إن كل إنسان مهما كان، يحزن عندما يفارق إنسان عزيز عليه بالموت، وهذا أمر طبيعي للمؤمن ولغير المؤمن. لكن موضوع التأمل هو لماذا أحيانًا نشعر بالغضب على الله عندما يأخذ إنسان عزيز علينا بالموت، ولا سيما إن كان شاب في ربيع العمر.

إن الموت هو من أصعب الأمور في حياة الإنسان، وهو الذي يقف أمامه، أذكى العلماء، أعظم الفلاسفة وأقوى الأقوياء حائرين ومسلِّمين لا حول لهم ولا قوة. إن الموت فعلا هو من أصعب القضايا في حياة الإنسان.
حتى في حياتنا كمؤمنين، عندما نفقد عزيز علينا، أحيانًا نحزن على فراقه إلى حين، لكننا نعلم أننا سنلتقي معه إلى الأبد في الحياة الأبدية. لكن أحيان أخرى نشعر بالغضب على الله ويأخذنا الشعور بخيبة الأمل واليأس والبلبلة، وذلك من الشعور بأن الله لم يستجب لطلباتنا وصلواتنا، ونسأل الله اسئلة كثيرة مُحَيِّرة:
لماذا يا رب سمحت بأن يموت إبني؟  لماذا يا رب سمحت بأن يتألم فلان بالمرض الخبيث، ومن ثم يموت وهو إبنك؟ ألم تقل "أنا الرب شافيك"؟  فأين وعودك بالشفاء؟ ألست أنت الذي قلت: "أتيت لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل"؟

أود أن أبرز بعض التعاليم الإلهية في الكتاب المقدس التي يبينها الله لنا في قضية الموت والحياة.
الحقيقة الهامة التي يجب أن نؤسس عليها مبادئنا الروحية هي أن الله بيده روح جميع البشر والمخلوقات الحية جميعًا، كما يقول الكتاب عن الله:
" الذي بيده نفس كل حيٍّ وروح كلِّ البشر." أيوب 12: 10.
طبعًا ليس كل موت في هذا العالم بحسب مشيئة الله، لكن لله السطان المطلق، الأول والأخير، بأن يأخذ حياة البشر، أو أن يسمح بانتقالها.

لكن إن أحد الأسباب التي تجعل الإنسان يشعر بالسخط على الله لأنه سمح بأن يموت عزيز له، وخاصة إذا كان شاب، هو الشعوب بتملك الشخص الذي انتقل، أي إعتبار أن الذي انتقل مُلكنا الخاص وليس مُلك الرب.
وهذا يقودنا إلى الشعور بأن لنا الحق في تقرير بقائه أو انتقاله وليس الله. نعم الكثير من الآباء والأمهات مثلاً يشعرون بأن أولادهم ملكهم الخاص، ولهم تمامًا، وعندما يسمح الرب بأن ينتقلون من هذا العالم بحوادث مؤسفة، يأخذون بلوم الرب قائلين:
"لماذا أخذت إبني مني؟"، وكأنه يقول: "إبني لي، من حقي، وأنت أخذته مني؟"
فبالرغم من أننا في حوادث وفاة أناس معينين، نردد دائمًا آية:
"الرب أعطى والرب أخذ، ليكن إسم الرب مباركًا." (أيوب 1: 21)
لكننا كثيرًا ما لا نعنيها من قلوبنا ولا نفهم معناها جيدًا، وفي داخلنا لا زلنا نشعر أن ابني انا جلبته على هذه الدنيا، وهو ملكي أنا، ولا أسمح بأن يأخذه الله أو اي أحد آخر مني.

إن أيوب فقد ماشيته، خُدامه، صحته وحتى أولاده، أي بكل معنى الكلمة، فقد كل شيء حسن في الحياة الملموسة التي حوله. لكن بالرغم من هذا كان عنده الإدراك الروحي بأن جميع ما عنده ودائع من نعمة الله لا يستحقها. لله الحق أن يعطيها متى يشاء، ولله الحق بأن يأخذها أيضًا متى يشاء.

إن جميع الأشياء الصالحة التي في حياتنا، هي عطايا وودائع من الله، فعندما يستأمنني مثلاً أحد الأصدقاء على ابنه الصغير لأهتم به إلى حين، وتتعلق نفسي به وأحبه. هل يحق لي أن أغضب وأحقد على أبيه لأنه أتى ليأخذه؟ وإذا شعرت بالمرارة نحوه، فتكون غالبًا ما لأني أشعر أن لي الحق في ابنه، فهل هذا صحيح؟

في الواقع، ليس لنا الحق في أي شيء صالح نتمتع به، فكل ما عندنا هو عطية من نعمة الله لا نستحقها، كما صلي داود في أواخر عمره قبيل بناء الهيكل وقال:
" 14 وَلكِنْ مَنْ أَنَا، وَمَنْ هُوَ شَعْبِي حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَنْتَدِبَ (نتبرع) هكَذَا؟ لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ. 15 لأَنَّنَا نَحْنُ غُرَبَاءُ أَمَامَكَ، وَنُزَلاَءُ مِثْلُ كُلِّ آبَائِنَا. أَيَّامُنَا كَالظِّلِّ عَلَى الأَرْضِ وَلَيْسَ رَجَاءٌ. 16 أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا، كُلُّ هذِهِ الثَّرْوَةِ الَّتِي هَيَّأْنَاهَا لِنَبْنِيَ لَكَ بَيْتًا لاسْمِ قُدْسِكَ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ يَدِكَ، وَلَكَ الْكُلُّ." 1 أخبار 29.
وهذا لا ينطبق فقط على فقدان احد الأحباء فحسب، بل فقدان أي شيء في أيدينا من أموال، عقارات، مقتنيات، وظائف...إلخ. كما أثنى كاتب رسالة العبرانيين على الأخوة الذي فقدوا ثرواتهم لأجل الرب قائلا:
" 34 لأَنَّكُمْ رَثَيْتُمْ لِقُيُودِي أَيْضًا، وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ، عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالاً أَفْضَلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَبَاقِيًا. 35  فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ الَّتِي لَهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ." عبرانيين 10.

فعندما أعتَبِر أن ابني كان وديعة من نعمة الله لي لمدة معينة، بدل أن أغضب على الله الذي أخذه، سأشكر الله الذي أعطاني اياه إلى حين. وعندها سأسطتيع أن أقول: "الرب أعطى والرب أخذ، ليكن إسم الرب مباركًا." عندها سآخذ قرارات صارمة في قلبي وفيها:
سوف لا اتهم واهب الحياة، بأنه أخذها ونقضها (يوحنا 10: 28).
سوف لا أتهم من ذاق الموت لأجل كل إنسان، بأنه لا يشعر بوجعي (عبرانيين 2: 9).
سوف لا أعتبر أن الموت هو النهاية لمن قال: "أنا حَيٌّ فأنتم ستحيون" (14: 19).
سوف أتعزى بإلهي الذي نقد أوجاع الموت (إعمال 2: 24).
سوف لا أخضع لأكاذيب إبليس وخوفه لأني أتبع من أباده بالموت وأعتقني من خوف الموت (عبرانيين 2: 14).
سوف لا تتزعزع ثقتي بمحبة المسيح الذي أحبني ومات على الصليب لأجلي (رومية 5: 8).

(سيكون في هذه السلسلة ثلاث حلقات قادمة)

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا