المسافرون إلى الأبدية....

إن المسافرين إلى الأبدية في هذه الأيام هم كثيرون كثيرون ربما أكثر من أي وقت مضى إن جاز لنا أن نقول هذا.
14 أكتوبر - 14:30 بتوقيت القدس
المسافرون إلى الأبدية....

نستيقظ كل يوم على اخبار تكسر القلب عن انتقال احد الأحباء من هنا أو هناك، صغيرا كان أو كبيرا، طفلا كان او شابا يانعا، شيخا كان أو كهلا، بداعي مرض أو بدون، أو بكورونا التي صارت ولا تزال تحصد الكثيرين في هذه الأيام، وصارت رائحة الموت  تفوح من حولنا في كل مكان، وما بين حزن للفراق يكسر القلب، او وعظ حقيقي (وإن كان لا يغني عن التعاطف وتقدير المشاعر المتألمة والمجروحة!)عن سعادة أولئك الذين مضوا عنا ليكونوا مع الرب، او آخرين كانت حياتهم قد انقضت فأغلق امامهم باب العودة والتوبة والرجوع، فمضوا لمكان ما كنا نتمناه لهم، ومع حزننا عليهم ما بات شيء بأيدينا لنعمله إلا مرارة في الحلق ووخزة بالقلب أو تأنيب للضمير، لعلنا كنا قد قصرنا معهم او تقاعسنا عن مشاركتهم بإنجيل المسيح وطريق الخلاص، او خوفا علينا نحن انفسنا إن كنا غير ساهرين ولا مستعدين، فتختلط الأوراق وترتبك الأمور، ولذلك مقال اخر ومقالة أخرى انما أنا أقول بعبارة واحدة ليتنا نكون مستعدين، واركز حديثي الباقي عن أولئك "المسافرون إلى الأبدية".

والمسافرون إلى الأبدية كما كان يحدث في كل زمان ومكان، هم يمثلون تشكيلة وتنويعة شديدة التباين، والتنوع، والاختلاف، والتفرد. فهم يختلفون في السن، والجنس، والعمر، واللون، والدين والعرق، والثقافة، والخلفية.

والمسافرون إلى الأبدية عادة وبكل أسف لا تسمح لهم ظروفهم واوقاتهم أن يعدوا العدة للسفر مثلما كانوا يريدون ومثلما كان ينبغي عليهم أن يعملوا، لا سيما أن هذه الرحلة تختلف اختلافا جذريا عن كل سفرياتهم ورحلاتهم التي كانوا قد سافروها قبلا، ليس فقط لعظمتها، ولا لهولها عند البعض، لكن فوق هذا كله فهي رحلة الاتجاه الواحد، رحلة اللاعودة واللا رجوع!!

والمسافرون إلى الأبدية كما هو معروف لا يحملون معهم من متاع الدنيا ولا غناها الباطل ومن لا ثرائها المؤقت والفاني شيئا، إنما هم يمضون كما كانوا قد خرجوا من بطون أمهاتهم، يستوي في ذلك الغني والفقير، والقصي والدني، والعظيم والحقير.

والمسافرون إلى الأبدية يحملون لنا رسائل تحذير وانذار قوية وشديدة اللهجة ان استعدوا جيدا لهذه الرحلة التي لا بد لكل واحد منا ان يذهب فيها سواء رغب او لم يرغب، وسواء كان مستعدا استعدادا جيدا لها او لم يكن مستعدا على الاطلاق، فالكل لا مناص ماض إليها، إنها مسألة وقت لا أكثر!!

والمسافرون إلى الأبدية قد يركبون في ذهابهم وسائل مواصلات وانتقال معتادة لنا (ليست بغرض السفر للأبدية طبعا مع أن هذا هو ما قد يحدث أحيانا) مثل السيارات، أو القطارات، أو السفن والبواخر، أو أي وسائل أخرى معتادة، بينما البعض قد يغادرون بوسائل أخرى غير عادية وغير متوقعة من دون تخطيط أو توقع او انتظار، كالحوادث مثلا أو العوارض الصحية الخطيرة التي قد تحدث فجأة من دون توقع أو انتظار، فلا يدري عنها أحد شيئا ولا حتى الشخص نفسه أحيانا، فهم لا يختارون لا زمانا زلا مكانا للمغادرة، وقد قالوا قديما إنه قد تتعدد وتتنوع وسائل الرحيل وتختلف عند البشر لكن النتيجة النهائية والمحصلة العامة هي أننا جميعا راحلون.
والمسافرون إلى الأبدية لا تكون وجتهم ولا محطة وصولهم واستقرارهم النهائية حتما واحدة، بل في هذا الأمر توجد محطتان فقط للوصول واحدة وجهتها السماء حيث مسكن الله والملائكة مع القديسين الأبرار والأطهار، والأخرى وجهتها جهنم حيث النار الأبدية التي قد أعدت لإبليس وأتباعه. والمسافرون إلى الأبدية لا تكون لديهم أي فرصة بعد مغادرتهم لهذه الدنيا لتغيير خطة سيرهم أو محطة وصولهم، فهم ما إن تنتهي رحلة حياتهم على الأرض إلا ويكون الباب قد اغلق أمامهم للتغيير أو التعديل. 

والمسافرون إلى الأبدية الذين يمضون في طريقهم إلى جهنم قد لا يكونوا بالضرورة من أشر الأشرار وأقسى العتاة والمجرمين، لكنك قد تجد ممن بينهم بعض من كانوا متدينين يواظبون على أماكن العبادة ويعملون الخير ولا يفوتون فرضا، أو طقسا، أو صوما، أو عيدا، بل منهم من كانوا ربما يعظون ويحثون الناس على التوبة والرجوع! منهم من هم خادعون ومخادعون للآخرين ومنهم من هم قد خدعوا أنفسهم، لكن ما سيتفق فيه كل من يذهبون لهذا الطريق البشع في كونهم قد أخذوا الفرصة كاملة ليعرفوا الرب ويتبعوه، لكنهم بإرادتهم أو بتكاسلهم وتهاونهم أو بتأجيلهم أو بحساباتهم الخاطئة طانوا قد أضاعوا الفرصة تلو الفرصة في قبول الرب مخلصا شخصيا لحياتهم وفي تبعيته التبعية اللازمة والواجبة، لذلك فإن صلواتنا لأجلهم او أدعيتنا وطلبنا الرحمة لهم لا تفيدهم بأي شيء لأن مكان بقائهم سيكون قد قرر تحديدا بالفعل، بناء على اختياراتهم هم! 

لكنك قد تستغرب أيضا عزيزي القارئ إن قلت لك إن أولئك الذين سيغادرون في طريقهم للسماء لن يكونوا بأي حال من الأحوال أفضل أو أنقي أو أقدس أو أخير من سكان جهنم، بل ومما لا شك فيه إننا سنجد هناك من هم كانوا أسوأ بكثير، ففي السماء سنقابل زكا اللص والزانية الفاجرة وشاول القاتل والمجدلية التي سكنها الشياطين والسامرية التي كانت منحرفة سيئة السمعة واللص الذي كان مصلوبا جوار يسوع على الصليب الذي قضى حياته كلها في الشر والخطية حتى استحق أن يعاقب بأشد عقوبة كانت تحكم بها الامبراطورية الرومانية في ذلك الوقت على أعتى المجرمين ألا وهي الموت معلقا على خشبة! وغيرهم الكثيرين والكثيرين لكن فرقا جوهريا وحدثا هائلا يكون قد تم فنقلهم تلك النقلة الأبدية الهائلة من الجحيم إلى السماء. 

وهذا الجدث هو الذي صنع هذا الفرق الهائل وأرجو أن تلتفت لكلامي جيدا عزيزي القارئ لأنه مهم جدا. هذا الحدث إنما هو ولادتهم الولادة الثانية من السماء وقبولهم لعمل المسيح الكفاري من أجلهم على الصليب. إنها النعمة وعملها في القلب، ليست عن أفضلية ولا استحقاق إنما قبول المسيح وسكناه بالقلب إنما هو يصنع الفرق ويفتح الباب بيننا وبين الله ويتمم لنا خدمة التبرير والمصالحة ومن ثم ننتقل لنكون من سكان السماء، لا على سبيل عمل صالح عملناه ولا بر واستحقاق فينا انما هو بر المسيح وعمل المسيح من أجلنا. 

والمسافرون إلى الأبدية لن يكون بمقدورنا مقابلتهم ثانية على الأرض إذ قد مضوا لعالم روحاني آخر، نحن نذهب إليهم لكنهم لا يعودون إلينا. ولكننا سيكون بمقدورنا أن نقابلهم في الأبدية إن كان سيدنا هو سيدهم وإن كنا نمضي لنفس المكان الذي كانوا قد سبقونا إليه خيرا كان أم شرا؟

إن السفر للأبدية لا بد أن يكون موضوعا شاغلا لنا إذ أن له أهمية قصوى تتطلب منا أن نفكر فيه ونستعد له مع أننا ما أقل ما نفعل إذ تلهينا الدنيا بمتاعبها وشرورها عن أن نفكر ونستعد ليوم سفرنا، وما الأهم من ذلك اليوم لنفكر فيه ونستعد له.

ولأن وجهتنا في يوم سفرنا إلى الأبدية تتحدد من هنا من أثناء وجودنا على الأرض، وهي تتحدد كما قلنا سابقا بناء على قراراتنا واختياراتنا وسلوكياتنا وأعمالنا ودواخل قلوبنا وخفيّاتنا وما يدور فيها، فإن علينا أن نواصل الصلاة وقراءة الكلمة المقدسة والقرب من الله وممارسة وسائط النعمة التي تأتي بنا أخيرا للطريق الآمن الرائع بوصولنا للبيت الأبدي في السماء مع الرب ومع كل محبيه. 

عزيزي القارئ، لا تقامر بأبديتك، ولا تهلك نفسك الثمينة الغالية الخالدة التي لأجلها مات المسيح ليفتديها. الفرصة مازالت أمامك فأرجوك لا تضيعها. صل واطلب الرب ليملك على حياتك وهو سيسمع لك وإن كان حديثي أثار عندك أسئلة ففكر فيها واسأل واطلب المعرفة. صلاتي لعزاء قلبي من عند الرب لكل من يفقدون الأحباء، وامنية قلبي أن نستعد جميعا لنتقابل مع الرب في السماء والرب يباركك. آمين

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا