أعلن الرب يسوع المسيح، في أيام تجسده على الأرض، أنه سوف يبني كنيسته، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. كذلك كتب بولس في رسائله، وخاصة إلى أهل أفسس، عن علاقة الزوج والزوجة، مشبهًا إياها بالشركة المقدسة بين يسوع المسيح العريس، وعروسته المحبوبة، الكنيسة.
ونحن نسأل اليوم: من هي هذه الكنيسة المحبوبة الطاهرة، التي فداها يسوع بدمه الكريم؟
هل هي طائفة معينة تحمل تسمية معينة؟
قال المسيح: أبني كنيستي وليس كنائسي!
وكما سمح الله للرجل أن يتخذ له امرأة واحدة، ولا يفصل بينهما شيء دون الموت، كذلك كنيسة المسيح هي واحدة ووحيدة، للرب الإله الواحد يسوع المسيح.
نقرأ في كتاب رؤيا يوحنا عن رسائل الرب يسوع المسيح لعبده وخادمه يوحنا، للخدام السبعة والكنائس السبع التي كانت في آسيا آنذاك. كان البعض منها يحمل طابع التوبيخ، لأن الذي يحبه الرب يوبخه ويؤدبه، والبعض الآخر، مثل كنيسة سميرنا وخاصة فيلادلفيا، كان يحمل طابع التشجيع والمدح والمحبة.
وهذا ما نقرأه في الأصحاح الثالث من رؤيا يوحنا، في الرسالة إلى خادم الكنيسة في فيلادلفيا. وما أجملها وأروعها من رسالة يتمناها كل خادم، وتصلي أن تعيشها بالروح كل كنيسة في أيامنا هذه، رسالة المحبة والتشجيع لكنيسة فيلادلفيا التي معناها «محبة أخوية».
ونحن نسأل اليوم: هل من الممكن أن تكون كنيسة المسيح الحقيقية التي تحمل اسمه، أن تفتقر إلى المحبة الأخوية، بل ربما تنعدم فيها المحبة الأخوية؟!
ألم نقرأ في رسالة يوحنا الأولى أن:
«الله محبة، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه».
كذلك نقرأ:
«أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة بمحبة الإخوة»، وكما أعلن يوحنا بروح النبوة:
«من لا يحب أخاه فهو قاتل نفس، وليس له حياة أبدية ثابتة فيه».
كانت وما زالت وصية الرب يسوع المسيح للكنيسة:
«أحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا».
«لأنه ليس لأحد حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه».
فهل من الممكن أن تكون كنيسة حقيقية بدون المحبة بين أعضائها؟ حتى محبة الآخرين بل والأعداء!
فكم بالحري محبة الإخوة الذين ينتمون للجسد الواحد والآب الواحد والروح الواحد!؟
أعلن يسوع المسيح ذاته لكنيسة فيلادلفيا، كنيسة المحبة الأخوية، أنه هو أيضًا «القدوس الحق».
ومن قادر أن يقول عن ذاته إنه القدوس والحق غير الله!
وهنا نرى يسوع يعلن عن نفسه أنه الرب الإله، الماسك بمفتاح داود، وأنه هو الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح.
يسوع ابن الله بطبيعته الإلهية هو نفسه ابن داود بالجسد، أي ابن الإنسان صاحب الطبيعة البشرية، ولأنه غلب الخطية والموت والشيطان كإنسان كامل وليس كإله، لذلك دفع له كل سلطان في السماء وعلى الأرض، الذي له مفتاح داود الذي نقرأ عنه في أشعياء 22:22.
لأن يسوع المسيح هو صاحب السلطان المطلق في السماء وعلى الأرض، لكنه أعطى حرية الاختيار للإنسان الخاطئ الشقي البائس، أن يتبع يسوع المسيح إله المحبة القدوس الذي بلا خطية، ومن قال عن نفسه إنه هو الحق، بل هو الطريق والحق والحياة، وفقط به نأتي إلى الآب القدوس السماوي، لأن يسوع هو من فتح أبواب الفردوس وملكوت السماوات بسفك دمه الكريم على عود الصليب، مات وقام في اليوم الثالث، فمن يقدر أن يغلق أبواب الملكوت أمام الكنيسة؟!
وهو من أغلق أبواب الجحيم أمام كنيسته وعروسته المحبوبة، فمن يفتح؟!
ومن فتح لنا أبواب الملكوت، وإذا طلبنا نحن أولًا ملكوته وبره، فهل من الممكن أن يبخل علينا ببعض العطايا المادية؟
أو حتى أمور حياتنا الجسدية الأرضية مثل العلم والعمل والزواج والبيت والطعام والشراب وغيرها...
صلاتي أن نتعلم أن نطلب من يسوع المسيح أن يفتح لنا الأبواب في حياتنا التي هي حسب مشيئته لنا، إن كان موضوع العلم أو شريك الحياة أو الخدمة، وأن يغلق كل باب ليس حسب مشيئته لنا!
نقرأ في هذه الرسالة المباركة أن خادم كنيسة فيلادلفيا كانت له قوة يسيرة، أي قليلة، وهو اتكل على قوة وحكمة الرب الذي يعطيها لنا عندما نطلبه من كل قلوبنا. نطلب الحكمة والقوة التي هي من فوق، من عند الآب القدوس، وليس الحكمة والقوة البشرية الأرضية، بل والشيطانية أحيانًا، لأن الرب يرفض هذه الحكمة والقوة التي لا تمجد اسمه القدوس، وكما نقرأ في كتاب يوئيل في القديم:
«ليقل الضعيف بطل أنا في الرب».
وكما تضرع الرسول بولس إلى الرب يسوع في محنته والشوكة في الجسد من الشيطان، قال له يسوع:
«تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل».
هذه هي كنيسة المسيح الحقيقية، التي اختبرت محبة الله وقداسته وحقه في حياتها، حتى إن بولس أوصى كيف يجب أن نتصرف في بيت الله، أي الكنيسة، التي هي عمود الحق وقاعدته. ويا لها من مسؤولية كبيرة على الكنيسة اليوم أن تتبع فقط يسوع المسيح، الحق المطلق، وتتمسك بما استلمه الرسل من الرب يسوع، لأنه في النهاية ليس من يغرس أو من يسقي، بل الرب هو الذي ينمي...
أوصى الرب يسوع الكنيسة في كل العصور بأن تحفظ الوصية والتعليم الصحيح الذي هو حسب الإنجيل، التعليم الذي هو حسب التقوى كما أوصى بولس تيموثاوس، لأن كل تعليم وكل كنيسة لا يكون أساسها التقوى والمحبة، فيكون الكل باطلًا، بل قد يكون الوهم أننا نسلك حسب مشيئة الله في خدمات ومشاريع وفعاليات كثيرة، لكن بدون محبة فالكل باطل!
وهذا ما حذر منه بولس أهل كورنثوس، أنه من الممكن أن نتكلم بألسنة الناس والملائكة، ويكون عندنا الإيمان والمعرفة والنبوة بل والأعمال، لكن بدون محبة فلا ننتفع شيئًا، ونكون مثل نحاس يطن وصنج يرن، بدون أي فائدة!
بل ومن الممكن أن كل من لا يسلك بمحبة وتقوى، حتى إن كان يواظب على اجتماعات الكنيسة والخدمة والأعمال الحسنة، من الممكن أن يسمع كلام الرب الرهيب:
«اذهبوا عني يا فاعلي الإثم، لم أعرفكم قط!».
لكن كل خادم حقيقي للرب يسوع، وكل مؤمن حقيقي، لا بد أن يسلك بالروح القدس، متكلًا على الرب لأن له قوة يسيرة، وحافظًا كلمة الرب بكل صبر وأناة. لذلك سوف يرى الجميع محبة الرب يسوع لكل مؤمن حقيقي، وديع ومتواضع، وكما قال يسوع لخادم كنيسة فيلادلفيا:
«ويعرفون أني أنا أحببتك»...
بل ويقول أيضًا إن كل من كانوا من مجمع الشيطان، ويقولون إنهم مؤمنون حقيقيون ويضطهدون كنيسة الرب، سوف تفضح الأمور وتكون الدينونة الرهيبة لكل من يقول إنه يهودي، لكنه يهودي بالاسم فقط، ولكل مؤمن مزيف، لا يحمل اسم المسيح ولا صفاته الإلهية!
أوصى الرب كنيسة فيلادلفيا بأن تتمسك بما عندها، لكي لا يأخذ أحد إكليلها، ووعدها بالحماية الإلهية عندما تأتي ساعة التجربة على سكان الأرض، لأن الكنيسة مختومة بختم المسيح ولها اسم الآب على الجبين، لذلك لا يضرها أي شر، ولأنه لا شيء من الدينونة على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين بالروح وليس بالجسد، ولأن كل من يغلب بالإيمان سوف ينال بركات روحية عظيمة على الأرض، وبعدها في السماء في ملكوت الله.
لأن كل من يغلب بالإيمان الحقيقي، الإيمان العامل بالمحبة، الإيمان الذي هو بالخبر، والخبر من كلمة الله، فكل من يغلب بهذا الإيمان سوف يكون عمودًا في هيكل الله، كما كانت الأعمدة في زمن الهيكل، «ياكين وبوعز». سوف يرى الجميع المسحة والنعمة على كل عمود حقيقي في هيكل الله الحي، أي الكنيسة، عمود ياكين أي الثبات، وعمود بوعز أي القوة، قوة الله وثبات الله في حياة كل مؤمن حقيقي...
وعد يسوع كل مؤمن حقيقي في الكنيسة، من اختبر غلبة الإيمان على الطبيعة القديمة واختبر الولادة الجديدة، وغلب العالم وفكر العالم السلبي الأناني والمعادي لله، أنه سوف يكتب عليه:
«اسم إلهي» - اسم الآب السماوي وطبيعته الإلهية من محبة وقداسة وبر وتقوى، يحمل قلب وفكر الآب.
«اسم مدينة إلهي أورشليم السماوية» - لأنه يحمل في قلبه رجاء الخلاص والحياة الأبدية، ومجيء المسيح الثاني، ويحمل في قلبه بل وعلى كتفيه كنيسة المسيح، من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة، ويحب الإخوة كما أوصى يسوع المسيح.
«اسمي الجديد» - لأنه اختبر ويختبر كل يوم عمل الرب يسوع في حياته، والتجديد المستمر في الحياة لكي يظهر يسوع في حياتنا وتصرفاتنا، ونحمل صفاته وقلبه الوديع والمتواضع.
كنيسة الرب الحقيقية هي كل مؤمن يسلك بالإيمان اليومي مع الرب يسوع، بمحبة وقداسة وبالحق الإلهي، ينتظر معونة الرب وبركاته السماوية بدون غش أو خداع وأساليب بشرية، بل وشيطانية، ويتكل على حكمة وقوة الله في أمور حياته الخاصة وفي خدمة الملكوت، فلا بد أن يكون عمودًا في هيكل الله، يحمل اسم الآب، واسم أورشليم السماوية والاسم الجديد، هنا على الأرض في الهيكل الجسدي، وإلى أبد الآبدين في الملكوت السماوي، آمين.
