العليل في أيام الصيف، وكالعاصفة الهوجاء في برودة الشتاء.. هي منبع حنان لا ينضب ولا يتوقف وحمامة سلام هادئة، وهي أسد يزأر في وجه أي شيء قد يُهدِّد أبناءها وأمانهم.

تتقبل الأم حقيقة كونها مجرد خيال في أوقات كثيرة، تطوف حول أفراد عائلتها لترفعهم وتدعمهم على حساب وقتها ورغباتها وطموحها...تتنازل دون محاسبة أو تردد... تُعطي بسخاء ولا تُعيِّر..لا تنتظر مقابل ولا تتوقع أن تُكافأ...فجُلّ ما تحلم به وتتمناه هو أن ترى أولادها في أفضل حال، في كل يوم.

هذه هي هديتها، وهذا هو عزاؤها ومرضاتها. ليست وردة أو عطر أو ثوب أو أية هدية ليوم واحد في السنة... فتبجيلها وإكرامها وتقديرها كل يوم في السنة هو أقل ما يُمكن تقديمه لست الحبايب. فأنتِ لست مفهومة ضمنًا عزيزتي، فلولاك لما كنا جميعًا ما نحن عليه الآن. شكرًا لأنك أم.

وكل عام وأنت مرفوعة الرأس سيدتي.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا