أثار استمرار عمليات الحفر بجرافات وبلدوزرات ضخمة في موقع اكتشاف كنيسة أثرية تعود للعهد البيزنطي في ساحة ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، حالة من الاستياء والامتعاض لدى الباحثين والمهتمين بالآثار.

هدم اثار الكنيسة في غزة

مراسل "وفا" في غزة، الذي زار موقع الكنيسة المكتشفة، أوضح أنها تقع إلى الغرب من الجامع العمري الكبير، والشمال الغرب من كنيسة بيرفيريوس للروم الأرثوذكس، حيث تبعد عنهما عشرات الأمتار.

ومع تواصل عمليات الحفر التي تقوم بها (حماس) التي تنوي إقامة مجمع تجاري على أرضها، أصاب الإحباط المهتمين بالآثار ممن زاروا الموقع الذين شاهدوا استمرار عمليات الهدم والحفر فيه.

وانتقد مختصون ومهتمون استمرار أعمال الحفر في مكان وجود الكنيسة، داعين إلى الحفاظ على التراث والتاريخ والحضارة في غزة القديمة.

وفي هذا السياق، قال مدير عام حماية الآثار في وزارة السياحة والآثار صالح طوافشة، إن ما جرى في غزة حسب الصور التي ظهرت يعتبر تدمير واضح بحق التراث الثقافي للشعب الفلسطيني.

وأضاف طوافشة في حديث خاص لـ"وفا"، أنه حسب الصور التي تم مشاهدتها هناك بقايا ومعالم أثرية مهمة تم تدميرها وتخريبها في الموقع عدا عن نقلها من مكانها الأصلي إلى مكان قريب، وهذا بحد ذاته يعتبر تصرف بعيد كل البعد عن علم الآثار ويخالف عمليات الحفر والتنقيب العلمي.

وأشار إلى أن البقايا التي  تم العثور عليها هي بقايا أعمدة وجدران أثرية، ظهر عليها مجموعة من الزخارف المنحوتة عليها تعود للفترة البيزنطية، لافتا إلى أن مثل هذه الآثار غالبا ما تكون لجزء من دير أو كنيسة.

وتابع "حسب ما ظهر فإن هناك مجموعة من الأشخاص قاموا بالاعتداء على الموقع بواسطة آلات حفر ثقيلة ما أدى إلى تدمير شامل للموقع الأثري".

ولفت طوافشة إلى أنه لا يوجد طواقم لوزارة السياحة والآثار بشكل فعلي على أرض الواقع منذ الانقسام الفلسطيني، ومنعوا من ممارسة عملهم الرسمي، وبالتالي لم يتم توثيق الأعمال بسبب عدم التواصل مع الموظفين هناك.

من جهته، عبر الخبير في السياحة بغزة عبد القادر حماد، عن استيائه من تواصل أعمال التدمير في موقع الكنيسة بميدان فلسطين، قائلاً: "نحن في قطاع غزة بشكل خاص نعاني للأسف من عدة أمور مضرة بالسياحة، الأولى عدم وجود سلطة قادرة على وضع نظام وتشريعات تحفظ الآثار والمتعلقات السياحية المختلفة، خاصة الأثرية والقديمة منها".

وأضاف حماد: "ليس لدينا وعي بأهمية التراث الحضاري والمعماري الموجود في غزة، وليس أدل على ذلك من تدمير ما عثر عليه من بقايا لكنيسة قديمة في غزة، وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها منشأة تاريخية ومعلم حضاري إلى التدمير".

وأشار إلى تعرض آلاف المعالم الأثرية والحضارية في قطاع غزة على وجه التحديد إلى التدمير، وذلك بعد عثور عددا من المواطنين عليها ووجودها في أراض ذات ملكية خاصة، ولم تتمكن الجهات ذات العلاقة المعنية بالسياحة من منع تدمير هذه الآثار والمعالم الحضارية لعدم وجود قانون يمنع هؤلاء الأشخاص ولعدم وجود قانون يعوضهم أيضا".

ووصف حماد "تدمير هذا المعلم الأثري، عمليا هو مساس بالإرث الإنساني ومساس بالمعالم الحضارية، التي تثبت أحقية شعبنا في هذه الأرض".

من جهته، عبر أحد المهتمين الفرنسيين من يزورون غزة، رفض الكشف عن اسمه عن سخطه لتواصل أعمال الحفر والتكسير المرافق له للأعمدة والتيجان والحجارة الرخامية في المكان، قائلاً بالعربية "حرام هذا التخريب لازم يتوقف".

بدورها، حاولت الباحثة في الآثار هيام البيطار، جاهدة تنظيف وإزالة الأتربة عن أعمدة ضخمة وتيجان وقواعد وقطع وحجارة رخامية اكتشفت خلال الحفر، مؤكدة أن غزة تختزن كنوز من عصور مضت وحقب ما زالت آثاره التاريخية شامخة تحت طبقات الأرض.

وأوضحت البيطار، أن أعمال الحفر التي تقوم بها حماس في غزة لبناء مجمع تجاري؛ كشفت عن العثور على بعض القطع الحجرية الرخامية، بعد الوصول لعمق عدة أمتار، وخلال المعاينة الميدانية التي قامت بها طواقم الآثار لمكان الحفر، تبين أن القطع الحجرية التي تم العثور عليها هي تاج عامود رخامي، على طراز (الورنثي)، محفور عليه زخرفة من أوراق نبات الأكانثس (أوراق نبات الخرشوف)، وهي محفورة بواسطة الحفر الغائر، وتتخلل الأوراق التي تزين التاج فتحات، ويبلغ قطر قاعدة التاج حوالي60سم، ما يدلل على ضخامة التاج، وبالتالي ضخامة العامود الذي يعلوه التاج، وبالتالي ضخامة بناء المبنى الذي احتواه هذا التاج".

وأكدت أن الأعمدة وتيجان الأعمدة والقواعد، المكتشفة ومن خلال الملاحظة والمعاينة الميدانية لهذه القطع واضح بأن هذا المكان مبنى ديني كنسي يعود للعصر البيزنطي من خلال قواعد الأعمدة المحفور عليها شكل أو ما يسمى بعلم الآثار الصليب اليوناني ذي الأذرع المتساوية.

ونوهت إلى أن هذا الموقع يعود للعصر البيزنطي وتحديدا للقرن السادس الميلادي، من خلال ضخامة ومتانة الأعمدة وقواعد الأعمدة وجمال التيجان التي هي على الطراز الكورنثي، مبينةً ضخامة الأعمدة وشكل الأعمدة "ومن خلال الملاحظة الفاحصة يعطينا دلالة بأن المبنى الديني هنا كان كبيرا، وأجزم أنه لم يكن كنيسة صغيرة بل كان كنيسة كبرى أو كتدرائية".

ولفتت إلى أنه شاع بتاريخ غزة خلال العصر البيزنطي بناء الكنائس الكبرى، خاصة في عهد الإمبراطور جستينيان، الذي اهتم ببناء الكنائس واهتم ببناء الكنائس في غزة، مضيفة "كنت أتوقع أن يكون في هذا المكان بحسب طبوغرافية البلدة القديمة لغزة كنيسة كبرى، والدلائل المادية الأولى أثبتت هذا الشيء، ونحن نفتخر به وأنه موجود في غزة دلالة على تاريخ غزة خلال حقبة تاريخية مهمة خلال العصر البيزنطي وقد يكون نهايات العصر الروماني وبدايات العصر البيزنطي".

ونوهت البيطار إلى أن "قطع الفخار الموجودة في المكان إضافةً إلى الزجاج وقطع من القرميد، الذي كان يغطي سطح الكنيسة يعطينا دلالة أنها لم تكن كنيسة عادية صغيرة بل كنيسة كبرى، دلالة موقعها من ناحية الطبوغرافية منطقة عليا في البلدة القديمة أو في أعلى منطقة إلى الغرب من البلدة القديمة بالقرب من محيط المباني الأثرية الهامة كالجامع العمري وكنيسة بيرفيريوس في منطقة واحدة، وهذه دلالة على أهمية المنطقة من الناحية التاريخية".

وعبرت عن أملها أن يتم معرفة تاريخ واسم هذه الكنيسة، منوهة إلى التواصل مع الأوقاف خاصة بعد هدم المبنى القديم في هذا المكان، مؤكدة أن "هذه الأعمدة ستنقل إلى حيازة وزارة السياحة والآثار لكي يتم تنظيفها وتنظيمها بالشكل المناسب وتوثيقها علمياً وعرضها في حديقة متحف قصر الباشا لكي تكون شاهداً على تاريخ المنطقة".

وتابعت: "نحن نمد أيدينا للجميع للتعاون في البحث في آثار غزة وتاريخها لأن غزة من أقدم المدن في العالم، وبالتالي هي مدينة أثرية فعلاً تحت الأرض وتحت أقدامنا يوجد كنوز".

ودعت إلى طي الخلافات والبحث عن الإرث التاريخي الذي تحتويه غزة، قائلةً: "يجب أن نتغاضى عن كل الخلافات السياسية والأمور التي تحد من التواصل الخارجي، يجب أن نتواصل لكي نظهر هذا التاريخ الإنساني الذي يعنى به كل مواطن فلسطيني وحتى الصديق للفلسطينيين".

وتمنت من منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" التعاون للبحث عن الآثار في غزة والحفاظ عليها، لافتةً إلى أن "المدرسة الفرنسية للآثار في القدس هم أصدقاؤنا ويعملون معنا نتمنى أن تتاح لهم الفرصة لزيارة غزة للتعاون والعمل الجاد لاستجلاء هذه المظاهر التاريخية والحضارية، التي هي إرث إنساني حضاري بشري ليس فقط لأبناء مدينة غزة ولكن هي لكل من يحب الآثار في العالم".

وأظهرت الحفريات قطعتان حجريتان من الرخام عبارة عن قواعد لأعمدة يبلغ عرض القاعدة حوالي90سم، ويزين واجهة أحد جوانب القاعدة رمز الصليب، ويسمى علمياً بالصليب اليوناني، ذي الأذرع المتساوية، وهو محفور داخل دائرة، وهاتين القاعدتين كانتا تحملان عامودين رخاميين ضمن مجموعة من أعمدة رخامية كانت ضمن أحد الكنائس أو الكاتدرائيات الكبرى التي بنيت في غزة خلال العصر البيزنطي (395-636م) وتحديدا خلال القرن السادس الميلادي، حيث ازدهرت عمارة بناء الكنائس، باعتبار أن مدينة غزة أحد المدن الرئيسة الهامة في فلسطين خلال العصر البيزنطي".

ومن خلال المعاينة الميدانية لموقع الحفر، تبين انتشار شقافات فخارية لأواني كالجرار وأسرجة إضاءة وقوارير فخارية تعود لفترات تاريخية مختلفة كالعصر الروماني(63ق.م-395م) والبيزنطي، كما تم العثور على قطع زجاجية كثيرة في الموقع، إضافة إلى العثور على قطع من قرميد، يبدو أن مبنى الكنيسة كان مغطى بالقرميد كحال المباني الكنسية المعروفة في التاريخ البيزنطي.

أما باحث الآثار في الجامعة الإسلامية بغزة محمد الزرد، وصف الموقع بالهام جدا كونه في بلدة غزة القديمة، التي تعاقبت عليها عشرات الحضارات، وغني بالتراث الأثري، مضيفاً "وجدنا العديد من الطبقات الأثرية مع الحفريات تعود للعهد البرونزي، ووجدنا بعض الجثث لحيوانات وفخاريات وصحون مهشمة كلها ربما بفعل الجرافات لضعف الامكانيات المادية، التي تحتاج لطواقم وأدوات".

وناشد الزرد، منظمة "اليونسكو" أن تنقذ آثار غزة من الضياع، مشيراً إلى أنه بهذه الطريقة (التجريف والهدم) ستندثر وتضيع معالمه، مؤكدا أن الطبقة العليا السطحية في الموقع وجدنا فيها آثار بيزنطية، التي تجلب من اليونان لبناء المباني الهامة فقط في غزة.

وأوضح أنه نظراً لاتساع القطر الخاص بالأعمدة يدل على أن المبنى كبير الموجود في "خريطة مأدبة" بالأردن الفسيفسائي باعتقادي التي ذكرت مدينة غزة القديمة ومبنى مكون من الأعمدة فقط على شكل مربع ناقص ضلع وفي وسطه ساحة صغيرة، وهو مقر اجتماعات أو وجهاء أو مجلس المدينة

وبين الزرد أن خريطة مأدبة لم تذكر كنيسة في هذا المكان "المبنى باعتقادي مجلس اجتماع الوجهاء وكبار المدينة الوحيد مبنى فريد من نوعه".

وقال الباحث الزرد "أتمنى أن الحفريات تكشف عن المزيد"، مستدركاً أن "البناء في هذا الموقع سيدمر قيمته الأثرية، الذي يجب أن يسور ويمنع البناء ويكون موقع أثري للزوار حيث سيكون أفضل من ناحية الدخل المادي من أي مبنى تجاري وسيحفظ تراث وآثار فلسطين".