هل صُلب المسيح أم «شُبّه لهم»؟

هل يمكن لنص ظهر بعد قرون من الحدث أن ينفي واقعة رسختها الأناجيل والشهادات التاريخية؟ بين آيتي النساء ومريم، ينفتح سؤال الصلب على قراءةٍ تقارن بين النص القرآني والرواية المسيحية، وتبحث: هل تصمد عبارة «شُبّه لهم» أمام الفحص التاريخي؟
قبل 3 ساعات
هل صُلب المسيح أم «شُبّه لهم»؟

استهلال

في هذا البحث المختصر سأبيّن، وفق العقيدة الإسلامية، هل صُلب المسيح أم لا، أي: «شُبّه لهم»؟ وسأستعرض قرآنيًا آيتين، وأرى بدايةً أن بين النصين تقاطعًا وتناقضًا، ثم سأسرد قراءتي بما ينفي صحتهما وفق الحقائق التاريخية.

الموضوع

﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (157) / سورة النساء.

وتفسيرها، باختصار، وفق موقع / مشروع المصحف الإلكتروني للملك سعود، ما يلي:
{ القول في تأويل قوله: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ..» قال أبو جعفر: يعني: وما قتلوا عيسى وما صلبوه ولكن شُبّه لهم.. واختلف أهل التأويل في صفة التشبيه الذي شُبّه لليهود في أمر عيسى. فقال بعضهم: لما أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعًا حُوِّلوا في صورة عيسى، فأشكل على الذين كانوا يريدون قتل عيسى.. وخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى }.
ومسألة أنهم صلبوا شبيهًا للمسيح حجة مهلهلة، برواية ركيكة، لا ترقى إلى المصداقية أبدًا، وهذا هو ديدن فقهاء المسلمين، وهو «ترقيع الوقائع».

أما الآية الثانية، فإنها تذهب مخالفةً للآية أعلاه، لأنها تشير إلى موت المسيح وبعثه حيًّا:
﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (33) / سورة مريم.
ومن موقع / قرآن، أقدّم تفسير الوسيط للآية أعلاه، وباختصار:
{ وَالسَّلامُ والأمان منه.. عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ، مفارقًا هذه الدنيا، وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا للحساب والجزاء يوم القيامة. فأنت ترى أن عيسى قد وصف نفسه بمجموعة من الصفات الفاضلة، افتتحها بصفة العبودية لله رب العالمين، لإرشاد الناس إلى تلك الحقيقة التي لا حق سواها، واختتمها برجاء الأمان له من الله في كل أطوار حياته. ثم ختم هذه القصة ببيان وجه الحق فيها.. }
هذه الآية تؤكد موت المسيح، لكنها تغفل كيفية وطريقة موته. ومع أنها لم تُقرّ بصلبه، فإنها، من جانب آخر، تُقرّ ببعثه حيًّا بعد موته.

القراءة

بعيدًا عن كل ما ورد في التفاسير أعلاه، أود أن أبيّن رأيي الشخصي حول موضوع: هل صُلب المسيح أم «شُبّه لهم»؟

أول ما يتبادر إلى الذهن أن الآية الأولى، 157 من سورة النساء، تنفي واقعة الصلب. والتساؤل هنا: على أي حجة استند النص القرآني في نفي عملية الصلب؟ علمًا أن القرآن قد كُتب بعد نحو ستة قرون من عملية الصلب، ولم يزوّدنا بأي شهود عيان أو أي وثائق تفيد هذا النفي، كي تؤكد أنه «شُبّه لهم». إنه، في نظر الكاتب، كلام مرسل من دون أي حجج موثقة أو قرائن.

ولكن جميع الأناجيل، من جانب آخر، تؤكد عملية صلب المسيح، وبعض كتبة الأناجيل أنفسهم كانوا شهودًا حقيقيين على حادثة الصلب، كما هو مثبت في: متى 27: 32-56، مرقس 15: 21-38، لوقا 23: 26-49، ويوحنا 19: 16-37.

ووفق موقع / نور لجميع العالم، هناك شواهد تاريخية على حقيقة صلب المسيح، منها:

  1. كورنيليوس تاسيتوس (55 ب.م): مؤرخ روماني ملحد، ويُعد من أعظم مؤرخي روما القديمة. سجل قصة صلب المسيح بالتفصيل في مجلداته التي وصل عددها إلى ثمانية عشر مجلدًا.
  2. جوزيفس (27-97 ب.م): مؤرخ يهودي كتب عن تاريخ شعبه في عشرين مجلدًا، حيث سجل قصة حياة المسيح وتعاليمه ومعجزاته وقصة صلبه بالتفصيل بأمر من بيلاطس البنطي، ثم أشار أيضًا إلى ظهور المسيح لتلاميذه حيًّا في اليوم الثالث.
  3. لوسيان الإغريقي: مؤرخ كتب عن صلب المسيح وعن المسيحيين الذين كانوا قد قبلوا الموت لأجل إيمانهم بالمسيح.
  4. بيلاطس البنطي: الحاكم الروماني الذي أرسل لطيباريوس قيصر تقريرًا عن صلب المسيح، ذلك التقرير الذي استخدمه ترتليانوس كإحدى الوثائق في دفاعه عن المسيحيين، علمًا أن هناك شهادات من التلمود ونبوءات العهد القديم.

وما ذُكر أعلاه من حقائق عن صلب المسيح كان على سبيل المثال لا الحصر، وهذا غيض من فيض.

كل ما ورد أعلاه هو سرد لحقائق تاريخية موثقة، لا تقبل الجدل، تؤكد حادثة صلب المسيح. وكل المؤرخين أعلاه قد عاصروا حقبة المسيح بشكل أو بآخر، وليس كالنص القرآني الذي روى، بحسب هذا الطرح، عن مخيلة كتبة القرآن من دون أي إثبات تاريخي.

أما الآية 33 من سورة مريم، الواردة أعلاه، فإنها تتقاطع مع الآية الأولى، 157 من سورة النساء، لأنها تؤكد صراحةً أن المسيح قد مات، لكنها لم تحدد طريقة موته، ثم تؤكد «بعثه حيًّا للسماء» بمفهوم مشابه وقريب من العقيدة المسيحية، ولكن بأسلوب قرآني. كما أن الأناجيل تبيّن أنه بعد صلب المسيح ودفنه قام من بين الأموات، والتقى تلاميذه، ثم صعد إلى السماء، كما ورد في إنجيل مرقس 16: 19:
«ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمْ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ».
وفي لوقا 24: 51:
«انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ».

الرواية الإسلامية التي تقول إن المسيح لم يُصلب، بل شُبّه لهم، لا يمكن قبولها، وذلك لأن هذا يعتبر، بحسب هذا الطرح، خداعًا من قبل الله للمؤمنين. فهل يُعقل أن يُضلَّل المؤمنون بتقديم شخص آخر للصلب، في حين تؤكد الأناجيل صلب المسيح؟ ومن جانب آخر، تقول بعض الروايات الإسلامية إن يهوذا صُلب بدل المسيح. فقد ورد في موقع / إسلام أون لاين ما يلي:
( نحن المسلمين نعتقد أن المسيح لم يُصلب ولم يُقتل لقوله تعالى: «وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شُبّه لهم»، والذي قُتل وصُلب هو الذي ألقى الله عليه شبه عيسى، فظنّوه عيسى، فقتلوه وصلبوه. وفي إنجيل برنابا أن الذي أُلقي عليه شبه عيسى هو يهوذا الإسخريوطي ).
وهذه الرواية غير صحيحة، وذلك لأن يهوذا قتل نفسه:
«فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ» / إنجيل متى 27: 5.
وأورد بهذا الصدد فقرة من موقع / كلمة الحياة تفنّد أنه ليس من المنطق أن يكون يهوذا شبيه المسيح في الصلب:
( إن النظرية التي تقول بأن يهوذا أخذ مكان المسيح، إذ وضع الله شبه المسيح على يهوذا عوضًا عن المسيح، لا يمكن أن تكون صحيحة للأسباب التالية:

  1. لأننا بذلك ننسب لله صفة الخداع والتضليل، وحاشا لله أن يخدع البشر.
  2. إن النبوة التي تنبأ بها زكريا عن إعطاء الثلاثين من الفضة لمن يسلم المسيح لا يمكن أن تتحقق. (زكريا 11: 12 ومتى 26: 15).
  3. إن النبوة التي تتحدث عن أخذ الثلاثين من الفضة التي طرحها يهوذا في الهيكل لشراء حقل الفخاري لا يمكن أن تتم. (زكريا 11: 13 ومتى 27: 7).
  4. من البديهي أنه لو كان الشخص الذي صُلب غير المسيح، فلا بد أن يقاوم ويعترض ويقول لعسكر الرومان: إني لست المسيح).

إضاءة

من المنطق أن كل معتقد هو الأولى والأحق بالسرد عن وقائع وأحداث معتقده، وليس من العقلانية أن يتكلم الإسلام عن صلب المسيح، وبين عملية الصلب وظهور الإسلام حقبة زمنية تُقدّر بستة قرون.

أرى أن النص القرآني يُقحم مروياته في عقائد الآخرين، ويتناول وقائع وأحداثًا ليست له فيها حجج ولا قرائن ولا أسانيد، وإنما فقط لأجل مخالفة حقائق الأناجيل. ومن جانب آخر، فإن نص الآية التالية يؤكد تصديق القرآن للأناجيل بآياته:
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (3) / سورة آل عمران.
وتفسيرها وفق موقع / الإسلام سؤال وجواب:
( رُوي عن ابن عباس قوله: القرآن شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقًا لهما، و«مهيمنًا عليه»، يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب ).
فكيف لمحمد، وفق الآية سابقة الذكر، الذي كان مصدقًا وشاهدًا على التوراة والإنجيل، ومن جانب آخر لا يعترف قرآنه بأهم واقعة أساسية في العقيدة المسيحية، والمثبتة في كل الأناجيل، ألا وهي: صلب المسيح؟

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.