صدمة كبيرة لكثيرين هي تلك الحقيقة الدامغة التي تخص كل انسان انه "كائن ابدي". منذ القديم كتب سليمان الحكيم ان الله جعل الابدية في قلب الانسان (جا 3: 11). لكن عدو النفوس اعمى اذهان كثيرين فجعلهم يعيشون حسب المبدأ "لناكل ونشرب لاننا غدا نموت". لكن الله الذي احب الانسان رسم لاجله مشروعا لخلاصه يضمن له "الحياة الابدية"، لانه مكتوب هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية (يو 3: 16).

في هذا العالم لا اكتفاء للانسان. الانسان يشرب ثم يعطش ايضا، ياكل ثم يجوع، يستريح ثم يتعب، يتعافى ثم يمرض، يفرح ثم يحزن وفي نهاية المطاف يقهره الموت فيذهب الى بيته "الابدي". ولان الانسان ذاهب الى بيته الابدي فان احتياجه الحقيقي هو الى شخص يضمن له الحياة بعد مغادرة هذا العالم. الانسان محدود ويخشى من المستقبل لانه لا يعلم ماذا يكون، ويزداد خوفا (بل رُعبا) عندما تقترب النهاية ويموت مغادراً هذا العالم ليذهب الى ابديته. هنا تلمع حاجة الانسان الى الذي يضمن له ليس فقط مستقبله بل وابديته ايضا. 

واحدة من محدوديّات الانسان هي عجزه ان يعرف الله او ان يفهمه. مهما كان ذكاء الانسان فانه محتاج لتجاوب من النبات او الحيوان، او اخيه الانسان لكي يدرس معالمه. اما ان يعرف الله فالانسان عاجز تماما، والامر مرتبط فقط بالله ان يكشف عن ذاته ويعلن للانسان من يكون. مع فارق الارتفاع بين الذي يسكن في اريحا (اكثر الاماكن انخفاضا في العالم) وبين الذي يسكن قمة جبل همالايا (اعلى نقطة في العالم) فان كلاهما يتساويان في العجز عن ان يمدوا اليد ويلمسوا القمر. 

الله في محبته وايضا علمه من نحو عجز الانسان الكامل قرّر ان يأتي الى عالم الانسان ليكون مثله فيصبح مُتاحا للانسان ان يراه ويسمعه ويتلامس معه ويختار ان يكون في شركة حققية معه. هذه هي "حقيقة التجسد" في المسيحية: الله صار جسدا وحلّ بيننا. لا مجال للمساومة في حقيقة التجسد، فاما انها ضلالة ولك الاختيار ان ترفضها او انها حقيقة فحذاري ثم حذاري ان تتجاهلها!

وقد يسأل السائل: لماذا التجسد؟ الم يكم ممكنا لله الذي نتكلم عنه ان يتعامل مع عجز الانسان ومحدوديته بطريقة اخرى؟ السؤال هام ومطلوب، وللاجابة عليه اشير الى بعض الافكار: اولا، لكي يُعلن الله نفسه للانسان (مكتوب: "الله لم يره احد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الاب هو خبر." يو 1: 18). ثانيا، لكي يقدر ان يموت! نعم ان يموت ويفتدي الانسان ("الذي وضع قليلا عن الملائكة، يسوع ..... من اجل الم الموت، لكي يذوق بنعمة الله الموت لاجل كل واحد"، عب 2: 9). اتى يسوع بطريقة مُعجزية من رحم المطوبة مريم العذراء. وُلد في المذود لانه لم يكن لامه مريم ورجلها يوسف مكانا في بيت لينزلا فيه. لكن الاحداث ليست عفويّة، بل تعلمنا عن هذا الطفل انه سيكبر لكي يكون الذبيحة الكاملة التي توفّي دين الانسان المُستعصي نحو عدالة الله (ومن المذود كانت تُؤخذ الذبيحة للتقدمة). ثالثا، لكي يتألم مجرباً ومن ثم يقدر ان يُعين المجربين (عب 2: 18). رابعا، لكي يكون مثالا لنا فنتبع خطواته (1 بط 2: 21).

هذا العمل الالهي العظيم يجعلنا نرنم فرحين، لان الذي اتى الى هذا العالم، يسوع مولود المذود، هو مخلّص العالم. الملائكة ترنّمت ونحن نرنم معها "المجد لله في الاعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة" (لو 2: 14). مُلفت للانتباه ان الذي وُلد في مذود وفي مشهد الفقر والاحتياج والمسكنة هو (وليس سواه) الذي يمجد الله! ثم لننتبه ايضا لترتيب مُحتوى الترنيمة: اولا المجد لله، ثانيا على الارض السلام وثالثا بالناس المسرة. لا مسرة للناس بدون حلول السلام، ولا سلام بدون ان ياخذ الله المجد من سكان الارض.

عيد ميلاد مجيد، فيه نختبر نور المسيح في قلوبنا وحياتنا فنضمن الحياة الفضلى هنا والحياة الابدية في بيت الاب- امين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا