العلاقة الجدلية بين الكنيسة وإسرائيل العهد القديم

تُعدّ العلاقة بين الكنيسة وإسرائيل العهد القديم من القضايا اللاهوتية التي تعددت حولها التفسيرات، خاصة في ما يتعلق بمفهوم العهد والوعد وشعب الله. لذلك تبرز الحاجة إلى تناول هذه العلاقة بقراءة متوازنة تميّز بين بعدها الكتابي واللاهوتي، وبين توظيفها في السياقات الفكرية والسياسية المعاصرة.
قبل 3 ساعات
العلاقة الجدلية بين الكنيسة وإسرائيل العهد القديم

مقدمة

منذ العصور الأولى للمسيحية، كان هناك ارتباط وثيق بين الكنيسة وإسرائيل العهد القديم. هذا الارتباط كان في معظم الأحيان قائمًا على رؤية مسيحية تنظر إلى العهد القديم كتمهيد للوحي الكامل في العهد الجديد من خلال يسوع المسيح. يعتقد الكثيرون أن إسرائيل العهد القديم كانت تمثل الشعب المختار الذي أعلن الله من خلاله عن ذاته، وكان من المفترض أن تكون الكنيسة اليوم الوريث الروحي لهذا الشعب. ومع مرور الوقت، طرأت بعض التحولات في هذه النظرة التقليدية، خاصة عندما بدأ الفكر المسيحي يواجه أسئلة تتعلق بعلاقة الكنيسة بإسرائيل العهد القديم في ظل التحديات الاجتماعية والسياسية المعاصرة. وظهرت تفسيرات جديدة تظهر فهمًا لاهوتيًا نقديًا للعلاقة بين الكنيسة وإسرائيل العهد القديم. في هذا المقال، سوف نتناول هذه الجدلية ونحلل ماهية العلاقة بين الكنيسة وإسرائيل العهد القديم، وكيف تتجسد هذه الجدلية في الكنيسة اليوم.

العلاقة بين الكنيسة وإسرائيل كدور تكاملي

إن العلاقة بين الكنيسة وإسرائيل يجب أن تُفهم في إطار تاريخي حديث، مع تأكيد على ضرورة التفرقة بين إسرائيل كدولة سياسية وبينها كرمز لشعب الله في العهد القديم. وفي هذا الصدد، يشير إسحق إلى أن إسرائيل في العهد القديم لم تكن مجرد كيان سياسي أو قومية بالمعنى الذي نفهمه اليوم، بل كانت تمثل علاقة خاصة مع الله، علاقة روحية ووعدًا من الله لشعبه: "وَأَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكُكَ وَأَعَظِّمُ اسْمَكَ فَيَكُونُ بَرَكَةً." (تكوين 12: 2) وبالتالي، يمكن أن تكون الكنيسة اليوم امتدادًا لهذه العلاقة الروحية، من خلال تطبيق العدالة الاجتماعية والتصالح بين الأمم. ويضيف أن مفهوم الكنيسة هو تحقيق لوعود الله التي أُعطيت لإسرائيل: "فَإِنَّ النَّامُوسَ بِالْمُوَاعِيدِ جَاءَ لِيَكُونَ حَارِسًا لَنَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الإِيمَانُ" (غلاطية 3: 24) (إسحق، 2021، ص 94-96).

الكنيسة اليوم هي امتداد للوعد الذي بدأ مع إسرائيل في العهد القديم، حيث أن الكنيسة تتحقق من خلال كونها الشعب الذي يحمل رسالة المسيح، وهو ما يتوافق مع رسالته في العهد الجديد. الكنيسة لا تستمد وجودها فقط من التاريخ الإسرائيلي، بل من عمل المسيح الذي جاء ليكمل العهد القديم ويؤسّس العهد الجديد. وتمتلك الكنيسة الدعوة لاستكمال رسالة إسرائيل من خلال التبشير بالإنجيل والعيش في محبة وعدالة كما دعا يسوع في العهد الجديد. وعلى الرغم من أن الكنيسة تمثل الشعب المختار الجديد، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية إسرائيل في العهد القديم في تدبير الله، وهناك أهمية كبيرة لفهم العلاقة بين الكنيسة وإسرائيل في العهد القديم. كما أن العهد القديم يقدم تاريخًا طويلًا من العلاقة الخاصة التي كانت تربط الله بشعب إسرائيل، وهي علاقة كانت تتمحور حول العهود والتعهدات الإلهية، مثل العهد الذي أبرم مع إبراهيم (تكوين 12: 1-3) والعهد الذي تم تجديده مع موسى بعد الخروج (خروج 19-24).

إسرائيل في العهد القديم كانت تمثل الشعب المختار، الذين اختارهم الله ليكونوا أداة لإعلان ملكوته على الأرض. لهذا السبب، الكنيسة، رغم أنها ليست إسرائيل الجسدية، فإنها تمتد روحيًا من تلك الوعود التي أُعطيت لإسرائيل. الكنيسة هي الشعب الجديد الذي أصبح فيه المؤمنون بالمسيح هم الورثة الروحيون لهذه الوعود. من خلال قراءته للعهد الجديد، يُظهر منذر اسحاق أن الكنيسة اليوم مدعوة للعيش وفق قيم ملكوت الله، وهذه القيم هي التي كان الله يود أن يراها في شعبه إسرائيل في العهد القديم (إسحق، 2021، ص 123-125).

الكنيسة يجب أن تكون نموذجًا للمصالحة، حيث تعيش وفقًا لمبادئ المحبة والعدالة التي أُعلنت في الكتاب المقدس، بدءًا من العهد القديم وصولاً إلى العهد الجديد. الكنيسة مدعوة اليوم إلى عدم التراجع عن رسالتها العالمية في تبشير الإنجيل، وينبغي عليها أن تواصل نشر ملكوت الله في العالم، كما كان يأمل الله أن يفعله شعب إسرائيل. هذه الرسالة هي استمرارية لما أُعطي لإسرائيل في العهد القديم، لكن مع تجسيد جديد في المسيح.  وتبرز العلاقة بين الكنيسة وإسرائيل. على سبيل المثال، في متى 5: 17، حيث يقول يسوع: فَلا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوْ الْأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ، بَلْ لِأُكَمِّلَ." وترتبط هذه الآية بحقيقة أن المسيح لم يأتِ ليُلغِي العهد القديم، بل جاء ليُكمل الوعد الذي بدأ مع إسرائيل. الكنيسة هي استمرار لهذا التكملة، وهي تقوم على تحقيق الوعد الإلهي من خلال حياة المسيح وتعاليمه (إسحق، 2021، ص 105-110).

إسرائيل والشعب المختار في العهد القديم

إسرائيل في العهد القديم كانت تمثل الشعب المختار من الله، الذي أُعطي وعدًا خاصًا بأن يكون أداة لإعلان ملكوت الله على الأرض. ويجب التأكيد على أهمية العهد الذي أبرمه الله مع إبراهيم في تكوين 12: 1-3، حيث وعد الله بإبراز نسل إبراهيم كشعب عظيم يتبارك من خلاله جميع شعوب الأرض. هذا العهد هو الأساس الذي يرتكز عليه التاريخ الروحي لإسرائيل. فإن إسرائيل كانت محورًا في خطة الله لأداء مهمته في التاريخ البشري، وكان دورها هو العيش وفقًا للوصايا الإلهية، والتي ستساعد في إعلان ملكوت الله على الأرض من خلال التزامها بالعدل والإحسان. كما نرى أن العهد القديم لا ينتهي بظهور المسيح، بل إن هذا هو التوقيت الذي يبدأ فيه تحقيق هذه الوعود بشكل جديد وكامل من خلال عمل يسوع المسيح. وفي تكوين 17: 7 تأكيد على أن العهد الذي أبرمه الله مع إبراهيم لا يمكن أن يُلغى. بل إنه يُعاش بشكل جديد في المسيح، ليشمل كل من يثق بالله، سواء كان يهوديًا أو أمميًا. وهذا العهد هو أساس العلاقة بين الله والشعب المختار، لكن في العهد الجديد، الكنيسة هي التي تتحقق فيها هذه الوعود بشكل روحي. والمسيح جاء ليحقق في نفسه النبوات ويكون هو الوسيط النهائي بين الله والبشر، لذلك تحول مفهوم "الشعب المختار" من إسرائيل الجسدية إلى جميع المؤمنين بالمسيح.

هذا التغيير ليس إلغاءً لإسرائيل، بل تكملة للوعد الإلهي الذي بدأ مع إبراهيم. في العهد الجديد، الكنيسة هي التي تعيش في ضوء هذا الوعد وتنتقل إلى العالم بأسره. في هذا السياق، يشير اسحاق إلى رسائل بولس، خصوصًا في رسالة رومية، حيث يوضح بولس كيف أن الكنيسة الجديدة، التي تضم المسيحيين من الأمم، هي الغصن الجديد الذي تم ضمه إلى الشجرة الأصلية (إسرائيل) (رومية 11: 17-24). من خلال هذا الربط، نرى أن الكنيسة هي استمرار للخط الإلهي الذي بدأ مع إسرائيل، لكنها تشمل اليوم كل من يؤمن بالمسيح. منذ بداية رسالة بولس إلى أهل رومية، يُظهر بولس كيف أن الكنيسة الجديدة هي خليفة لإسرائيل في بعض النواحي. وفي رومية 2: 28-29، يقول بولس: لَيْسَ الِانْتِسَابُ إِلَى الإِسْرَائِيلِ جَسَدِيًّا، بَلِ الِانْتِسَابُ هُوَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ، بِالرُّوحِ لَا بِالْحَرْفِ." هذا المقطع يعكس تحولا في الفهم اللاهوتي، حيث أن "الختان الروحي" أصبح هو المعيار في العهد الجديد، ويشير إلى تحول الكنيسة إلى الشعب الجديد الذي يتبع المسيح (إسحق، 2021، ص 118-122).

كما ويناقش كريستوفر رايت مفهوم اختيار الله لإسرائيل، موضحًا أنه لا يتعلق بتمييز خاص أو تفوق عرقي، بل هو جزء أساسي من خطة الله الشاملة لفداء البشرية وإظهار رحمته وعدالته لجميع الأمم. ويرى أيضا أن اختيار إسرائيل لم يكن بناءً على استحقاقهم أو فضيلتهم، بل كان تعبيرًا عن نعمة الله وإرادته السيادية. اختيار إسرائيل كان يحمل في طياته مسؤولية كبيرة؛ إذ دُعيت لتكون "نورًا للأمم"، أي وسيطًا يعكس طبيعة الله وقيمه أمام بقية الشعوب. ويُظهر التاريخ الكتابي أن إسرائيل كانت نموذجًا مصغرًا للبشرية، حيث تتجلى من خلال نجاحاتها وإخفاقاتها كيفية تعامل الله مع الإنسان. كما ويؤكد على أن الاختيار لم يكن غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق وعد الله لإبراهيم بأن "تتبارك فيك جميع أمم الأرض" (تكوين 12: 3). وبذلك يصبح شعب إسرائيل أداة في يد الله لتحقيق مقاصده العالمية، حيث يسعى الله لجذب جميع الشعوب إلى نفسه. وفي النهاية، يجد هذا الاختيار اكتماله في شخص المسيح، الذي يجمع بين الاختيار الخاص والدعوة العالمية. فالمسيح هو الذي يحقق البركة لجميع الشعوب من خلال موته وقيامته، مُوسّعًا مفهوم "شعب الله" ليشمل كل من يؤمن به، بغض النظر عن عرقه أو أمته. وهكذا، نرى هنا فهمًا عميقًا لمفهوم الاختيار، يربط بين نعمة الله ومسؤوليته الملقاة على عاتق شعبه في تحقيق إرادته الخلاصية (رايت، 2018، ص 179-186).

موقف الكنيسة من إسرائيل اليوم: لاهوت الأمل والصراع

عند التطرق لموقف الكنيسة اليوم من إسرائيل كدولة في العصر الحديث، فالكنيسة يجب أن تكون صوتًا للعدالة والسلام، ويجب أن تضع نصب أعينها الشهادة الحية لملكوت الله من خلال التزامها بحماية حقوق الإنسان والعمل على بناء السلام في الشرق الأوسط. مع ذلك، الكنيسة اليوم تواجه تحديات حقيقية في هذا المجال. فالتعاطي مع دولة إسرائيل والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يتطلب موازنة بين الالتزام بالعدالة الاجتماعية وفي نفس الوقت التمسك بالتقاليد الدينية التي ترى أن إسرائيل العهد القديم كانت محورية في الوحي الإلهي. ويبرز ميشيل صباح أهمية الكتاب المقدس كوثيقة إيمانية وروحية تحمل رسالة خلاصيه للبشرية بأكملها، مع التركيز على خصوصية فهمه في السياق الفلسطيني. حيث ينطلق في مقاله من واقع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وما يرافقه من تحديات روحية وإنسانية، ليؤكد أن الكتاب المقدس يجب أن يُقرأ كدعوة للمصالحة والسلام وليس كأداة لدعم النزاعات أو التبرير السياسي (صباح، 2017). ويضيف جمال خضر في مقاله: "نحو قراءة مسيحية فلسطينية للعهد القديم" موضوع قراءة العهد القديم من منظور مسيحي فلسطيني، محاولًا تقديم تفسير يعكس السياق الفلسطيني الراهن، بعيدًا عن التفسيرات السياسية والإيديولوجية التي تستغل نصوص الكتاب المقدس لتبرير الاحتلال أو الظلم. حيث يُؤكد على أن الله هو إله العدل والمحبة لجميع الشعوب، وليس لفئة محددة. كما يشدد على وحدة العهدين القديم والجديد، حيث يجد العهد القديم معناه الكامل في يسوع المسيح. كما ويشير إلى الحاجة لتفسير النصوص المقدسة بروح مسيحانية تُبرز رسائل السلام والعدالة. وينتقد القراءات التي تعطي طابعًا سياسيًا للعهد القديم، والتي تنشأ عن صهيونية دينية أو تأثيرات لاهوتية أوروبية بعد الهولوكوست. ويدعو إلى قراءة النصوص في سياقها التاريخي والروحي، بعيدًا عن التفسيرات التي تبرر الظلم للتأكيد على أن الكتاب المقدس يجب أن يكون مصدر حياة وعدالة لكل الشعوب، وأن قراءته في السياق الفلسطيني هي جزء من النضال من أجل حياة كريمة وعادلة (خضر، 2017).

خاتمة

من خلال هذا المقال، نرى فهمًا لاهوتيًا عميقًا للعلاقة بين الكنيسة اليوم وإسرائيل العهد القديم. الكنيسة هي استمرارية روحية لإسرائيل في العهد القديم، ولكن مع تغيير أساسي: أصبح "الشعب المختار" يتضمن كل من يؤمن بالمسيح، سواء من اليهود أو من الأمم. الكنيسة هي التي تحمل الرسالة الإلهية إلى العالم، وتعيش في ضوء الوعد الذي بدأ مع إسرائيل، ولكن تمم في المسيح. الكنيسة هي امتداد روحي للوعود التي أُعطيت لإسرائيل، ولكنها في الوقت نفسه تحمل رسالة جديدة تجسد ملكوت الله على الأرض. وبالتالي، تدعو الكنيسة إلى العيش بهذه المبادئ في سياقها المعاصر، والعمل على تحقيق العدالة والسلام. كما ونجد أن الكنيسة اليوم تواجه تحديات في التعامل مع العلاقة بين إسرائيل في العهد القديم ودولة إسرائيل المعاصرة. هذه التحديات تشمل كيفية فهم علاقة الكنيسة بالشعب اليهودي دون الوقوع في فخّ الفكر المعادي للسامية أو الفكر السياسي. في هذا السياق، نؤكد على ضرورة تجنب الخلط بين الروحانية والتوجهات السياسية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تكون هذه الجدلية فرصة لتعميق فهم الكنيسة لدورها في التاريخ والعالم المعاصر. من خلال التعاطي مع تاريخ إسرائيل والنظرة المسيحية لها، يمكن للكنيسة أن تصبح أكثر قدرة على تقديم رسالتها بطريقة تحترم كل الشعوب وتنادي بالسلام والمصالحة.


قائمة المراجع 
- إسحق، م. (2021). أرض الميعاد: قراءة لاهوتية ضمن السياق الفلسطيني. بيت لحم، فلسطين: كلية بيت لحم للكتاب المقدس. 
- خضر، ج. (2017). نحو قراءة مسيحية فلسطينية للعهد القديم. في م. إسحق (محرر)، مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني ص. 85-110). بيت لحم، فلسطين: ديار النشر). 
- رايت، ك. (2018). إرسالية شعب الله: لاهوت كتابي لإرسالية الكنيسة هـ. بهيج، مترجم). القاهرة: دار الثقافة). 
- صباح، م. (2017). قراءة الكتاب المقدس اليوم في أرض الكتاب المقدس. في م. إسحق (محرر)، مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني. (بيت لحم، فلسطين: ديار النشر).

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.