مقدمة
تعجّ المصادر بحياة هذا الرسول الفذ، وكلها شبه متفقة على حياته وسيرته ونهايته شهيدًا، وأيضًا على دوره في اضطهاده للمسيحيين، إلى أن أصبح من أعظم المبشرين بحياة المسيح. وسوف أقدّم في هذا المقال مقدمة مختصرة عن حياته، ليكون القارئ، عند قراءته للمقال، عارفًا عمّن نكتب، وإلى أين سيصل في نهايته المأساوية!
ولا يمكن لي أن أُلمّ، في مقال محدد، بسيرة هذا الرسول، ولكني سأقدّم، قدر المستطاع، شذرات منقولة عن حياته قبل إيمانه بالمسيح وبعده. وهذه الشذرات لا بد لي أن أنقلها من المصادر، ولا يمكن لي أن أبتدعها أو أختلقها من مخيلتي الأدبية! ومن ثم قرنتها بإضافاتي المتسقة مع الأحداث.
الموضوع
- من موقع الكنيسة الكاثوليكية في مصر، أقدّم فقرات من مقال للأب لوكاس رسمي، بعنوان «الحياة عندي هي المسيح»، عن نشأة شاول واضطهاده للمسيحية:
{وُلد شاول في السنة الخامسة الميلادية تقريبًا، في مدينة طرسوس التي كانت مركزًا من مراكز التهذيب العقلي، وكانت مركزًا للفلسفة الرواقية التي ظهر تأثيرها في كثير من تعبيرات الرسول عن المبادئ المسيحية. كان والداه يهوديين من سبط بنيامين، وأصبح شاول «عبرانيًا من العبرانيين». وكان ملتزمًا بالمعتقدات الفريسية، ويدين بالولاء الشديد للتقاليد الدينية، على مثال والده الذي كان فريسيًا محافظًا. واسم شاول يعني بالعبرية: المشتهى أو المطلوب في الصلاة}.
ورأى شاول أن المسيحية هي تهديد لليهودية:
{وقد كان موت استفانوس مؤشرًا على واحد من أكثر الاضطهادات الدموية ضد الكنيسة الوليدة. وكان غيورًا لتقاليد آبائه، وأصبح من أبرز القائمين بالاضطهاد، ولقد رأى بوضوح أن المسيحية هي الخطر الذي يهدد التقليد الشرعي اليهودي، فكان يتصور أن الناموس الموسوي، الذي يتحول الآن إلى تدبير مسيحي جديد، يبدو أنه بمثابة تغيير صارخ بالنسبة إليه. لذا كان شاول يسطو على الكنائس، ويدخل البيوت، ويجرّ المسيحيين ويسلمهم إلى السجن}.
- ومن موقع الأخبار السارة أسرد ما حصل مع شاول، الأمر الذي غيّر مجرى حياته كلها:
{المقطع المحوري في قصة بولس هو أعمال الرسل 9: 1-22، الذي يسجّل مقابلة بولس مع الرب يسوع على الطريق من أورشليم إلى دمشق، وهي رحلة تمتد نحو 150 ميلًا. كان شاول منزعجًا بسبب ما رآه، وكان ممتلئًا بالغضب القاتل ضد المسيحيين. وقبل أن يبدأ رحلته، طلب من رئيس الكهنة أن يعطيه رسائل إلى المجامع في دمشق، لكي يسمحوا له بأخذ المسيحيين، أتباع «الطريق» كما كانوا يُسمّون آنذاك، إلى أورشليم لوضعهم في السجون.
وفي الطريق استوقف شاول نور عظيم من السماء، جعله يسقط على الأرض. وسمع هذه الكلمات: «شَاوُلُ، شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟». فَسَأَلَهُ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟». فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ» (الآيتان 4 و5).
وهنا نضيف أنه ربما لم تكن هذه أول معرفة لشاول بالمسيح، إذ يقترح بعض الباحثين أن شاول، عندما كان شابًا صغيرًا، ربما سمع عن المسيح، وربما شهد موته، لكن ذلك يبقى احتمالًا غير مؤكد. وبعد تلك الرؤيا، اقتيد شاول وهو مصاب بالعمى إلى مدينة دمشق، حيث اعتمد على يد حنانيا، ورُدّ إليه بصره بحسب رواية الكتاب المقدس}.
أكتفي بهذا القدر عن سيرته، وللاطلاع أكثر يُرجى مراجعة المصادر.
القراءة
- وددت أولًا أن أعلّق على ما ورد في بحوث بعض المهتمين من أن شاول، عندما كان شابًا صغيرًا، ربما سمع عن المسيح، وربما شهد موته بالفعل. وهذا، إن حصل فعلًا، وهو احتمال وارد، فلا بد لنا أن نبيّن أن شاول من الممكن أيضًا أن يكون قد سمع بقيامة المسيح، وأن هذه الرواية قد ترسّبت في عقله الباطن.
وعندما ظهر رب المجد لشاول في طريقه إلى دمشق، استقامت وتوضحت كل الطرق المتباعدة والمتقاطعة عن المسيحية، لتكون له نقطة انطلاق لرحلته التبشيرية المستقبلية.
- ولا بد لي من القول إن شاول قد استنتج، وهو في صميم الحدث والصدمة، كيف لهذا الإنسان الذي صُلب وقام أن يظهر له، وأن يوبخه قائلًا:
«شَاوُلُ، شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟». فَسَأَلَهُ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟». فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ».
أرى أن قيامة المسيح هي التي غيّرت مجرى تاريخ العالم والبشرية معًا، وهي التي أحدثت شرخًا ثوريًا في كل القوانين والأعراف والعقائد، وحتى في الأحداث اللاحقة. وهي التي غيّرت، بالنتيجة ومن جانب آخر، فكر شاول الفريسي المحافظ اليهودي، ونهجه وعقليته، من مضطهد للمسيحية إلى بولس رسول المسيح، الذي استشهد في سبيل نشر رسالة المسيحية. فالعالم قبل القيامة ليس هو العالم ذاته بعد قيامة المسيح!
- إشارة: أورد في التالي ما جاء في موقع الأنبا تكلا هيمانوت، حول رجم استفانوس ودور شاول الحاقد في هذا الحدث:
{أول ما نلتقي به في كتاب العهد الجديد هو حادث رجم استفانوس، إذ كان شاول يحرس ثياب الراجمين. وبعد هذا الحادث، يبرز بكونه أكثر مضطهدي الكنيسة حركة ونشاطًا. فما إن انتهى من أعماله التخريبية الانتقامية في أورشليم، حتى قصد دمشق مزودًا بسلطان من رؤساء الكهنة، لكي يسحق بالاضطهاد المؤمنين هناك}.
شذرات
- من موقع منثور، سأورد بعض الفقرات، بشكل مقتضب، حول ما قدّمه بولس للمسيحية، وكيف حوّل بعض المفاهيم والمسارات المسيحية إلى أفق أممي، مع تعليقي على كل فقرة:
1. في الفقرة الأولى، يبيّن الموقع دور بولس في الانتقال بالبشارة من المحلية المؤطرة إلى العالمية:
«يُعد بولس الرسول أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ المسيحية، حيث ارتبط اسمه بتحول جذري في نقل الدعوة من نطاقها المحلي إلى فضاء عالمي واسع. فقد جمع بين ثقافتين مختلفتين، يهودية الجذور ورومانية الأفق، مما أتاح له فهمًا عميقًا لعالم متعدد ومتغير».
2. في الفقرة الثانية، يبيّن لنا أثر القيامة في نهج المسيحية. ولولا القيامة، لما كانت هناك رسالة مسيحية، وهي تأكيد أن بولس قد سمع بالصلب والقيامة معًا:
«بعد حادثة صلب المسيح ودفنه، سرت بين الناس أخبار قيامته من القبر، فتنامى الاعتقاد بأن المسيح يحمل طبيعة إلهية تتجاوز حدود البشر. ومن هذا الإيمان انطلقت رؤية بولس اللاهوتية، التي عبّر عنها بقوله: إن كان المسيح لم يقم، فإن تبشيرنا باطل وإيمانكم باطل».
فالقيامة إذن هي التي أعلنت أن المسيح حي، وأظهرت انتصاره على الموت، وثبّتت الإيمان به.
3. أما الملاحظة الجوهرية الأخيرة، فهي أن بولس أسهم في توضيح مفهوم المسيحية، بتجاوزها للتعدد الثقافي والإثني والعرقي، ونقلها إلى نطاق فاق كل هذه المعوقات والمحددات:
«يشكل بولس الرسول نقطة تحول محورية في مسار المسيحية، حيث ارتبط اسمه بمرحلة انتقالها من إطار محلي محدود إلى أفق إنساني واسع. فقد أسهم في تقديم رؤية تجعل الرسالة متاحة أمام شعوب متعددة، دون ارتباطها بسياق ثقافي واحد. هذا التوجه أتاح للمسيحية أن تتجاوز حدودها الأولى، وتدخل إلى مجتمعات جديدة تحمل خلفيات مختلفة، مما أدى إلى انتشارها في مناطق واسعة من العالم القديم».
هذه الفقرة ترتبط بالفقرة الأولى بشكل أو بآخر، وكان الأجدر بمحرري الموقع أن يدمجوهما معًا!
- ولا بد لنا في هذا المقام أن نستعرض رسائل بولس الرسول، مكتفيًا بذكرها، دون الدخول في عرض متونها، وللمهتمين يُرجى الرجوع إليها.
ومن موقع صوت الخدمة، أورد التالي بهذا الصدد:
{الرسائل المنسوبة إلى الرسول بولس تشكل جزءًا أساسيًا من العهد الجديد. فهي تقدّم رؤى حول المسيحية المبكرة واللاهوت والتحديات التي واجهتها الكنيسة الأولى. إذن، كيف يتم ترتيب الرسائل البولسية في العهد الجديد؟ يتم تنظيم الرسائل في المقام الأول حسب طولها والجمهور الذي وُجّهت إليه. إن فهم هذا الترتيب يقدّم نظرة أعمق إلى أهميتها وكيفية عملها ضمن السرد الأوسع للعهد الجديد.
تتكون رسائل بولس من ثلاث عشرة رسالة تُنسب تقليديًا إلى بولس، وهي تشمل: رومية، كورنثوس الأولى، كورنثوس الثانية، غلاطية، أفسس، فيلبي، كولوسي، تسالونيكي الأولى، تسالونيكي الثانية، تيموثاوس الأولى، تيموثاوس الثانية، تيطس، وفليمون}.
هذه الرسائل تشير إلى الأفق العالمي، بشرقه وغربه، الذي وصلت إليه كرازة بولس الرسول، بشخصه وبأتباعه وتلامذته، وبالكنائس التي أسسها.
مقتل بولس بداية أخرى للمسيحية
بولس من أعظم رسل المسيح، وطريقة مقتله، كباقي رسل المسيح، دليل تضحية. فمن كان يضطهد خراف المسيح، سيصبح حملًا مذبوحًا كباقي رسل المسيح.
وقد شكّل مقتل بولس إضاءة للمسيحية، انعكست على الكنائس التي أنشأها، وأنارت طرق تلامذته في الإيمان.
ومن موقع سلطانة الحبل بلا دنس، أنقل بشكل مقتضب كيف كانت واقعة استشهاده بحسب التقليد الكنسي:
{قُبض عليه في عاصمة الرومانيين، وعانى العذاب كثيرًا من أجل اسم المسيح، ثم حُكم عليه بالموت بأمر القيصر نيرون، وكان ذلك بين عامي 64 و67 م. وإذ كان حاصلًا على المواطنة الرومانية، وكان القانون الروماني يمنع عقوبة الموت بالصلب على المواطنين الرومانيين، قُطع رأسه على طريق أوستيا، Via Ostia، خارج مدينة روما.
ويروي لنا التقليد أنه، لما كان الجنود يسوقونه مقيدًا إلى مكان الإعدام، صادفتهم في الطريق شابة رومانية اسمها «بِربِتْوَه»، كان في عينيها حَوَل. وعندما رأتهم يجرّون بولس مكبلًا، أشفقت عليه وذرفت دموعها.
فقال لها بولس، وقد رآها تبكي: «أعطيني خمارك، وحين أعود سوف أعيده إليك». فسارعت وأعطته خمارها، فسخر منها الجنود وقالوا لها: «لماذا تريدين، يا امرأة، خسارة خمارك؟ ألا ترين أننا نقوده إلى الإعدام؟».
أما هي، فقد توسلت إليهم أن يغطّوا عيني بولس بخمارها قبل أن يقطعوا رأسه، وهكذا فعلوا. وبعدما قطعوا رأس الرسول، عادوا وأعطوا الشابة الخمار الذي أعارته لبولس، ملطخًا بقطرات من دمه، وما إن استخدمته حتى شُفيت عيناها من علتهما}.
إضاءة
- ولا بد لي أن أورد لمحة مقتضبة عن «مجمع أورشليم»، الذي عُقد نحو سنة 48 م، فيما تقول مصادر أخرى إنه عُقد سنة 50 أو 51 م. وكانت مهمة المجمع مزدوجة:
أولًا: تقرير العلاقة الشخصية بين رسل الختان ورسل الأمم، وتقسيم حقول الكرازة بينهم.
ثانيًا: حسم موضوع الختان، وتقرير العلاقة بين المتنصرين من اليهود والأمم.
فقد حُددت في هذا المجمع المهام التبشيرية للكنيسة، حيث أصبح بطرس، مع يعقوب البار ويوحنا، من رسل الختان، أي لليهود، أما بولس مع برنابا فكانا رسولي الأمم، أي لغير اليهود.
وبفضل هذا المجمع أيضًا، جرى تأكيد انفتاح الإيمان المسيحي على الأمم، وعدم اشتراط التهوّد لقبولهم في الكنيسة، ويُعتبر هذا المجمع أول مجمع في تاريخ الكنيسة.
نقلت هذه الفقرة عن مجمع أورشليم، بصياغة من قبل كاتب المقال، وباختصار وبتصرف، بعد الاطلاع على مصدرين، هما: موقع شمامسة مار أفرام السرياني، وموقع الأنبا تكلا هيمانوت.
صدى ظهور المسيح لبولس
- أرى أن اختيار رب المجد لشاول الحاقد والمضطهد للمسيحية كان الهدف منه أن يحوّل هذا الزخم من الاضطهاد والحقد إلى شخصية بولس المفعمة بالحب والتضحية، الذي قدّم نفسه قربانًا لمن كان «الطريق والحق والحياة».
إن المسيح غيّر طريق شاول المضطهد للمسيحيين إلى طريق بولس رسول الأمم.
- أدى ظهور المسيح لبولس في طريقه إلى دمشق إلى تحوّل عقائدي في نهجه ومسيرته الحياتية. وكان للقاء بولس مع التلاميذ الذين رافقوا المسيح، بطرس ويوحنا وبرنابا ويعقوب، أثر زاد إيمانه عمقًا، ووسّع فهمه للمسيحية.
يُضاف إلى ذلك ثقافته العميقة في كتب العهد القديم. وكل ذلك شكّل رؤية بولس اللاهوتية في نهجه التبشيري للأمم.
