كنيسة الاصطفاف: عندما يصبح الولاء للجماعة أهم من الأمانة للمسيح

هل أصبحت بعض الكنائس تشترط اتفاق المؤمنين مع توجهاتها السياسية والفكرية، ولو بصورة غير معلنة؟ وماذا يحدث عندما يتحول الاختلاف في الرأي إلى سبب للتشكيك في الإيمان والانتماء؟ بين وحدة الإيمان وفرض الرأي، تبرز إشكالية «كنيسة الاصطفاف» وتأثيرها في حياة المؤمنين.
قبل 8 ساعات
كنيسة الاصطفاف: عندما يصبح الولاء للجماعة أهم من الأمانة للمسيح

قبل الدخول في صُلب الموضوع، اريد أن اوضح ان فكرة هذا المقال لم تأت من فراغ، بل جاءت بعد الاستماع الى آراء وتجارب بعض المؤمنين في الوسط الانجيلي، الذين عبروا عن تعبهم من عقلية الاصطفاف الموجودة في بعض الاوساط الكنسية.

وما لفت انتباهي خلال الحديث معهم هو شعورهم بأن عليهم توخي الحذر الشديد في التعبير عن آرائهم وسط الجماعة، وانتقاء كلماتهم، وتجنب الخوض في بعض المواضيع خشية ان تُلصق بهم تصنيفات لا تعبر عن حقيقة ايمانهم وقناعاتهم.

لم تكن المشكلة التي تحدثوا عنها خلافًا عقائديًا أو رفضًا لتعاليم الكتاب المقدس، بل شعورًا بأن الاختلاف في بعض المواقف السياسية أو الاجتماعية قد يغيّر نظرة الآخرين إليهم، حتى لو كانوا مؤمنين ملتزمين بكنيستهم وخدمتها.

هل وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المؤمن يخشى التعبير عن قناعاته داخل الكنيسة التي يُفترض أن تكون بيته الروحي؟

هذه الأحاديث دفعتني الى التفكير فيما يمكن ان نسميه «كنيسة الاصطفاف». وهي ليست تسمية لطائفة او كنيسة محددة، بل وصف لعقلية قد تظهر في أي جماعة مسيحية، عندما يصبح الاتفاق مع توجهات الجماعة السياسية والاجتماعية والفكرية مقياسا للقبول، ويُنظر الى المختلف بإعتباره مشكلة، حتى لو لم يكن اختلافه متعلقا بالعقيدة المسيحية.

عندما تتحول الوحدة المسيحية الى اصطفاف فكري

صلى المسيح من أجل المؤمنين قائلًا: «لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا» (يوحنا 17: 21).

لكن هل قصد المسيح ان يكون جميع المؤمنين اصحاب موقف سياسي واحد؟ وهل تعني الوحدة أن نتبنى الرؤية الاجتماعية ذاتها، وأن نتفق على تفسير كل حدث يجرى من حولنا؟

ان الوحدة التي تحدث عنها المسيح ليست وحدة حزبية أو فكرية، بل وحدة روحية أساسها الايمان به.

وقد وصف الرسول بولس الكنيسة بأنها جسد واحد يتكون من أعضاء مختلفة، لكل منها مكانته ووظيفته، ويقول: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا» (1 كورنثوس 12: 27).
صحيح أن بولس يتحدث هنا عن أعضاء الجسد وأدوارهم المختلفة، لكنه يقدم لنا صورة لوحدة لا تقوم على التطابق، بل على الشركة والتكامل.

وفي رسالته إلى أهل رومية، يتناول الرسول بولس اختلاف المؤمنين حول بعض الأطعمة وتخصيص أيام معينة لأسباب دينية، ويقول: «وَاحِدٌ يَعْتَبِرُ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ، وَآخَرُ يَعْتَبِرُ كُلَّ يَوْمٍ. فَلْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ» (رومية 14: 5).

لم يكن بولس يتحدث عن اختلافات سياسية، ولا عن حرية تغيير العقيدة، بل عن مسائل تحتمل اختلاف الاجتهاد، دون أن يكون هذا الاختلاف سببًا لإدانة المؤمنين بعضهم بعضًا.

من الطبيعي أن تكون للكنيسة عقيدة واضحة ومواقف اخلاقية تستند الى الكتاب المقدس، ومن حقها أن تناقش القضايا العامة، وأن تعلن ما تراه منسجمًا مع تعاليم المسيح. لكن هناك فرقًا بين الثبات على العقيدة وفرض اجتهادات بشرية على المؤمنين وكأنها جزء من الإيمان نفسه.

فقد يتبنى مؤمن موقفًا سياسيًا مختلفًا عن الموقف السائد في كنيسته، أو يحمل رؤية مغايرة لقضية اجتماعية او انسانية، دون ان يعني بالضرورة أنه أقل إيمانًا بالمسيح أو أقل محبة لكنيسته.

إن مشكلة كنيسة الاصطفاف تبدأ عندما نخلط بين وحدة الإيمان ووحدة الرأي، ونطالب المؤمنين بالتوافق مع مواقف الجماعة في قضايا لم يجعلها المسيح شرطًا للإيمان، حتى وإن كانت هذه المطالب غير معلنة.

كنيسة الاصطفاف ومحاكمة المؤمنين

لعل أخطر ما تفرزه عقلية الاصطفاف هو سهولة إصدار الأحكام على الآخرين، لمجرد أنهم لا يتفقون مع التوجه السائد داخل الجماعة.

في مثل هذه البيئة، لا يحتاج الإنسان إلى المجاهرة بموقف مخالف حتى يصبح موضع شك. فقد يكفي أن يعبّر عن قناعة لا تنسجم مع موقف الجماعة، أو حتى أن يتحاور مع أشخاص يحملون توجهات أخرى، فتبدأ التساؤلات حوله، وربما تُنسب إليه مواقف وانتماءات لم يعلنها عن نفسه.

والمؤسف أن الإنسان قد يكون معروفًا بإيمانه وخدمته ومحبته للآخرين، ثم يجد نفسه موضع تصنيف بسبب اختلاف في قضية لا تتعلق بجوهر إيمانه.

قال المسيح: «لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ، بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا» (يوحنا 7: 24).

فأين الحكم العادل عندما نحاكم المؤمن على أساس ما نظنه عنه، أو بسبب رأي لم نتفق معه؟ وهل من العدل أن نختزل إيمان الإنسان وسلوكه وتاريخه داخل الكنيسة في موقف سياسي أو اجتماعي واحد؟

إن من حقنا مناقشة الأفكار وانتقاد المواقف، لكن ليس من حقنا تحويل الاختلاف إلى اتهام، أو التعامل مع المؤمن وكأن تبنيه رأيًا آخر يجعله خارجًا عن الجماعة. غير أن عقلية الاصطفاف تميل إلى تقسيم الناس بحسب مواقفهم، والتعامل مع الرأي المختلف وكأنه خروج عن الجماعة.

الاصطفاف الذي يصنع الصمت

من أكثر الامور المقلقة أن يشعر المؤمن بانه لا يستطيع التعبير عن رأيه بحرية داخل كنيسته.

فعندما تسود عقلية الاصطفاف، لا يحتاج الأمر الى قرار يمنع الاختلاف او تعليمات صريحة تفرض رأيا واحدا، يكفي احيانا ان يدرك المؤمن ان بعض الافكار لا تلقى قبولا، وان التعبير عنها قد يضعه في مواجهة الجماعة.

ومع الوقت يتعلم العضو ان يتجنب بعض المواضيع، او ان يساير التوجه السائد، او يكتفي بالصمت حتى لو كانت لديه قناعات مختلفة.

وقد يبدو هذا الوضع مريحًا للبعض، لأن الخلافات لا تظهر إلى العلن. لكن غياب الاعتراض لا يعني بالضرورة وجود اتفاق حقيقي.

وما يقلقني هنا أن يتحول الحذر إلى سلوك اعتاد عليه المؤمن داخل كنيسته، فيصبح أكثر اهتمامًا بما يمكن أن يقوله الآخرون عنه، بدلًا من أن يكون صادقًا في التعبير عن قناعاته.

ولا أقصد أن على المؤمن أن يعلن رأيه في كل قضية، أو أن يحوّل الكنيسة إلى ساحة للنقاشات السياسية. فمن حقه أن يختار الصمت عندما يرى ذلك مناسبًا. لكن هناك فرقًا بين الصمت عن قناعة، والصمت خشية ردود فعل الآخرين.

إن الجماعة التي يتفق أفرادها لأنهم يخشون الاختلاف ليست بالضرورة جماعة موحدة، بل قد تكون جماعة تعلّم أفرادها كيف يصمتون.

كنيسة الاصطفاف بين الانتماء والإقصاء

الاصطفاف لا يعني بالضرورة أن يُطرد المؤمن من الكنيسة او أن يُمنع من المشاركة في نشاطاتها، فقد يستمر في الحضور والخدمة، لكنه يشعر بأن اختلافه جعله أقل قبولا لدى بعض افراد الجماعة.

وهذا ما يجعل الظاهرة صعبة احيانا، لانها لا تظهر في قرارات رسمية، بل في طبيعة العلاقات وطريقة التعامل مع أصحاب الآراء المختلفة.
وهنا لا بد من التوقف عند مسؤولية المؤمنين انفسهم، وليس القيادة فقط.

قد تتحول مجموعة داخل الكنيسة إلى دائرة فكرية مغلقة، يرى أفرادها أنهم يمثلون الموقف الصحيح، ويعاملون كل من يختلف معهم باعتباره خارجًا عن الاتجاه الذي ينبغي أن يسير فيه الجميع.


عندها يصبح الانتماء إلى الكنيسة مرتبطًا، بصورة غير مباشرة، بالانتماء إلى هذه الدائرة، أو على الأقل بعدم الاختلاف معها.
لقد وبّخ الرسول بولس أهل كورنثوس بسبب التحزبات التي ظهرت بينهم، حين قال بعضهم إنه لبولس، وآخرون لأبلوس، وغيرهم لصفا. ثم طرح عليهم سؤالًا يحمل توبيخًا واضحًا: «هَلِ انْقَسَمَ الْمَسِيحُ؟» (1 كورنثوس 1: 13).

صحيح أن ذلك الانقسام لم يكن سياسيًا، لكن المبدأ الذي يواجهه بولس يستحق التأمل، وهو تحويل الانتماءات البشرية إلى أساس للتنافس والانقسام داخل جماعة المسيح.

ألا يمكن أن نقع اليوم في خطأ مشابه عندما نسمح لتوجهاتنا السياسية والفكرية بأن تصبح سببًا لتقسيم المؤمنين إلى مجموعات، ترى كل منها نفسها أكثر صوابًا وأمانة من الأخرى؟

إن وجود قناعات مشتركة بين مجموعة من المؤمنين أمر طبيعي، وليس في ذلك ما يستدعي الاعتراض. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه القناعات إلى مقياس للانتماء، ويصبح المختلف موضع تصنيف أو تهميش.

فالكنيسة ليست ملكًا لمجموعة فكرية أو سياسية، ولا يحق لأي تيار داخلها أن يحتكر تمثيل الإيمان المسيحي في القضايا التي تحتمل الاختلاف.

ليست المشكلة أن يكون لنا موقف، بل أن نعتبر موقفنا الموقف المسيحي الوحيد، ونقيس على أساسه إيمان الآخرين.

كلمة أخيرة: كنيسة المسيح أم كنيسة الاصطفاف؟

الكنيسة ليست حزبًا سياسيًا يحتاج إلى توحيد مواقف أعضائه، وليست مؤسسة يملك قادتها حق احتكار تفسير جميع القضايا العامة.

إنها جسد المسيح، المدعو إلى إعلان الإنجيل والشهادة للحق والمحبة، تنفيذًا لوصية المسيح: «فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ» (متى 28: 19).
فالمسيح لم يدعُ الكنيسة إلى صناعة مؤمنين يتبنون المواقف السياسية والفكرية نفسها، بل إلى تلمذة الناس وتعليمهم حفظ وصاياه. وقد جعل المحبة علامة يعرف بها العالم تلاميذه، قائلًا: «بِهَذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ» (يوحنا 13: 35).

وإذا كانت الكنيسة تريد أن تكون أمينة لرسالتها، فعليها أن تميز بين ما يعلّمه الكتاب المقدس، وما تتبناه الجماعة من اجتهادات بشرية. فليس كل موقف سياسي أو اجتماعي تتخذه الكنيسة جزءًا من العقيدة المسيحية، وليس كل اختلاف معها خروجًا عن تعليم الإنجيل.

إن قوة الكنيسة لا تُقاس بقدرتها على إنتاج مؤمنين متشابهين في أفكارهم، بل بقدرتها على بناء شركة روحية تجمع المختلفين حول المسيح، دون أن تتنازل عن الحق أو المحبة.

وعندما أعود إلى الأحاديث التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال، أجد أن ما يستحق القلق هو أن يشعر مؤمنون بأن عليهم التعامل بحذر داخل الكنيسة التي ينتمون إليها ويحبونها، وكأن التعبير عن قناعاتهم قد يؤثر في مكانتهم وعلاقاتهم مع الآخرين.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل جماعة مسيحية على نفسها:

هل نحن نربي مؤمنين أمناء للمسيح، حتى عندما يختلفون معنا، أم نربي أشخاصًا أمناء لتوجهاتنا، ثم نسمي ذلك أمانة للمسيح؟

وأخيرًا، هل تعرف كنيسة يمكن أن تطلق عليها لقب «كنيسة الاصطفاف»؟

إن كنت تعرف، فلا تجعل موقفك منها ينتهي عند النقد أو الإدانة.

صلِّ من أجلها، ومن أجل قادتها ومؤمنيها، لكي يمنحهم الرب الحكمة والتواضع والشجاعة لمراجعة مواقفهم، ولكي تبقى أمانتهم للمسيح أعظم من أمانتهم لأي اصطفاف بشري.

وصلِّ من أجل نفسك أيضًا، حتى لا تقع في الخطأ نفسه، فتصبح أسيرًا لاصطفاف جديد وأنت تظن أنك تحارب الاصطفاف.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.