تركت راعوث اهلها وبلدها والتصقت بنعمي وشعب نعمي، بل وقبل كل اعتبار التصقت بالإله الحيّ الحقيقي.

كان الوضع الاجتماعي والاقتصادي لنعمي وراعوث صعب جدًا، بعد ان رجعتا من ارض موآب الى بيت لحم.

لكن راعوث لم تستسلم لهذه الظروف والصعوبات، بل بكل نشاط طلبت من نعمي ان تذهب الى الحقل لكي تلتقط سنابل وراء من تجد نعمة في عينيه.

لم تستسلم راعوث للظروف الصعبة والتحديات، ولم تهتم بكلام الناس وماذا يقولون عنها، بل خرجت الى الحقل ولكن ليس قبل ان تُخبِر وتستشير نعمي.

هل ننحني نحن امام الظروف الصعبة وتحديات الحياة، ام نُشدد ايدينا لكي نخرج الى العمل الذي دعانا الله ان نُكمله، بقوة يمنحها لنا هو ولمجد اسمه؟

وقبل الخروج للعمل ان كان ارضي او روحي، هل نستشير الاخوة، الاهل وخدام الكنيسة، قبل ان نبدأ باي عمل، لانه كما يُعلمنا كثيرًا كتاب الامثال انه في المشورة قوة ونجاح.

خرجت راعوث الى الحقل بعد ان اخبرت نعمي، واتفق نصيبها في قطعة حقل بوعز.
من الممكن ان نقول انها كانت الصدفة في هذا اللقاء، لكني على يقين ان الله يعرف عن كل واحد منا ادق الامور، بل ويعرف كل شيء عنا ودوافعنا القلبية نحوه، وهو الذي يُرتِب الافضل لنا من خلال المشورة الصالحة، من خلال اعلان كلمة الله بالصلاة، اعلان الروح القدس بشكل مباشر لقلوبنا بما هو الافضل لنا، او من خلال احداث الحياة كما حصل مع راعوث، لان بيد الرب كل السلطان ان يجعل كل الامور تسير للافضل للذين يحبونه. وهذا ما نقرأه في الاصحاح الثاني من كتاب راعوث، عن هذا اللقاء المبارك الذي جمع راعوث ببوعز.

مِمَن نطلب المعونة نحن خاصة في هذه الايام الصعبة؟ حيث لا يوجد يقين لما سوف يكون في المستقبل القريب وربما البعيد ايضًا، نطلب المعونة من البشر وذراع البشر ام مُتَّكلنا الاول والاخير هو رب المجد يسوع المسيح، الذي بيده كل سلطان وايضًا نفوسنا وارواحنا؟

انا لا اقول ان نستهتر بالسلطة وان لا نخضع لمن هم في منصب بل بالعكس، لانه من الممكن ان يرتب الرب المعونة والمخرج كما شاء هو وحسب خطته، كما فعل في ايام عزرا ووضع في قلب كورش معونة شعب الرب.

فهل نقول نحن دائمًا اننا لسنا بحاجة معونة احد؟
حتى معونة الاخوة في الكنيسة او ربما صديق او جار.

من الممكن ان يستخدم الرب من هم في منصب لمجد اسمه ولتتميم مشيئته، واحيانًا الاطباء للشفاء، لكن المجد يعود دائمًا له وحده، لانه هو المستحق وحده لانه الاله الحقيقي وحده لا غير، وطوبى لمن اتكل عليه، وملعون كل من اتكل على ذراع البشر.

كما نقرأ في نفس الاصحاح ان بوعز (اي القوة) هو الذي بادر وسأل عن الفتاة راعوث، هكذا الرب، كان هو الاول الذي بادر بالعلاقة المقدسة مع كل واحد منا، ونحن نحبه لانه هو احبنا اولًا.

وكما دعى بوعز راعوث ان تبقى في حقله وان تعمل مع فتياته، هكذا دعانا الرب وما زال يدعوا ان نعمل في حقله هو وحده، وان لا ننشغل في حقول كثيرة اخرى، التي من الممكن ان تُشوش حياتنا الروحية وتفقدنا بركات سماوية كثيرة، بل علينا ان نبقى في حقل بوعز، حقل الرب، وان نلازم فتيات بوعز، بمعنى ان نلازم كل من يدعونا الرب ان نكون معه في شركة مقدسة، لانه حيث الجثة فهناك تجتمع النسور، وحيث يُرفع اسم الرب وحده هناك يجتمع الاخوة معًا للتسبيح وللخدمة في الحقل المقدس.

وكيف كان رد فعل راعوث؟ التردد والخوف والشك، ام الطاعة الكاملة والتسليم الكلي؟
صلاتي ان نسمع صوت الرب وان نطيع من كل القلب، وكما قالت راعوث لبوعز:
"كيف وجدت نعمة في عينيك حتى تنظر  الي وانا غريبة".

هذا هو صوت وتعبير كل من يدعوه الرب بان يتبعه ويخدمه، ليس صوت الاستحقاق والكبرياء، بل الشعور القلبي بنعمة الرب الكبيرة نحونا جميعًا، باننا غير مستحقين خلاص الرب وبركاته، وان نُدعى خدام وخادمات للرب الاله، كما شعر موسى انه غير قادر على اخراج الشعب من مصر، او جدعون بهزيمة المديانيين، ومريم ام الرب التي قالت بكل تواضع انها أمة للرب، وقائد المئة الذي لم يحسب نفسه مستحق ان يدخل الرب الى بيته، وبطرس ان يدخل الرب الى سفينته، وبولس الذي حسب نفسه اول الخطاة.

هل نشعر نحن بالاستحقاق بأن نُدعى اولاد الله المخلصين، هل نخدم الرب بكل تواضع ووداعة القلب ام كمن يسود على المناصب وللربح القبيح!؟

نتأمل في كلام راعوث التي قالت انها غريبة، وهي التي وجدت نعمة في عيني بوعز، كم بالحري نحن يجب علينا ان ندرك هذه النعمة المباركة، وان نحياها كل يوم لمجد الرب، لاننا نحن ايضًا غرباء ونزلاء على هذه الارض، لان ايامنا على هذه الارض قليلة جدًا اذا نظرنا وتأملنا في الابدية التي تنتظرنا مع الرب يسوع.

وكما انتظر ابراهيم اورشليم السماوية، ولم يتعلق بالامور الارضية، علينا نحن ايضًا ان نثبت انظارنا نحو اورشليم السماوية، التي خالقها وباريها الله القدوس.

كان رد بوعز على سؤال راعوث انه أُخبِر بكل ما فعلت بحماتها بعد موت رجلها، حتى تركت اباها وامها وارض مولدها وسارت الى شعب لم تعرفه من قبل.

هذه هي الشهادة الحسنة التي سمع بها بوعز عن راعوث، وعلى كل واحد منا ان يجتهد بان يكون صاحب شهادة حسنة لمجد الرب الاله، حتى لو كلفنا الامر ان نترك الاب والام والارض، لانه من احب ابًا او امًا او ابنًا او اي شخص او شيء آخر اكثر من الرب، فهو لا يستحقه، بل يجب علينا ان نحسب كل شيء نفاية من اجل ان نعرف ونربح المسيح.

وكما تنبأ بوعز لراعوث بان الرب سوف يُكافىء عملها، وليكن اجرها كاملًا من عند الرب إله اسرائيل الذي جائت لكي تحتمي تحت جناحيه (راعوث 12:2)، هذا هو  نصيب كل مؤمن يترك كل شيء، لكي يتبع الخروف (يسوع المسيح) حيثما ذهب، وهذه هي البركة التي اعدها الرب للكنيسة عروسه، اذا احبت الرب عريسها حتى النهاية، وخدمته بقلب متواضع وصادق.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا