نحن نحيى في عالم يسود عليه الموت والقتل؛ الذي ساد على عالمنا هذا حالاً بعد سقوط آدم في الخطية. بعدها حالاً رأينا أول خطية قتل، حينما قتل قايين أخاه هابيل؛ ولم ينتهي الأصحاح الرابع من تكوين، حتى رأينا جريمة قتل أخرى، لامك قتل رجل؛ ولم يقتله فقط بل افتخر بقتله إيَّاه (تكوين ٤: ٢٣). وبحسب طرح الوحي من خلال رسالة يوحنا الأولى، لقد قتل قايين أخاه، بسبب سقوط محبة الله من هذا العالم، مما جعل قلب الناس مليء بالغيرة والكراهية والقتل وسيادة روح القتل عليهم، روح قايين (١ يوحنا ٣: ١١-١٥).

أما عندما تعامل المسيح مع قضية القتل، تعامل مع مسببات القتل في هذا العالم والتي تبدأ في القلب، وهي كما يلي:
" ٢١ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ (حكم القاضي) 22 وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ (الحرمان ديني) وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ. " متى ٥.

ومنها نستنتج ثلاثة مسببات التي تدفع الناس والشعوب إلى القتل والدماء؛ وهي مجرد أعراض موجودة كنتيجة لاختفاء محبة الله من قلب الإنسان الساقط:

١- الكراهية والغضب:
الكراهية والغضب والغيرة المرة، وهي في قول المسيح: “إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" (باطلاً تعني، ليس لمجد الله)، ويقصد بالحكم، هو حكم الموت. فالغضب والغيظ، الذي يقود إلى الغيرة والكراهية، ومن ثم إلى القتل، هو من أكبر مسببات القتل على مستوى فردي وعائلي وعلاقاتي في هذا العالم.

٢- التمييز العنصري:
ويكمن في قول يسوع: “وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا (تافه) يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ"، وفيه يحتقر إنسان، إنسان آخر. وفي الاحتقار يبرز البشر أنهم أشرف مقامًا من بشر أخرين. ونرى في هذا أهم العناصر التي تؤدي إلى: الثورات، الاضطهاد، الحروب الأهلية، الإرهاب، المعايير المزدوجة في القضاء والقانون، الاحتلال، الجزية...إلخ.

٣- الإهانة:
وتكمن في كلمات يسوع: “وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ."، ويتجسد فيها جميع مظاهر الإهانة، والظلم، وانتهاك مشاعر الناس في أكثر الأمور حساسية كالشرف والدين والإنسانية...إلخ.

أمَّا المسيح في بداية الموعظة ابتدأ بالثناء على المؤمنين الذين يختبرون تلك الأمور السابقة، لكي لا يخوروا وتدخل المرارة لقلوبهم؛ محفزًا إياهم بأن الاضطهاد هو جزء من خطة الله لهم، لاكتساب العالم الضائع إلى الملكوت، كما قال:

" طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ مِنْ أَجْلِي كَاذِبِينَ. 12 افْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ فَإِنَّهُمْ هَكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ. " متى ٥.

لكن من الناحية الأخرى، قد أعطى المسيح المؤمنين تعليمات واضحة عن الكيفية التي بها يجب أن يأخذ المؤمنون وقفة ضد جميع هذه المواقف. فبعد هذه الفقرة علم المسيح المؤمنين بأنه لا يكفي أن تكون قلوبهم خالية من الكراهية والمرارة فقط، بل هم مسئولون على إصلاح قلوب أخوتهم من المرارة نحوهم، كما قال:
" 23 فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ 24 فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ." متى ٥.

إن عبارة "لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ"، تفترض أن هناك مشكلة موجودة في قلب أخيك وليس بالضرورة في قلبك. ولا تتكلم عن من المخطئ أنت أم هو، بل الموضوع هنا هو، أن أخيك عنده مرارة منك وقلبه جريح، ويجب أن تدرك أن المبادرة وُضعت عليك، بحسب تعاليم المسيح، لإصلاح وشفاء قلب أخاك.

وختم تعليمه في هذه الجزئية من الموعظة، بإرجاع الشريعة التي فُقِدتْ، المحبة، والتي عندما أخطأ آدم سقطت من هذا العالم، وجاء يسوع لكي يردها لعالمنا هذا؛ حيث قال:

" ٤٤ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ 45 لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ ...." متى ٥.

كما في بداية الإصحاح، ذكر المسيح تلك الأعراض الثلاثة التي ممكن أن يختبرها المؤمنين، واعدًا إياهم بالبركة؛ "طوبى". هنا نراهُ يذكر نفس العناصر أو الأعراض لمشكلة سقوط محبة الله من العالم. ويعلمنا ماذا ينبغي أن تكون ردة فعلنا عليها، إذا أردنا أن نكون مؤثرين في هذا العالم. بعدما لخِّص وصيته العظمى بعبارة: "أحبوا أعدائكم"، أورد تعليمات للردود على الثلاث أعراض، التي تأتي كنتيجة لممارسة محبة الله في هذا العالم، وهي كما يلي: “باركوا لاعنيكم (الإهانة)"، أحسنوا إلى مبغضيكم (الكراهية والغضب)"، و "صَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ (التمييز العنصري )".

أليس هذا تعليم يستحق أن نرفع أمامه رؤوسنا إجلالاً وإكرامًا؛ ونفتخر بكمال إلهنا ومحبته لنا ولغيرنا كما يتابع الوحي ويقول:
" ٤٥... (الله) فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. 46 لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ (أكثر الناس شر) أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ 47 وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ (وإن طلبتم سلامة إخوتكم فقط) فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا؟ 48 فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ." متى ٥.

إن ممارسة تلك المحبة ليس له تأثير للذين يرونه ويختبرونه فحسب، بل هو يكسِّر قيود كثيرة في العالم الروحاني الشرير، ويُطلق النفوس لتقبل يد الله الممتدة إليهم بالمسيح. يا رب، إمنح كنيستك أن تحيى وتمارس محبتك في هذه البلاد، كشهادة على عمل محبتك فينا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا