العيش في البريّة!!

ماذا نقول عن انسان تتحول عنده الوسيلة إلى غاية والاهداف المرحلية القصيرة لأهداف نهائية وختامية؟!
23 أغسطس - 18:17 بتوقيت القدس
العيش في البريّة!!

ماذا نقول لو ان تلميذا او لنقل طالبا حلم ان ينال شهادته المتوسطة او العليا في طريق بلوغه لحياة افضل وتحقيقه لمستقبل اروع واعظم فإذا به بدلا من ان يفرح ويسعى ويجتهد اكثر عند نواله شهادته العليا، ينسى او يتناسى ـ لسبب او لآخر ـ الهدف القمة ويكتفي بنوال شهادته المتوسطة كانت او العليا فتتوقف بعدها حياته وطموحاته وكأن ذلك كان هو غاية المُنى وقمة الأماني؟! إن هذا بعينه هو ما حدث مع شعب الله في القديم وهو ذاته ما يحدث مرارا كثيرة بحياتنا نحن أيضا اليوم ونحن غير مدركين او مبالين!!

لقد أخرج الله شعبه من أرض مصر بذراع قديرة رأوها، وشهد بروعتها الأعداء أيضا قبل الأصدقاء! وكانت خطّة الله أن يخرج الشعب من مصر لغرض واحد فقط، أعلن عنه بوضوح مرارا كثيرة بفم موسى وهارون أمام فرعون: "اطلق شعبي ليعبُدوني!!" كانت رؤية الله وخطّته ــ وما تزال دوما ـ واضحة وخيّرة وصالحة. أراد الله للشعب أن يتحرّر من العبوديّة للأماكن وللأشياء وللبشر وللعادات والتقاليد والأعراف والمذاهب و.......، ليصير حُرّا وملكا لله وحده، حينئذ يكون بمقدوره أن يتفرّغ لعبادة الله  من كل القلبوأن يتمتع بشركة خاصة من نوع فريد ومتميز مع إلهه. وأعدّ الله الخطة كاملة وأعد الأرض الصالحة لشعبه كي يُهيّيء لهم راحة وجوّا يصلح للعبادة ومعرفة الرب.

هكذا كانت الخطة، وهي لنا اليوم أيضا كذلك!
لكن ماذا عمل الشعب، وماذا تُرانا نحن نعمل؟!
لقد أفسد الشعب ـ على أنفسهم ـ ما كان بقلب الله تجاههم، وحولوا نعم الله وارادته الصالحة لهم لأعباء ومتاعب ليس لها حدا ولم تكن بخطة الله لهم مطلقا ولم يصنعها الله بل هم صنعوها لانفسهم بقساوة قلوبهم فحولوا البرة إلى لعنة! 
كانت الرحلة في البريّة تلزمها أيّاّما معدودة لبلوغ أرض الموعد المُقرّرة لهم. لكن ماذا تُراهم فعلوا؟ لقد زاغوا، انحرفوا، ضلُّوا الطريق، عصوا وتمرّدوا ونسوا أمانة الله معهم. وهو، الذي كان قد أعانهم وأعالهم وقادهم في البريّة، وأطعمهم وسقاهم وباركهم و........ وما أبعد الفارق بين ما عمل هو معهم، وما عملوه هم في المقابل معه!!
وماذا كانت النتيجة؟!
لقد ماتوا، نعم، ماتوا جميعهم في البريّة ولم يدخلوا أرض الموعد، لكن الله في رحمته، لم يحنث بوعوده لهم قط، فقد أعطى الأرض لأولادهم، أمّا عنهم هُم، يقول الرسول بولس:"... بأكثرهم لم يُسرّ الله لأنّهُم طُرحوا في القفر..." (1 كو 9 : 5).

كانت خطّة الله لرحلة البريّة هى الاستثناء، لكنّهم جعلوها نهاية رحلتهم ومُستقرّهم ومحطّة وصولهم النهائيّة، بعد أن كانت هي أيضا طريق ومشوار العُمر كلّه بالنسبة لهم!!! والاكثر من ذلك ان كان كل طريقهم في البرية انات واهات وتذمرات وتمرد على الله وشوق وحنين لارض مصر ولأيام الذل وحياة العبودية التي عاشوا فيها، هذا كله برغم ما عمله الله معهم من عجائب ومعجزات واحسانات لا تعد ولا تحصى من يوم خروجهم من ارض مصر بضربات لفرعون وجنوده وللمصريين وسادتهم. نعم طالت رحلة البرية لكن الله لم يتركهم ولا لحظة واحة فيها. نعم كان جفاف لكنه اخرج لهم من صخرة صوان. نعم كان جوع لكنه اعطاهم منّا سماويا. نعم كانت هناك مخاطر من وحوش البرية لكنه أعطاهم حفظا وقيادة وحماية سماوية طوال المشوار. نعم كان ظلاما لكنه قادهم بالسحاب وبعمود النور والنار. حتى ثيابهم لم تبل عليهم طوال تلك الرحلة التي طالت لسنين عديدة . وكل هذا قد كتب لتعليمنا وانذارنا نحن ابضا كي لا نحذو حذوهم ونرتكب أخطاءهم بحق إلهنا وانفسنا!.....

ألا يحقّ لنا نحن اليوم أيضا أن نتساءل إن كُنّا نحيا وفق خطّة الله الصالحة لحياتنا؟! ان ندرك انه ما أبعد الفارق كذلك عمّا يعمله هو معنا، وما نعمل نحن أيضا اليوم معه!!! وما امرض وما اقسى قلوبنا مثلنا تماما مثل ابائنا!

واليوم نحن ايضا عزيزي القارىء نقف في نفس مفترق الطرق وتعرض علينا نفس الاختيارات والقرارات. ان نُسرع الخُطى بأيام حياتنا القصيرة على الارض ساعين ومتطلعين ومشتاقين وباذلين كل اجتهاد لنعيش على مستوى حياة الملكوت السماوية والارض الجديدة الروحية التي اعدها الله لاتقيائه ليسكنوا فيها، او ان نظل قابعين راضين بحياة البرية بكل ما فيها من حر وقحط وجفاف وذبولة ومرار.

آه يا صديقي، كم البريّة مُرة، وكم الشمس فيها حارقة وبها قيود المخاوف والمخاطر تُحيط بنا  فيها من كل مكان. ما أبعد شقاء البريّة عن نعيم أرض الموعد!! ان اولئك الذين طالت بهم الاقامة في البرية اعتادوها واستكانوا بها وارتضوها مسكنا ابديا لهم ففقدوا الرؤية وفقدوا الهدف وفقدوا التوجُّه السليم ففقدوا بذلك ايضا كل معنى وكل طعم للحياة لكنّنا نحن اليوم ايضا نكرر نفس الاخطاء، كم من المرّات نهوى العيش في البريّة، فلا تجدنا نتطلّع لأرض الموعد والأمل والرجاء والبركات!!

لقد ارتضينا الصحراء وبريّة الحياة كمكان إقامة وغاية ومُستقرّ لنا. ولم تكن تلك هي خطة الله لحياتنا بأي حال من الاحوال!!

إذا ليسأل كل منّا نفسه، هل أنا أسعى لأرض جديدة، أم أنّني اعتدت العيش في القفر حيث الشمس الحارقة والجفاف والموت يملأ الأرجاء؟!

عزيزي القارىء، لم يخطط الله للبرية ان تكون مستقرنا ومنتهانا لكن من يختار ذلك فسيكون له ما يريد ويكون قد جنى على نفسه بنفسه. إياك ان تتخذ البرية مسكنا دائما لك بل تطلع للسماويات. ليتنا نرفض العيش في البريّة وكفانا ما مضى وما ضاع من عُمرنا، ليتنا نلحق البقيّة الباقية من سنيّ حياتنا، فنُسرع الخُطى ونُقلّل أيّام بريّة الفتور في حاضرنا، نقترب من الله بحقّ، فننهل من نبعه ونحيا الحياة الرائعة والفائضة، حياة الأرض الجديدة.

نعم عزيزي القارىء يدعوك الرب لأرض جديدة سماوية فائضة ومباركة فلا تفوتها فتندم بل اقبلها من يده وانعم وتمتع بها. آمين.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا