كان الجو يخيم عليه السكون، ولكن هذا السكون مخيف، مرعب. بعد ثلاثة ايام من المعارك الضارية على الحدود، لم تسكت بها المدافع التي تقذف بحممها العشوائية دون هدف جائعة للقتل تريد ان تلتهم كل ماهو حي. ولم تسترح بها الطائرات وهي ترمي الموت من الفضاء على هؤلاء الآمنين الذين لم يوقفوا صلواتهم لله يشكرونه على ما ابتلاهم ويبتهلون له ان يجملها بالستر وان يبعد عنهم شبح الحرب والدمار الذي يحدثه. ويعدونه باقامة النذور اذا ما مرت هذه الايام على خير.

وبعد كل هذا الرعب والخوف، مات من مات وشرد من شرد، ومن كتبت له النجاة والسلامة لجأ إلى منزله لا يعرف ماهو مصيره، فالمدينة قد سقطت اليوم في يد العدو، ولم تبقى بها اي مقاومة تذكر.

وها قد مرت ساعات دون ان يسمع غير دوي بعض رصاصات تكاد ان تحصى لقلتها بين الفينة والاخرى، يصاحبها صوت العربة العسكرية "الجيب" الذي قد اعطب الجنود به عادم الصوت كي يظن من يسمعها ان المدينة تعج بالآليات العسكرية. وكانت تنبعث منه نداءات مكبر الصوت تعلن عن سقوط المدينة وهزيمة الجيش الذي وضعوا فيه كل امل بالدفاع عنهم وحمايتهم.

كان لهذا النداء وقعا كالصاعقة على نفوسهم، فمنذ ساعات الحرب الاولى والايام التي سبقت الحرب لم يفارقوا المذياع ولو للحظة واحدة. لقد كانت نشرات الاخبار والتحاليل السياسية والاغاني الوطنية والحماسية هي غذائهم على مدى ساعات الليل والنهار، وها هي اذاعتهم لا زالت تبث اخبار انتصاراتهم وتقدم قواتهم خلف صفوف العدو الذي انسحب امامهم كالجرذان وطائراته التي تتصاقط كالذباب بفضل بسالة ابطالهم. ولا زالت الاناشيد الوطنية والاغاني الحماسية تبث من كل الاذاعات فتمدهم بما يرفع معنوياتهم. ولكن اين كل هذا من الحقيقة المرة فالصوت الغريب يملأ الجو ويأمر بصرامة مهددًا ان يلزم الجميع منازلهم، وان ترفع الاعلام البيضاء على جميع المنازل تعبيرا عن الاستسلام للاحتلال، وان لا يفكر احدا بالمقاومة التي لن تجدي نفعًا بعد ان تقهقر الجيش امامهم وسيطروا على كل شبر من البلاد. وكل من يخالف هذه الاوامر العسكرية سوف يعرض نفسه للخطر وسيكون مصيره محتوما وسيطلق الجنود النار عليه بدون اي انذار.

كان هو في منزله يحتضن ابناءه السبعة الذي لا يتجاوز اكبرهم العاشرة من عمره. وكانت امه العجوز تحاول عبثًا مساعدة الزوجة التي مر عليها يومان وكأنهم دهر وهي تعاني من آلام الوضع. ولكن الولادة تعسرت واصبحت في حالة يرثى لها.

والجميع من حولها ليس بوسعهم سوى ان يرفعوا الصلاة لله والدعاء ان ينتهي امر الحرب كي ما يخرجوا من هذا المأزق ويكون باستطاعتهم احضار القابلة التي لا تسكن بعيدا عنهم لهذه المسكينة التي تنتظر الموت المحتم في كل لحظة تمر عليها ان لم تقدم لها يد المساعدة على الفور. وهو لا يستطيع تحريك ساكنا لإنقاذ زوجته المسكينة. واليوم قرر الزوج كسر الجمود والخروج ولو كلفه ذلك حياته فهو لا يقدر على رؤية زوجته تنظر إليه وكانها تستجدي منه حياتها. وهي لن تطلب منه عمل اي شيء لاجلها في هذه الظروف العصيبة، مقررا ان يفعل ذلك رغم معارضة الجميع على خروجه. وبالفعل خرج منطلقًا الى الشارع بعد ان تاكد من غياب صوت ذلك الجيب الملعون الذي يتجول حاملا الموت لكل من تسول له نفسه خرق الأوامر الصارمة. وبينما هو يتاهب لقطع الشارع واذا بدورية مترجلة لم يتوقع وجودها ولم تكن في الحسبان تستوقفه شاهرةً اسلحتها في وجهه وآمرةً إياه برفع يديه الى اعلى وان لا يحاول المقاومة او الهرب. دب الرعب في مفاصله وهو يجد نفسه بين ثلاث فوهات مدافع رشاشة لا تعرف الا لغة الموت في ايادي غرباء لا تصلهم به الا عداوة سنين طويلة وحروب مستمرة. راح يصلي في سريرته وهو يرفع يديه المرتجفتين فوق راسه. يصلي لله ولاجل زوجته التي ستموت حتمًا ولم يفكر ولو للحظة في نفسه، فهو يعرف مصيره. ولكن المهم تلك التي تعد حياتها بالثواني منتظرةً الموت المؤكد. وقطع عليه صلاته احدهم يسأله بلغته عن هويته وما وجهته وما الدافع لخروجه بمثل هذا الوقت الذي يسود فيه منع التجوّل. تعجب هو من ذلك، فكيف لهذا الغريب ان تكون له دراية بلغته. فاجاب والخوف والقلق يرتسمان على ملامح وجهه الشاحب وعيناه الغائرتان بمحجريهما، اللتان لم تذوقا طعمًا للنوم على مدى ثلاث ايام، ومفاصله التي ترتجف، أمن البرد القارص الذي ينخر العظام، أم من الخوف الجارف الذي يسقط القلوب، أم من القلق المفزع الذي يسلب الانسان عقله؟ اجاب قائلا: "ان زوجتي في خطر وعليّ ان احضر لها القابلة على وجه السرعة فهي في حالة خطرة وتصارع الموت منذ يومين".

نظر اليه الجندي وقد تغيرت ملامح وجهه وابدى اشفاقا عليه ونكس بندقيته وسأله "ولكن الا تعلم اننا في حالة حرب ولا يسمح لاحد بالتجوّل؟ الم تسمع مكبرات الصوت التي تجوب المدينة معلنةً عن ذلك؟ كيف خرجتً معرضًا حياتك للخطر وقد يكلفك ذلك حياتك؟" أجاب وكأنه افاق من غيبوبة: " نعم لقد سمعتها، ولكن حياة زوجتي اهم من حياتي. انها تكاد ان تموت بين يدي. انها ام لسبعة اطفال، تخيل حالتهم ومصيرهم إن مسها سوء".

كان الجندي الثاني والعريف ينظران الى زميلهما تارة والى الرجل تارة اخرى وهم لا يفهمون ماذا يدور بينهم من حوار. وجه الجندي نظره نحوهم وتحدث اليهم بلغة لم يفهمها الرجل قائلا "يجب علينا ان نتركه وشانه فالمسألة مصيرية بالنسبة له، وانسانية بالنسبة لنا. وسرد عليهم قصة الرجل والدافع لخروجه، وماذا سيترتب عليه لو تأخر عن اسعاف زوجته "هز الجندي الثاني رأسه وابدا أسفه للرجل وكانه يواسيه بنظراته، وابدا موافقته على الفكرة. ولكن نار الحقد اتقدت في العريف الذي بدا يصرخ في وجوههم: "جبناء! انكم جبناء! انكم تتقاعصون عن اداء واجبكم نحو وطنكم، ونحو اهلكم وابنائكم الذين وضعوا بكم الثقة حتى تدافعوا عنهم. اونسيتم انه عدوكم، واننا في حالة حرب معه ومع بلاده وشعبه؟! انسيتم شبابنا الذين سقطوا برصاصهم؟! لن اتركه يفلت من ايدينا. ساقتله واشفي به غليلي! اونسيتم اني أعلى رتبة منكم وانكم تسيرون بامري؟! وعلى ذلك فانا امركم بان تطلقوا النار عليه فورا وتقتلوه. والا حدث ما لا تُحمد عقباه". كان الرجل مشدوها مما رآه. ينظر إلى هؤلاء الغرباء دون ان يعي ما يدور بينهم من حديث صاخب. كان ينظر الى وجوههم وكانه يقرأ ملامحهم باحثًا عن نظرة أمل من هؤلاء الاعداء اللذين يتجادلون بعصبية بسببه. وسرعان ما قطع عليهم جدالهم موجها كلامه للجندي قائلا: "اهو يريد قتلي؟ ليكن له مايريده. لقد سبق وقلت لك ان هذا لا يهمني، فالأهم عندي الان هو انقاذ زوجتي". وما ان اكمل الرجل كلامه حتى انفجر الجندي صارخًا في وجه قائده: "لن نقتله، ولن ندعك تقتله وسوف يذهب ولو كلفني ذلك حياتي. لن اخالف وصية ابي".

وهنا وضع يده على خده واخذ يتحسسه وكانه يصافح احدا. فسأله العريف مستهترًا ومستهزئًا به: "وبماذا اوصاك والدك يا ولي العهد؟". اجابه وهو ينظر الى الافق وكانه يرى احدًا بعيدًا بعيدًا عن انظار الذين يستمعون اليه وقال: "لقد اوصاني بان لا اقتل كي لا اقتل. نعم هذه هي وصيته. وهذا هو مبدأه. لن انسى تلك اللحظات. لن انسى حين وقفت اودعه على باب المنزل وانا اعلم اني ذاهب للموت، فهي اول حرب اشترك فيها منذ تجندت للجيش. فبعدما قبلت والدتي وزوجتي وطفلي مودعًا اياهم.

توجهت نحو والدي الذي كان يقف بعيدًا بعض الشيء عنهم، لم يقبلني ولم يمد يده ليصافحني بل صفعني على وجهي. ذهلت من تصرفه هذا فنظرت اليه مشدوهًا واذا بي ارى عيونه من خلف دموعه التي صعب عليه ان يحبسها أو يسلب حريتها.

ورأيت في تلك العيون قصة حياة طويلة وتجارب عمر ومآسي ستين عامًا. ولا زالت كلماته بصوته الذي تخنقة الحشرجات يطن في اذني متوسلا وهو يحتضنني بحرارة ويقبلني "يا ابني اننا نريدك ان تعود لنا سالما وان اردت ان تعود اعمل بنصيحتي ولا تضرب بها عرض الحائط.. لقد وقفت مثلك منذ اكثر من ثلاثين عاما امام والدي كي اودعه وانا ذاهب للحرب.

وفعل معي ما فعلته معك الان. نعم، يا بني لقد صفعني أبي، وذهلت تماما كما ذهلت انت للوهلة الاولى. ولكنه سرعان ما اوضح لي الامر. فقد كنت وحيدهُ يا بني كما انت وحيدي. اراد ان يعطيني شيئا يذكرني بوصيته، لقد كانت وصيته لي يابني بان لا اقتل كي لا اقتل، فانزع من قلبك ومن نيتك فكرة القتل، وان صادفك جندي لا مانع من اسره. واما ان صادفت مدنيا اعزل من السلاح سالمه وامد له يد العون اذا كان بحاجة لشيء ثم اخلي سبيله كي ما يعود الى ذويه لانه لم يخرج من بيته ويعرض نفسه للخطر باطلا بل بالتأكيد عليه أمر هام وخطير دفعه لذلك، وبهذا سوف تعود لنا سالمًا، لانك سالمت. نعم، يا بني استفد من تجربتي، لقد خضت ثلاث حروب وعدت منها سالمًا إلى أهلي. لقد قتل الكثير من زملائي واصدقائي واقاربي وعدت أنا. لقد دافعت عن وطني بكل بسالة ولم استسلم ولم اكن جبانًا فالحرب قد فرضُت علينا، ولكن القتال في الحرب شيء والقتل لغرض القتل شيءٌ آخر. اذهب يا ابني رافقتك السلامة ولا تنسى ان تعود. نعم، هذه هي وصية ابي وانا اريد ان اعود لاهلي سالما ولقد انتهت الحرب ولا مبرر لقتل هذا الانسان الاعزل والمسالم، يجب ان نتركه كي يتسنى له اسعاف زوجته".

وفجأة اطلت عليهم عربة عسكرية فخرج من فيها مستفسرين الامر. فأشار العريف الى الرجل وقال لقائد الدورية: "لقد ضبطناه يكسر امر منع التجول وها انا اسلمه لكم كاسير حرب". ترجل الضابط وتوجه نحو العريف وادى له تحية وامسك بشارة ووضعها على صدر العريف ومن ثم تبادلا التحية العسكرية وتصافحا. واستقل عربته وغاب وقد اسطحب معه هذا المسكين الذي لا يدري ماهو مصير زوجته. ستموت حتما ولربما ماتت.

وواصل افراد الدورية الثلاثة سيرهم. كان العريف يمشي مختالا فخورا. فقد حقق نصرًا لوطنه بأن اسر شخصًا لا يهمه ما يكون او من يكون. وقد حقق لذاته شخصيًا انتصارين، الاول انه قد حصل على ترقية، والثاني أنه قد هزم زملائه الذين كان ينظر اليهم باستهزاء معلنا تغلبه عليهم. بينما هما ينظران اليه بسخط واستنكار. وبينما هم سائرون واذا بقدم العريف ترتطم بجسم غريب كان مستترًا تحت الرمال التي تغطي الشارع. واذا بدوي يصم الاذان يخرق السكون ويرفع العريف اشلائًا لينثرها في الفضاء. والقى الجنديان بنفسيهما على الارض، فقد كانت تفصل بينهم وبينه مسافة أتاحت لهم فرصة النجاة ولم يصابا بأذى. وقف الاثنان ينظران احدهم إلى الاخر وكل منهما فاغرًا فاه مشدوهًا لا يصدق ما حدث، وهنا وضع الجندي يده متحسسًا خده متذكرًا صفعة والده وحديثه اليه، ثم قال لزميله بكل أسًا وحسرة "ليته كان له اب كوالدي يعلمه كيف تكون السلامة ويوصيه بها".

وبعد شهرين عاد الرجل الى بيته، فقد اطلق سراحه. كانت خطواته أثقل من وقع الايام. كان يسير خطوة الى الامام، وعشرة للخلف، كما يقال. كانت افكاره محصورةً بمصير اولاده، فزوجته حتما قد فارقت الحياة. وطرق الباب الذي كان موصدًا، ففتح له الابن الاكبر. حمله بين ذراعيه واخذ يقبله ولم يستطع أن يسأله عن والدته فهو يعرف الجواب المؤلم. واذا بالابن الاصغر الذي كان يتبع اخاه يصرخ: " امي... امي... لقد عاد ابي". القى الاب الولد من بين ذراعيه وهو لا يكاد يصدق اذنيه، وجرى نحو زوجته ليراها تحمل طفلا على ذراعها. فاشارت للطفل وهي تقول لزوجها "هذا هو ابنك" واستفسر الامر وكيف حدث ذلك؟؟ فقالت له: "إن الجندي الذي رفض ان يقتلك سقد حضر الى البيت ومعه سيارة الاسعاف التي جائت لتأخذ القتيل الذي كوم الى جواري داخل كيسٍ ونقلتنا الى المستشفى وبقي هو الى جانبي ولم يتركني الى ان انجبت هذا الطفل واطمئن عليّ وعلى صحة المولود ووعدني بان لن يترك امرك ابدا ثم ودعني وطلب مني ان اسمي المولود كاسمه هو (سلام).

تمت

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا