تمهيد:
بعد حياة إيمانية خلاصية على الأرض، حُكم على المسيح بالموت بعمر 33 سنة، فَجُلد وصُلب ودُفن، ومن ثم قهر الموت في اليوم الثالث، كما في الكتب. وهذا مؤكد وفق الأناجيل، إذ أخبر المسيح بقيامته من بين الأموات مرات عديدة قبل صلبه وموته ودفنه (متى 12: 38-40؛ 16: 21؛ 17: 9، 23؛ 20: 19؛ 27: 63؛ مرقس 8: 31؛ 9: 9، 31؛ 10: 34؛ 14: 58؛ لوقا 9: 22؛ 18: 33؛ يوحنا 2: 19، 21). لكن لم يدرك التلاميذ هذه الأقوال تمامًا إلا بعد قيامة المسيح من بين الأموات. / نقلًا من موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
وأيضًا وردت قيامة المسيح في رسائل الرسل، ومنها رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 4: «وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ...».
بداية:
المسيح، خلال حقبة رسالته الخلاصية التي امتدت لثلاث سنين، لم يخبرنا باسم أي نبي سيأتي بعده، لا في موعظته على الجبل، ولا أثناء جلده، ولا حين صلبه، ولا حتى في قهره للموت!
إضاءات:
سأطرح هذا الموضوع على شكل إضاءة تلو الأخرى:
* وفق فقهاء وأئمة وشيوخ الإسلام، يسردون أن المسيح بشّر بنبي من بعده هو محمد، وفق الآية التالية: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ / 6 سورة الصف.
ولنقاش هذه الآية الإشكالية، أبيّن التالي:
1. في أي إنجيل من الأناجيل الأربعة المعتمدة: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، ورد قول كهذا للمسيح، إنه سيأتي من بعدي نبي أو رسول اسمه أحمد؟ بالطبع الجواب: لا يوجد مثل هكذا نص في أي إنجيل من الأناجيل أعلاه!
2. ولو تتبعنا رسائل الرسل، من رسائل بولس، وهي 13 رسالة كتبها الرسول بولس، وهي مدرجة ضمن قانون الكتاب المقدس، وهي: رومية، 1 كورنثوس، 2 كورنثوس، غلاطية، أفسس، فيلبي، كولوسي، 1 تسالونيكي، 2 تسالونيكي، 1 تيموثاوس، 2 تيموثاوس، تيطس وفليمون. / نقلًا من موقع الأخبار السارة.
وكذلك رسالتا بطرس الأولى والثانية، ورسائل يوحنا الثلاث، ورسالة يعقوب، لم نجد أي إشارة أو أي تلميح إلى أن رسولًا أو نبيًا سوف يأتي بعد رب المجد! إذن هذه المعلومة غير موثقة وغير مسندة! ولو كانت هناك أي إشارة إلى رسول يأتي بعد المسيح، لذُكرت على الأقل في رسائل الرسل أعلاه، الذين كانوا ملازمين للمسيح أو مرافقين لتلاميذه.
3. من جانب آخر، من هو أحمد؟ لأن رسول الإسلام اسمه محمد وليس أحمد! وهناك فرق في معنى الاسمين، وأورد فيما يلي الفرق بين الاسمين: «والفرق بين الاسمين أن محمدًا: جمع للفضائل وجميع الصفات الطيبة والحسنة المحمودة، وأما أحمد فمعناه: أنه بلغ الغاية في كل صفة من هذه الصفات، فبلغ الغاية في الكرم، وبلغ الغاية في الشجاعة، وبلغ الغاية في كل خصلة من خصال الخير على وجه الانفراد». / نقلًا من موقع الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان.
إذن حتى الآية القرآنية لا تؤكد خبر أنه سيأتي نبي بعد المسيح باسم محمد، لأنها ذكرت اسم أحمد!
* ورب المجد يقول: سيأتي أنبياء كذبة: «احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم». / من إنجيل متى 7: 15-29.
إذن حتى لو جاء أنبياء، فرب المجد وصفهم بأنهم أنبياء كذبة، ثمارهم فاسدة! وهنا المسيح يؤكد أنه حتى لو جاء أنبياء بعده فهم «أنبياء كذبة»!
* وحين يقول المسيح: «أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» / سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 1: 8.
فبهذا النص، رب المجد أوصد الباب أمام كل آية أو سردية أو مروية أو نص بوجود نبي أو رسول من بعده، وذلك لأنه قال إنه البداية والنهاية. فهل يوجد مجيء بعد النهاية؟ بالطبع لا.
* من جانب آخر، شيوخ الإسلام يتشدقون بالآية التالية: «وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ». / إنجيل يوحنا 14: 26.
ويقول رجال الإسلام إن المعزي هو محمد بن عبد الله، ناسين أن المعزي هو «الروح القدس»، أي «الباراقليط» (Παράκλητος - Parakletos).
ولتوضيح الأمر أكثر، أنقل من موقع الأنبا تكلا هيمانوت ما جاء بصدده:
«الانبثاق يختلف عن الإرسال، لأن الانبثاق فعل أزلي أبدي فوق الزمن، بينما الإرسال يحدث في زمن معين. وعندما نتأمل الآية: "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من عند الآب، روح الحق الذي من الآب ينبثق، فهو يشهد لي" (يوحنا 15: 26)، نلاحظ أن الإرسال محدد بزمن المستقبل: "سأرسله"، بينما الانبثاق يأتي في زمن المضارع المستمر: "ينبثق". الانبثاق أزلي، أما إرسال الروح القدس فقد تم في زمن محدد، وهو يوم الخمسين (أعمال 1: 4؛ 2: 4)».
والتفسير أعلاه واضح وصريح، وهو أن المعزي، الروح القدس، الباراقليط، كان في اليوم الخمسين، أي قبل محمد بأكثر من ستة قرون! فكيف يكون المعزي هو محمد؟
خاتمة:
لو فرضنا جدلًا أن المسيح قصد بقوله: «متى جاء المعزي» أن المعزي هو محمد، فالمفروض منطقيًا أن المرسل، إن كان نبيًا أو رسولًا أو فردًا، سيكون شبيهًا بسيرة المسيح، طريقًا ونهجًا وغاية.
فهل محمد كالمسيح الذي كان: «الطريق والحق والحياة»؟ وهل لمحمد مفاتيح الغفران والخلاص للبشرية؟ وهل باستطاعة محمد، في بعثه الثاني، أن يكون بتولًا كالمسيح، وهو الذي كان مزواجًا في حياته الدنيوية؟
«والنساء اللاتي عقد عليهن ودخل بهن اثنتا عشرة امرأة، وهن على الترتيب: خديجة بنت خويلد، سودة بنت زمعة، عائشة بنت أبي بكر الصديق التيمية، حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، زينب بنت خزيمة الهلالية، أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، زينب بنت جحش الأسدية، جويرية بنت الحارث الخزاعية، ريحانة بنت زيد بن عمرو القرظية، أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموية، صفية بنت حيي بن أخطب النضيرية، ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية. وقد توفي الرسول وتحته تسع نسوة، وهن: سودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجويرية، وصفية، وميمونة». / نقلًا من موقع إسلام ويب.
وهل محمد يستطيع كالمسيح أن يغفر لصالبيه وهو على الصليب: «فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ. وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا». / إنجيل لوقا 23: 34.
أما محمد، فلا عفو في نهجه، حيث أمر بقتل «أم قرفة» بأبشع طريقة، لأنها كانت تهجوه وتحشد ضده: «فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْ يَقْتُلَ أُمَّ قِرْفَةَ، فَقَتَلَهَا قَتْلًا عَنِيفًا، رَبَطَ بِرِجْلَيْهَا حَبْلَيْنِ، ثُمَّ رَبَطَهُمَا إِلَى بَعِيرَيْنِ حَتَّى شَقَّاهَا». / موقع الألوكة.
هذا غيض من فيض، فالكلام والأحداث والوقائع عن الفرق بين سيرتي المسيح ومحمد لا يستوعبها هذا المقال.
كلمة:
لو تركنا كل ما ورد أعلاه جانبًا، فكيف لفرد قد قُبر منذ أكثر من ستة قرون، وهو بشر كباقي البشر، وفق الآية التالية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ / 110 سورة الكهف، أن يُبعث من جديد؟
فهذا الأمر لا ينطبق إلا على المسيح، لأنه حي على مدى الدهور، وفق رؤيا يوحنا 1: 18: «وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ».
والمؤكد قرآنيًا أيضًا: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ / 33 سورة مريم.
فالأموات لا يُبعثون، نقطة رأس السطر!
