"إفتحوا الأبواب لتدخل الأمة البارّة الحافظة الأمانة.ذو الرأي الممكّن تحفظه سالما سالما لأنه عليك متوكِّل"(إش26:3,2).

ما إن سمعتُ صوت باب منزلي يُفتح حتى تبعه صدى وقع أقدام رشيقة في الصّالة وتنغيمات حنجرة عذبة, فيما كنت أمام المرآة ملطّخ الوجه برغوة بيضاء لأباشر حلاقة ذقني.
-"عمُّو, عمّو, وين إنتِ؟" دوّى صوت جنى الصغيرة في فضاء البيت الرحب مثل رنين البلور وهو يهوي على عتبات القصر الرخامية .
-"أنا هووون", قلتها مع مدة في الصوت.
تبعتْ مصدر الصوت حتى جاءت ووقفت لي في باب الحمام وهي تقول:
"عمّو, بّدي أسألك سؤال".
-تفضّلي.. جنْجونة!
- "عمُّو, إنتِ بتحب الحيّة ولاّ النسر؟".
-أجبتها على الفور:"طبعاً, الِّنسِرْ".
قالت لي: "كل علاماتَك صِفِر".
ثم أضافت مرة أخرى قائلة:  "طيِّب كمان مرة, إنتِ بتحب الحيّة ولاّ النسر؟".
قلت ثانية وبلهجة واثقة: "النسر".

عند ذاك وضعتْ كَفّي يديها المفتوحتين حول فمها الصغير بشكل يوحي بأنها ستفشي لي سراً, فأملت أذني  نحوها وقد أخذت بإصبع يدي بعض الرغوة البيضاء ومرحتها بسرعة على أنفها الصّغير, فضحكت ضحكة خفيفة ثم همست في أذني اليُسرى قائلة: " عمّو, قُول الحية علشان أقول لك, كل علاماتك ميِّة".
أجبتها همسا:" لأ, خلي كل علاماتي صفر لأني ما بحب الحية".

- "طيب ليش عمّو إنتِ بتحبِّش الحيّة؟!", قالتها بصوت أسيف كمن فشل في إنجاح عزيز لديه رغم كل المحاولات الصادقة.
- " أنا بحبش الحية لأنها متل الشيطان".
إذ ذاك تركتني أمام المرآة..ومضت في شبه خيبة أمل وهي تحوم كالفراشة في الصالة الواسعة وأنا أسمع دندناتها وصوت خطاها الحائمة, وقد حسبت ان "أحجية الحية والنسر" قد انتهت!
ساد بعض "الصمت الدامس!" في المكان وكأنها استغرقت في تفكير عميق, ثم لم تمضِ دقيقتان حتى عادت جنى ووقفت في باب الحمام من جديد بإشراقة وجه بهيج وعينين بارقتين, كما لو أنها عثرت على الحل المنشود نظير أرخميدس الهاتف: "وجدتها..وجدتها!" , وقالت:" طيب عمّو بدي أسألك كمان مرة, إنتِ مين بتحبِّش, الحية وَلاّ النسر؟".
أجبتها بنغمة من الذهول والفرح:" الحية".
عندئذ قالت لي بنغمة مفعمة بالنجاح والسرور: "كل علاماتك مية".
"واو!", ما أروع إلهنا!

كم ألحت نعمة على راعوث أن تعود إلى موآب موطنها الأصلي وإلى شعبها وآلهتها كما فعلت عُرفة, سلفتها! لكن راعوث أبت وبقيت متشددة على الذهاب مع حماتها حيثما تذهب, وكانت مكافأة ولائها العميق ورأيها المٌمّكن أعظم من توصف! إن الله أيضا أمين بدوره.. وفي أنسب وقت يتدخل في شأنك ويمنحك أفضل مما طلبت, لأنه يقدِّر الوفاء والأمانة إلى أبعد الحدود! فهي تحمل طيّها كنوز المثابرة على الإخلاص, ولؤلؤة الثبات في الموقف, وياقوت رفض كل أشكال الخيانة, وذهب عدم المساومة في الحق. كما أنها ستكون بمثابة قصبة القياس التي ستحدِّد مقدار مكافآتنا في يوم قريب أمام كرسي المسيح.

كذلك نابوت اليزرعيلي, ألم يفضل الموت رجماً, بمكيدة إيزابل الشِّريرة, على المال الوفير أومقايضة كرم بستانه, ذلك لأنه عزم ألاّ يكسر وصية الرب التي حرّمت بيع أرض ميراث الآباء, إذ لم يحابي بوجه الملك أخْآب, بعْلها, مهما أكثر التّرغيب والتّرهيب في آن!( ملوك الأول 1:21-16).

وهوذا نعمان السِّرياني يعرض النفائس والهدايا أمام عيني إليشع بعد أن شُفي من برصه بطريقة رجل الله هذا, طالبا إليه أن يأخذ منه بركة, أما إليشع فقال:"...إني لا آخذ". وألح عليه نعمان أن يأخذ فأبى.
أناس هذا الدهر لا يقيمون وزنا إلاّ للثراء المالي والمقتنيات الملموسة, وهم يسعون في جنون في أثر الشهرة والنجاح, كما ويلهثون وراء الإباحية والمنصب والتحصيل العلمي المفرط! وهذا هو حال المنظور البشري السائد في كل المجتمعات في العالم بأسره.

فعندما نسعى هنا في هذه الأرض الزّائلة في أثر اسم, وعرش, وكنوز, فإن معادلة حياتنا حتما ستكون: إختزال إخلاصنا في اتِّباع الرب من جانب, وتفعيل عيْشنا برخاء من جانب الآخر. وبهكذا معادلة خياراتٍ تغدو العيشة هوائيّة, رتيبة, وخاوية من المعنى والقوة. وذلك كلُّه مقابل لُحيظات من التَّنعُّم المشبوه, ولقاء ومضات من المباهج الخادعة.
إنّما سعْي الله يختلف تماما عن سعيهم الرخيص الذي يبيد بالكليّة عند حدود القبر حيث يقطف الله روح بني البشر. فعينا الرب تجولان في كل بقاع الأرض باحثا في سعي دؤوب عن أصحاب القلوب الخالصة لمبادئ وصاياه في كل استقامة وحب وولاء, مهما كلّفهم الأمر هنا من تضحيات وخسائر.

فكما يبحث الغوّاصون عن الكنوز في أعماق البحار والمحيطات, هكذا يفتش الله عن رجال ونساء أمناء يشاركونه في منظوره في ضوء الأبدية من طريق الإيمان بالمكتوب والعيش بأسلوب حياة يتواءم مع مثال الرب يسوع في أيام جسده.

فعظمة الإنسان الحقيقية لا تكمن في حكمته وذكائه أو في جبروته ونفوذه, ولا في شهرته ومواهبه, بل في صفاته الأدبية الرفيعة التي يتّصف بها شخصه , وذلك من خلال علاقته الشخصية مع الله بمعرفة الرب والمخلص يسوع الناصري. فأي قيمة هي للغصن بمعزل عن الجذع؟

وأي حياة للجسد بدون الرّأس؟ فبِمَ الإفتخار يا تُرى؟ "مَن افتخر فليفتخر بالرب". "وحاشا لنا أن نفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح". "وبهذا ليفتخرنّ المفتخر بانه يفهم ويعرفني اني انا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلا في الارض لاني بهذه اسرّ يقول الرب" (إرميا9:24).

يا سيد, أمانتي أنا لها حدود مداها, ورأيي قد يتقلقل, أما أنت فتُدعى أمينا وصادقا. فكما صرتَ لي حكمة من الله وبراً...كن لي أيضا أمانة وثباتاً إلى المنتهى. وعند قارعة كل اختيار, دعني لا أميل وراء ما هو سهلّ وجذّاب, لكن أسير في أثر الأمانة لكلامك ومثال حبة الحنطة! وفي ذلك فرح قلبي, وثمر كثير.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا