بقلم :بطرس منصور

ابتدأت مسيرة العودة للبلاد. موظفة الاستقبال في كشك طيران دلتا تستقبلني بابتسامة لطيفة كما هو حال اغلب موفري الخدمات في أمريكا. تذكرت قول صديقي متى حين قال ان هذا بتأثير الإرث المسيحي للبلاد.

الموظفة تطلب جواز سفري ثم تحدق فيه. انه يشير فقط لكوني احمل الجنسية الإسرائيلية. لكن الأمور أكثر تعقيداً. ان مواطنتنا كعرب فلسطينيين مسيحيين انجيليين من إسرائيل فعلاً عجيبة  ولكن الموظفة لا تعلم ذلك. ليس لنا وطن هنا وربما كنا بهذه المواطنة أشبه بالغرباء والنزلاء في الأرض الذين ينظرون بشوق لوطنهم السماوي ولا تدمع أعينهم عند إلقاء نشيد وطني ارضي.

تسألني الموظفة ان كنت ارغب بمقعد قرب الممر أم قرب الشباك. طبعاً لا احد يفضّل مكان الوسط كالشاطر والمشطور والمسافر الكامخ بينهما. القرار صعب. الممر يمنح حرية الحركة للحمام او للمشي بعد ساعات من الجلوس، بينما الشباك يسمح برؤية مناظر خلابة من الجو. لم أرد أن يزعجني احد بطلبات للمرور خلال ساعات السفر الطويلة فاخترت الثاني. ثم تمتمت الموظفة بضع كلمات فهمت منها ان عليّ ان أضع حقيبتي الكبيرة على ألقبان . ان حقيبتي العزيزة هذه رافقتني في بلدان ومطارات في السراء والضراء . آنستني في ساعات الليل والنهار وقد بدا عليها مؤخراً الهرم اذ أثقل الإملاق ممشاها. لم تخذلني حقيبتي إذ أشار ألقبان ان وزنها قل عن الوزن الأقصى المسموح . ثم سلّمتني بطاقة الصعود للطائرة وأطلقتني سعيداً للفحص الأمني. الفحص الأمني روتيني في أمريكا: خلع الجاكت، الحذاء (ربما كان الأجدر إضافة الجوارب إذ قد تكون رائحتها من أصناف السلاح الكيماوي السام)، حزام البنطال والقطع النقدية التي في الجيب . كما يتم فصل حاسوبي النقال العزيز عن حقيبة اليد (التي قاربت سن التقاعد المبكر لأسباب صحيّة).

وصلت لبوابة السفر في تيرمينال E لرحلة رقم 152 لتل أبيب . جمهور الركاب المنتظر يساعدني على التأقلم التدريجي مرة أخرى لأخلاقيات وآداب الإسرائيليين وقد علت اصواتهم بالعبرية وبالثرثرة. يعيدني هذا اللقاء المجدد مع الجمهور الاسرائيلي لواقع حياتنا بعد تنقل لعدة ايام في ارجاء بلاد العم سام كاد ينسيني اياه.

المكبرات تنادي على الركاب بحسب أوليات وهكذا يتمتع المسافرون في الدرجة الأولى أو البيزنس بالصعود للطائرة أولاً. يأتي دور الفقراء أمثالي لركوب متن الطائرة فنمر بجانب الجالسين في الدرجات المميزة فنجدهم ممددين يحتسون عصير البرتقال أو كأس نبيذ (استغفر بالله) في كؤوس صافية.

أنظر بالعادة الى وجوه هؤلاء المحظوظين لعلي أتعرّف على احد هؤلاء . فقد التقي مليونيراً مشهوراً أو رجل سياسة مرموق. قبل عدة سنوات رأيت رئيس الكنيست السابق ابراهام بورغ جالساً-مستلقياً بقوامه يقرأ كتاباً بشغف. مرة أخرى رأيت الصحفي المشهور من شبكة السي ان ان لاري كينغ (الذي تقاعد مؤخراً من عمله).هذه المرة كانت كلها وجوه لوجهاء مجهولين لي على الأقل.

وصلت لمقعدي وربطت حزام الآمان وخلعت نعلي من رجلي ليس لقدسية الطائرة لكن للاسترخاء. لم تمر دقائق كثيرة حتى ابتدأت الطائرة بالتحرك استعداداً للإقلاع. كان قد مرّ عليّ نهار حافل وتحرك الطائرة جعل مقعدي أشبه بسرير يهز للنوم. ابتدأ النعاس يدب في جفوني. أحيانا يطمئن العرب بعضهم البعض بالقول "اللي بيوقع من السما تتلقاه الارض". هذا لا يجلب الطمأنينة لنفسي خاصة حين اتذكر الارتفاع الذي يعلن قبطان الطائرة وصول مركبته أليه. حين أقلعت الطائرة وكعادتي صلّيت صلاة قصيرة من ذهن يحارب النعاس. كما تذكرت الآية :"على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك". جلبت الآية الطمأنينة لنفسي فنمت قرير العين مع أنها آية عن الرب يسوع وليست وعداً لمؤمنيه.

حين استيقظت وجدت المضيفات يجمعنا بقايا وجبات العشاء فأقنعت نفسي بضرورة انتهاج حمية  من هذه اللحظة. كنت قد تناولت ساندويتش بائس وبارد من البيكون وبعض الخضار قبل ذلك بساعتين في المطار وتأملت ان يشبع جوعي لوقت إضافي.

السفر بالطائرة لساعات يمنح المسافر فرص لممارسة فعاليات يصعب عملها في خضم ضغط العمل والواجبات اليومية. مثلاً التفكير، القراءة أو التأمل. ألسنا اقرب ما يكون جغرافياً للسماء ونحن نحلق آلاف الأمتار فوق الأرض لذا لا بدّ ان أفكارنا تكون سماوية أو على الأقل سامية؟ قرأت كتاباً مفيداً خلال الساعات التي تلت لكنه كان عسر الهضم (حتى على معدة خاوية) . كما راجعت أمورا عديدة في فكري.

القراءة أثقلت جفوني مرة أخرى فغفوت مجدداً لوقت لم أعرفه. حين استيقظت وجدت جاري قد انهي طعام فطوره فتيقنت  ان عندي موهبة خاصة بدون شك  لتفادي تناول الوجبات واني كما يبدو خلقت لأدعم طيران شركة دلتا اذ وفرت عليهم وجبتين. لقد ربتنا امي ان لا نطلب الأكل عند الناس ولا تناوله الا اذا دعونا لنأكله. فتمسكت هنا أيضا بما علّمتني إياه. نموت جوعاً ولا نطلب الأكل...

بان في الأفق شاطئ المتوسط المتعرج  وزاد شوقي لبلدي. كان والدي قد وصفها مرة بالقهوة المرّة: نحبها ونشتاق اليها رغم مرارتها.

هبطت الطائرة فصفق بعض الركاب للقبطان البطل. شكرت الرب على الوصول بالسلامة . أعلنت المضيفة في مكبرات الصوت أنها الرابعة والواحدة والخمسين دقيقة بعد الظهر بتوقيت تل ابيب. هل مال النهار للانتهاء هنا في الوقت الذي قمت به للتو من النوم؟ ساعتي البيولوجية ستحتاج عدة أيام للتأقلم ثانية. مقالي هذا هو من نتائج هذه البلبلة البيولوجية (ما يسمى جت لاغ في الانجليزية) . لم يغمض لي جفن رغم الساعات الطويلة فكتبت خواطري عن رحلة العودة في ساعات الليل المتأخرة وقبل صياح الديك بقليل.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا