يوحنا الحبيب هو الذي كتب لنا اخر الكلام في الانجيل ناقلا ايانا الى السكنى في الحالة الابدية. ربما في هذه الايام التي يعيث فيها فيروس الكورونا عبثا وفسادا وموتا في كل الارض، نافع لنا جميعا ان نتذكر موطننا السماوي والسكنى في الحالة الابدية.

يقول يوحنا: "ثم رايت سماء جديدة وارضا جديدة، لأن السماء الاولى والارض الاولى مضتا، والبحر لا يوجد في ما بعد" (رؤ 21: 1).

كثيرا ما تسائل المؤمنون عن صفات السماء الجديدة والارض الجديدة، ولذلك اشارككم ببعض الافكار لتعزيتنا جميعا. 
اولا، لا شك أن السماء الجديدة هي للقديسين السماويين، والأرض الجديدة هي للقديسين الأرضيين. القديسون السماويون هم الكنيسة (التي هي جسد المسيح) ولذلك سنكون معه حيثما يكون هو. القديسون الارضيون هم رعايا الملك الألفي الذين حكم عليهم المسيح ملكه الالفي السعيد. في الأبدية سيستمر التمييز بين شعب الله السماوي وشعبه الأرضي، مع أنهما سيكونان في صلة قريبة من بعضهما.

ثانيا، السماء الجديدة هي بخلاف "سماء السماوات" التي هي مسكن الله. ففي الحالة الأبدية "سماء جديدة" و"أرض جديدة"، لانه كل شيء أيضاً "جديدا". هذا الجديد الذي يميز الابدية هو بلا تغييرات ولا تدبيرات فيما بعد، بل حالة أبدية، ثابتة، كاملة ومستقرة.

ثالثا، الأرض "الجديدة" ليس فيها حدود جغرافية ولا أمم وشعوب! لأن كل الحدود والفواصل الحاضرة تكون قد انتهت، وستعم البركة السماء الجديدة والأرض الجديدة اللتين تتجاوبان معاً، وكل ما فيهما يعلن أن "الله نور" وان "الله محبة".

رابعا، يوحنا يكتب ان "السماء الأولى والأرض الأولى مضتا". بطرس يكتب ان السموات تزول بضجيج والعناصر ستنحل وستحترق الأرض والمصنوعات التي فيها. لكن هذا الزوال وهذا الانحلال للارض الاولى والسماء الاولى لا يعني فناء المادة واضمحلالها لان المادة لا تفنى. لكن الله سيصنع "كل شيء جديداً" من ذات ذرات المادة ولكن بتركيبة جديدة. القول السماء "الأولى" والأرض "الأولى" هو بالمباينة مع السماء "الجديدة" والأرض "الجديدة".

خامسا، يوحنا يعلن لنا: "البحر لا يوجد في ما بعد". ماذا يقصد؟ رمزيا ام حرفيا؟ ام كلاهما؟ بداية اشير الى ان البحر يرمز للاضطراب وعدم الاستقرار (نرى هذا في امواجه الصاخبة وعدم هدوئه). في الابدية لن يكون اضطراب او اي حالة من عدم الاستقرار، بل بالعكس تماما (سلام الله الذي يفوق كل عقل). لذلك "البحر لا يوجد في ما بعد".

سادسا، البحر في ارضنا هو الفاصل الذي يُبعد الأماكن عن بعضها البعض. لكن في الأبدية لا بُعد ولا جفاء، بل شركة قريبة ودائمة. لذلك "البحر لا يوجد في ما بعد".

سابعا، الماء المأخوذ من البحر (بالتّبخر) هو المطر الذي يروي الارض وهو ضروري للحياة على الأرض كلها. لكن في الابدية، الله نفسه هو مصدر ونبع كل شيء نحتاجه، سماويون ام ارضيون. لذلك "البحر لا يوجد في ما بعد".

ثامنا، في الملك الألفي السعيد البحر موجوداً وايضا هناك أمم. لكن في الحالة الأبدية لا توجد أمم, بل الله و"الناس" (صنف واحد: الخليقة الجديدة). لذلك "البحر لا يوجد في ما بعد".

تاسعا، يوجد من يتسائل: هل في الارض الجديدة (في حالتها الابدية) سيكون بحر (حرفيا)؟ انا اميل للاجابة بالنفي، لانه في الارض الجديدة (في حالتها الابدية) لن يكون فواصل! بل الارض وحدة واحدة يسكن فيها الشعب الارضي في حالته الابدية كرعايا الملك.

عاشرا، اختم بتشبيه من نحو ماذا سيكون في الحالة الابدية: الجنين يعيش في عالم خاص به وهو في بطن امه. يعيش مغمور بالماء وله انبوب يمده بالطعام اللازم له ويسمع صوت موسيقى جميلة (نبضات قلب امه) ودرجة حرارة البيئة حوله ملائمة لاحتياجاته. هذا كل ما يعرفه. الان: لو سالنا الجنين: ماذا تعرف ايها الجنين عن العالم الجديد الذي ستخرج اليه بعد 9 شهور؟ اعتقد انه لا يستطيع ان يصف شيئا منه لانه يفوق ادراكه وخياله! بهذا المقدار نحن نعيش بعالمنا الحاضر ونعرف ما نراه ونسمعه – ولكن العالم الجديد في حالته الابدية يفوق ادراكنا وخيالنا.

يبدو انه لا بد من ان ننتظر لنصل هناك (حسب وعد الرب) ونعرف الحقيقة كاملة ونعيشها- امين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا