في عالمٍ أخذ يضج بصخب اللامبالاة وزوال المبادئ والقيم والعقيدة، نجد أنفسنا في حالة ثمل دائم نتمايس سكارى إثر الضغوطات اليومية التي آلت من سيئ إلى أسوأ؛ فبعدما كان الأسود بارز ومُعتم على الدوام، والأبيض ساطعٌ ومشرق أبدًا، أصبح لدينا عمى ألوان من الدرجة الأولى مع غشاوة على عيوننا تمنعنا من تحديد الحقيقة والأصل. هل هذا أسود أم رمادي؟ أم تراه يكون مائل إلى البُني؟!! فالذي كان مفهوم ضمنًا وطبيعي أصبح غير واضح وغير طبيعي!

"إذا انقلبت الأعمدة، فالصديق ماذا يفعل؟" (مزمور 11: 3)

كشخص مسيحي "مزمن" لي إيماني ومبادئي وأفكاري التي اخترتها وانتقيتها بتروي وتأني. فغربلتها وأعلنتها على الملا. وخلال السنوات الطويلة في سيري مع الرب سمحت له بتمحيصي وصقلي ونحتي كما يحلو في عينيه هو. أعرف أن الأسود لون الخطية والأبيض لون النقاوة والعفة والأحمر لون الدم والغفران والحريّة. لم أعانِ ولا زلت لا أعاني من عوارض مرض الزهايمر في ذاكرة إيماني ومبادئي، فيسوع المسيح هو ربي وإلهي ومُخلصي وسيدي على الدوام، هو صخرتي وعمادُ حياتي. لا مجال للشك أو الحيرة في هذا أبدًا!

ولكن مدعاة الحيرة هو العالم الذي نعيش فيه والذي يطالب المرء بممارسة حياة يومية في حالة غيبوبة مستمرة، رافضة للمبادئ وناكرة للقيم. أصبح نجمه المُفضل عبارة عن بالون مزركش وملون من خارجه أما من الداخل فهو هواء وهراء! عالمٌ يرفض الاستقامة والأمانة ليعتبرها ضعف وفقر. يستحي بالصدق ويفخر بالكذب والخبث والمكر وينعتها بصفات كالذكاء الاجتماعي والفطنة والشعبية! أصبح الإنسان الطيب منبوذ والإنسان اللئيم والداهية محبوب ومطلوب. يحب المرء أن يسمع الكلمات المعسولة المُبهرجة برغم معرفته أنها مزيفة وغير حقيقية إلا أنها تُرضي غروره واحتياجاته ونفسيته، فتراه يسعى وراءها ليبني علاقات وصداقات مع أصحابها ويلتصق بهم رافضًا الصدق والحقيقة لأنها أحيانًا كثيرة تكون باردة في طقس يحتاج الالتحاف بدفءٍ زائف مصدره نار حارقة!

كمسيحيين ثابتين وراسخين بصخر الدهور نُصدم لهذا الواقع فيخل توازننا لنرقص فوق حبل رفيع على ارتفاع شاهق، حبل دقيق يربط طرفين متناقضين تمامًا، الأسود والأبيض. ما هو الضعف وما هي القوة؟! نتساءل كيف لنا أن نعيش كسفراء عن المسيح في عالم يتغلغل أكثر وأكثر برمال متحركة في صحراء اللامبالاة والهمجية! وما هي المبادئ والقيم التي يتوجب علينا أن نورثها لأولادنا بعد أن خلّ توازنها؟ كيف أقول لابني: "أعطه خدك الأيمن حبيبي!" وهو يتواجه مع شخص همجي ينهال عليه بالضرب والشتائم والإساءة النفسية؟! كيف نصمت عندما نرى حدقة عيننا يتصارع في حيرة وصمت؟ هل يُفترض أن نُربِّت على أكتافهم بألم وحسرة وأمل وإيمان!!؟! أم نُعلِّمهم أن "العين بالعين والسن بالسن...؟" إن فعلنا ذلك فإننا بدأنا في مسيرة التنازل عن كل ما هو مهم وقيِّم وأصيل في حياتنا. نتنازل عن المبادئ وعن المسيحية وبطبيعة الحال نُحزن قلب الله.

الرب باركنا بأولادنا جيل المستقبل وهم وزنة ائتمننا هو عليها، أي هم مسؤولية كبيرة جدًا! ويُطرح السؤال: كيف نستثمر بهم على أفضل صورة وأفضل شكل لتتضاعف الوزنة وتكثر دون أن نُسبب لهم الألم ؟! هل لنا أن نُساوم العالم ومعاييره ومقاييسه وقيمه عندما يتعلق الأمر بمستقبل أولادنا؟!!

فوضى لمبادئ وأحاسيس وأفكار وقيم... "إذا انقلبت الأعمدة، فالصديق ماذا يفعل؟"

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا