نقرأ في نهاية كتاب القضاة، انه في تلك الأيام لم يكن ملك في اسرائيل، كل واحد عمل ما حسن في عينيه، لانه في هذه الفترة وخاصة بعد موت يشوع، قام جيل آخر لا يعرف الرب، وفعل بنو أسرائيل الشَّر في عيني الرب وعبدوا البعليم، وتركوا الرب أِله آبائهم الذي أخرجهم من ارض مصر.

وكان الرب يُقيم قاضي للشعب عندما كان يضيق بهم الامر ويصرخوا للرب الههم، والرب كان يستجيب لهم بمخلص وقاضي لهم.

وفي كتاب راعوث المرأة الموآبية، نقرأ انه في حُكم القضاة صار جوعٌ في الارض، فذهب رجل من بيت لحم يهوذا ليتغرَّب في بلاد موآب هو وامرأته وابناه.

هذا الرجل واسمه اليمالك (المعنى لاسمه الله ملك)، ترك ارض يهوذا وبيت لحم وذهب الى موآب، ترك ارض يهوذا، ارض التسبيح والحمد للرب، ترك بيت لحم اي بيت الخبز ليتغرب في ارض موآب، ونحن نسأل هل استشار اليمالك الرب قبل ان يترك ارض التسبيح وبيت الخبز، ويذهب الى ارض موآب؟ ان كان اسم هذا الرجل الله ملك، ألم يجب عليه ان يسأل مشورة من فم الرب، قبل ان يقوم بهذه الخطوة وهذا القرار، الذي كلَّفه حياته وحياة ابنيه محلون وكليون (المرض والفناء) اللذين ماتا بعد زواجهما من امراتين موآبيتين، لان البعد عن الرب ومشورة الرب، لا بد ان تؤدي الى المرض الروحي حتى الفناء، في حياة كل مؤمن يبتعد عن الرب وعن حياة الشركة المقدسة مع الاخوة.

لا نستغرب من هذا الجوع في ارض بيت لحم يهوذا، لان الخطية والبعد عن الرب مُكلف وخطير جدًا، ولا نستغرب ان نعمي امرأة اليمالك فقدت زوجها وابنيها، هذه المنعم عليها والمسرورة في ارض يهوذا (نعمي اي مسرتي) اصبحت ارملة وفقيرة ومحتاجة جدًا، حتى انها بعد عودتها الى بيت لحم بعد عشر سنين، قالت لاهل بلدتها:
"لا تدعوني نعمي بل ادعوني مُرَّة، لان القدير قد أمرَّني جدًا، اني ذهبت مُمتلئة وارجعني الرب فارغة. لماذا تدعوني نعمي، والرب قد اذلني والقدير قد كسَّرني؟".

ألم يتعلم اليمالك ونعمي من اختبار ابرام، عندما كان الجوع شديد في الارض ونزل الى ارض مصر دون مشورة الرب، وكيف عرض امراته ساراي لخطر المصريين وربما حياته ايضا؟ لكن ابرام وساراي بعد الاختبار المبارك مع الرب الإله وطاعة الايمان، اصبحا ابراهيم وسارة ونالوا البركات العظيمة بعدها.

من الممكن ان يسمح الرب للتجارب والصعوبات وحتى المرض، في حياة المؤمن الذي ابتعد عنه، واحيانا ايضا في حياة الخدام الامناء مثل ايوب وداود وبولس وبطرس، لكن عند الرب الهنا للموت مخارج، وهو لا يرضى بموت احد او الابتعاد عنه، بل ان يُقبل الجميع اليه بتوبة حقيقية، لكي يختفي البِر الذاتي الذي كان في حياة ايوب، ولكي يتعلم بولس الرسول تواضع المسيح، وايضا لكي نتعلم نحن اليوم عدم اتخاذ قرارات سريعة دون مشورة الرب، ونتذمر مثل نعمي ونلوم الرب بكل ما يصيبنا، كانه بالفعل الرب هو الذي "يُمرمِر" حياة الانسان او المؤمن، وننسى ان للرب فقط افكار سلام نحو شعبه، لكي يعطينا آخرة ورجاء (ارميا 11:29).

لكن نحن نعلم ان إلهنا مُحب وصالح، ولا يتعامل معنا حسب جهلنا وضعف ايماننا، لكنه إله الفُرص والتعويضات.

وهذا ما نقرأه في كتاب راعوث 6:1، بانه قامت نعمي وكنتاها، ورجعت من بلاد موآب ، لانها سمعت من بلاد موآب ان الرب افتقد شعبه ليعطيهم خبزًا.

ان كنا قد ابتعدنا عن الرب وضللنا الطريق، فما زال الرب ينادي للرجوع اليه من بلاد موآب والسبي الروحي وحياة الخطية، لنقوم مثل نعمي ونرجع الى بيت لحم، الى بيت الخبز الروحي، بيت الآب والشبع الحقيقي بالرب يسوع المسيح، تاركين حياة الخطية والشر والعالم، ولكي نكون نحن بدورنا قدوة حسنة وشهادة مباركة كما كانت نعمي لكنتيها، مع كل التحديات والصعوبات وخيبات الامل، الا انها طاعت صوت الرب والدعوة للرجوع لارضها، وهي بنفسها كانت سبب بركة كبيرة لحياة راعوث كنتها التي التصقت بنعمي غير عُرفة، التي عادت الى شعبها وآلهتها، اما راعوث فرفضت الانفصال عن نعمي وقالت:
"لا تلحي علي ان اتركك وارجع عنك، لانه حيثما ذهبت اذهب وحيثما بِتِّ أبيت، شعبكِ شعبي والهكِ الهي".

ما اروع وما اجمل راعوث في قرارها الحكيم والمُكلف، ضحَّت بشبابها وذهبت مع نعمي الى مكان لا تعرف عنه شيء، وهي ارملة، فقيرة وغريبة الجنس، وبدون اي ضمان لمستقبلها... تركت ارضها وعشيرتها واهلها والتصقت بنعمي، بل بإله نعمي، كما فعل ابراهيم الذي ترك هو ايضا ارضه وعشيرته واهل بيته وتبع الرب من كل قلبه.

هذا ليس معناه ان نترك اهلنا وبلادنا ودورنا في مجتمعاتنا بل بالعكس، لكن الوصية هي ان يكون الرب هو الاول، حتى قبل الاب والام والاولاد... قبل العِلم والعمل والخدمة.

هذا هو الايمان الذي يضحي بأمور الجسد لكي يربح حياة الروح، وكيف ان نعمي لم تُجبِر عرفة وراعوث بالبقاء معها بالقوة والاجبار، هكذا الله يعطينا حرية الاختيار بأن نتبعه او نرفضه، اما ان نطلب الله ونسير معه وننال الحياة والبركة، او بعيدًا عنه حيث اللعنة والموت! 

فماذا نختار نحن اليوم؟ اي طريق نسير؟ البعد عن الله او الاقتراب إليه لننال الحياة والبركة، لان صوت الرب ما زال ينادي: 
"قد جعلت قدَّامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا انت ونسلك، اذ تُحِب الرب الهك وتسمع لصوته وتلتصق به، لانه هو حياتك".

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا