لماذا اختار الله إسرائيل؟

لماذا اختار الله إسرائيل؟ هل كان بسبب قوتها أو عددها أو استحقاقها، أم أن الاختيار ارتبط بمحبة الله ووعده وقصده في أن تمتد بركته إلى جميع الشعوب؟ هذه الأسئلة تقود إلى فهم أعمق لمعنى الاختيار والنعمة في الكتاب المقدس.
قبل 6 ساعات
لماذا اختار الله إسرائيل؟

يرغب الإنسان بطبيعته أن يختار أفضل احتياجاته الخاصة به، حسب فكره البشري وحساباته الشخصية، إن كان المنزل للسكن أو السيارة، اختيار شريك الحياة أو الأصدقاء، الدراسة أو مكان العمل.

ليس الأمر كذلك بالنسبة لله في اختيار شعبه وأتباعه، لأن الله لا ينظر أبدًا إلى الأمور بدافع الأنانية أو الرغبة الشخصية كما يفعل البشر، لكن دافعه الوحيد هو المحبة وخير البشرية جمعاء...

هذا ما نقرأ عنه في الكتاب المقدس، عندما دعا الله إبراهيم في البداية أن يخرج من أرضه عشيرته وأهله، لم يعرف أهل ولا شعب إبراهيم آنذاك الله، بل كانوا شعبًا وثنيًا لا يعرف الله القدوس خالق السماء والأرض. كذلك نرى نفس التوجه في دعوة داود الصغير المُحتقر من أفراد عائلته، دعوة الله لجدعون الخائف، وصولًا إلى دعوة الرب يسوع لتلاميذه الذين كانوا بسطاء وفقراء، من صيادي سمك وغيرها من المهن البسيطة آنذاك!

نقرأ في كتاب التكوين عن دعوة الله ليعقوب ابن إسحاق وحفيد إبراهيم، هذا الشخص الذي اعتاد الغش والخداع، كيف غير الله حياته وأصبح إسرائيل صاحب الطبيعة الجديدة، الذي تبع وعبد الرب بعدها بصدق القلب، ونال الوعد مع آبائه إبراهيم وإسحاق بأن يعطيه الله أرض إسرائيل.

بعدها، لم يقتصر اسم إسرائيل على يعقوب وحده بل أُطلق على الشعب بأكمله، الشعب الذي دعاه الله بالخروج من مصر ويدخل إلى أرض كنعان.

لكن لماذا اختار الله شعب إسرائيل خاصته؟

هل لأنهم الأفضل أو الأقوى؟ أو ربما الأكثر عددًا؟

نقرأ في كتاب التثنية الأصحاح السابع كيف أوصى الرب شعب إسرائيل:

"لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض، ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم واختاركم، لأنكم أقل من سائر الشعوب، بل من محبة الرب إياكم وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم".

كذلك يؤكد الرب في تثنية الأصحاح التاسع سبب دعوته لهم:

"لا تقل لأجل بري أدخلني الرب لأمتلك هذه الأرض، ولأجل إثم هؤلاء الشعوب يطردهم الرب أمامك، ليس لأجل برك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك الأرض، بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك، ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب".

نرى هنا الدافع الحقيقي لدعوة الرب لإسرائيل، ليس لأنهم الأفضل أو الأكثر أو الأقوى، أو لأنهم مستحقين هذه الدعوة، بل فقط من دافع محبة الله وحفظ الوعد للآباء.

وهذا ما يؤكده أشعياء النبي في كتابه بروح النبوة، أن قصد الله كان منذ البداية للجميع، وليس فقط لشعب معين أو خاص مثل إسرائيل، بل كان قصد وفكر الله بأن تكون إسرائيل نورًا لجميع الأمم، وسبب خلاص إلى أقاصي الأرض، لكن إسرائيل سقطت في الخطية وعبادة الوثن، وابتعدت عن الله الحقيقي مما سبب إلى سبيهم إلى بابل، وما زال هذا الشعب إلى يومنا هذا "مسبي الفكر" بأنهم هم وحدهم شعب الله المُختار، وما زالوا ينكرون كأُمَّة بأغلبيتهم تجسد يسوع المسيح ابن الله قبل حوالي ألفي سنة، موته فوق الصليب وقيامته في اليوم الثالث!!!

كان توجه الشعب القديم في أغلب الأحيان توجهًا جسديًا وأنانيًا، وهذا ما زلنا نراه في أيامنا هذه وللأسف الشديد، مبدأ إقصاء الآخر من الإيمان ونعمة الله، لأن الآخر يختلف عني بالعقيدة والفكر والمبدأ، وبهذا التوجه نحن نضع أنفسنا تحت دينونة الله الرهيبة لأننا ندين بل "نكفّر" الآخر لأنه ليس من مجموعتنا وطائفتنا!

منذ البدء، منذ أيام آدم وحواء، إلى أيام إبراهيم وإسحاق ويعقوب، إلى موسى ويشوع، وبطرس ويعقوب ويوحنا وبولس كان فكر وتوجه الله روحيًا وليس جسديًا، لأن مشيئة الله كانت دائمًا أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، والله لا يقصي أحدًا من هذه النعمة حتى أشر الخطاة، طبعًا ما زال باب النعمة مفتوحًا إلى يومنا هذا، قبل مجيء المسيح الثاني والدينونة في آخر الأيام!

ألم يقبل الرب في القديم توبة الملك الشرير نبوخذنصر؟ وإيمان نعمان السرياني؟

ألم يمدح الرب يسوع إيمان المرأة الكنعانية وقائد المئة الإيطالي؟ موبخًا بذلك ضعف إيمان تلاميذه الذين كانوا يهودًا من شعب إسرائيل؟!

نقرأ في كتاب التكوين كيف جاهد يعقوب في القديم مع الله والناس وغلب، لذلك أعطاه الله الاسم الجديد "إسرائيل"، جاهد مع الله ضد طبيعته البشرية الأنانية الخاطئة، لكي يموت عن ذاته وشهواته وينال الطبيعة الجديدة بشخص إسرائيل، وبعدها "جاهد" مع الناس ليس بالغش والخداع والسرقة، ليس جهاد السيف وسفك الدم والقتل، بل جاهد الجهاد الحسن الذي علمنا عنه بولس الرسول، الجهاد الحسن مع جميع الناس بغض النظر لانتمائهم الديني أو العرقي أو المدني، جهاد المحبة والعطاء والغفران والتسامح...

أعلن يسوع لتلاميذه في القديم أنه هو الذي اختارهم أولًا على حساب النعمة، وليس هم من اختاروه أولًا، وهذا ما نقرأه في إنجيل يوحنا الأصحاح الخامس عشر:

"ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم، وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم، لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي، بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعض".

نقرأ هنا عن دعوة الرب المباركة للتلاميذ غير المستحقين لهذه النعمة الفائقة، وكيف ربط الرب يسوع بين اختياره هو واستجابة التلاميذ لهذه الدعوة، وكيف أن هذا الاختيار مصحوب بالثمر في حياة التلاميذ، وإلا فهو اختيار باطل!

كذلك كل من يستجيب لدعوة واختيار يسوع له فإن الآب أيضًا يستجيب لطلباته باسم يسوع، وهذا الاختيار لا بد أن يكون بوصية المحبة، بأن نحب بعضنا بعضًا...

لأن الاختيار بدون محبة عملية في حياتنا غير نافع، كما حذر يسوع:

"أم عينك شريرة لأني أنا صالح؟ هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين، لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون". (إنجيل متى 20:15-16).

كذلك أوصانا يسوع أن من يثبت حتى المنتهى بهذه الدعوة المُقدسة، يخلص.

هناك من يعتقد بل ويعلم أن يسوع قد اختار منذ البداية من هم له ومن لا، على أساس ما نقرأ في رومية الأصحاح التاسع عن فرعون:

"فإذا ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم، لأنه يقول الكتاب لفرعون: إني لهذا بعينه أقمتك، لكي أظهر فيك قوتي، ولكي ينادى باسمي في كل الأرض، فإذا هو يرحم من يشاء، ويقسي من يشاء".

لكن يتابع الرسول بولس موضحًا الفكرة بروح النبوة:

"فماذا؟ إن كان الله، وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوته، احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك، ولكي يبين غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد، التي أيضًا دعانا نحن إياها، ليس من اليهود فقط بل من الأمم أيضًا".

نلاحظ هنا أن دعوة الله للخلاص بالنعمة هي للجميع، لليهود والأمم، بشكل متساوٍ وعادل، لأن ليس عند الله محاباة!

كذلك نقرأ أن الله "احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك"، احتمل الله كثيرًا وانتظر كثيرًا، لكن لم تكن استجابة إيجابية من هؤلاء لهذه الدعوة، بل احتقروها كما احتقرها فرعون بل تحدى الله وشعبه، لذلك كانت الدينونة على فرعون وبيته وشعبه رهيبة، لأنهم رفضوا بشكل متواصل وبقساوة قلب دعوة الله للتوبة والرجوع إليه وطاعته، لمعرفة الحق الذي يهب الخلاص والحياة الأبدية.

كذلك اعتقد فرعون، (كما يعتقد البعض في أيامنا أيضًا)، أنه قوي وصاحب سلطان مطلق على حياته، لكن الله لا ينظر إلى القلب المتكبر المتسلط، بل إلى القلب المتواضع والروح المسكينة، كما قال يسوع:

"طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات".

أكد بولس الرسول هذه الفكرة في رسالته إلى أهل كورنثوس الأصحاح الأول، بأن الله لا ينظر إلى حكمة وقوة وشرف من يدعوهم، بل على العكس، ينظر إلى الجهال الضعفاء الأدنياء:

"فانظروا دعوتكم أيها الإخوة، أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد، ليس كثيرون أقوياء، ليس كثيرون شرفاء، بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء، واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود، لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه".

بعد أن نقرأ هذا الكلام القوي، هل نفتخر بعد بما نحن؟ أم نقول مع الرسول بولس:

"بنعمة الله أنا ما أنا"،

ونفتخر فقط بصليب ربنا يسوع المسيح،

لأنه بالفعل من افتخر، فليفتخر فقط بالرب!

أكد بطرس الرسول نعمة وسلطان الله في الاختيار، بعد أن استرده يسوع إليه بعد الإنكار المُخزي، فكتب في رسالته الأولى الأصحاح الثاني:

"وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أُمَّة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب، الذين قبلًا لم تكونوا شعبًا، وأما الآن فأنتم شعب الله، الذين كنتم غير مرحومين، وأما الآن فمرحومون".

هذا الجنس المختار الذي تحدث عنه بطرس لا يحده طائفة أو شعب أو أُمَّة تحت الأرض، لأن الدعوة هي للجميع، لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية...

سقط شعب إسرائيل في القديم بأن يكون نورًا لجميع الأمم، وسبب خلاص أبدي لشعوب الأرض، لكن اليوم ما زال نور العالم، الرب يسوع المسيح، ابن الله، ينير القلوب والأفكار، ليخصص له شعبًا مقدسًا مكرسًا، لكي يكون باسمه المبارك نورًا للعالم وملحًا للأرض، ليشهد عن خلاص الرب ونعمته الفائقة في الاختيار، اختيار الخطاة ليكونوا قديسين، واختيار الناس لكي يصبحوا أولاد الله بالإيمان بشخصه المبارك، ليس بعد شعبًا معاندًا وقاسي الرقبة لاختيار الله ودعوته، بل إسرائيل الله بالخليقة الجديدة، آمين.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.