إن الوحي الإلهي الذي أوحى به الله لرجاله ونساءه عبر العصور، نرى أنه يتبرهن بطريقتين منفردتين أو مجتمعتين:
الأولى، بالمعجزات: نعم أحد الشروط الهامة لبرهان نبوة الأنبياء والقديسين الذين أعطوا وحيًا، هي المعجزات من النوعية التي لا يُمكن إنكارها. خاصة الأنبياء الذين ظهروا بوسط ليس فيه أنبياء معاصرين لهم. 

فعندما دعا الله موسى لشعبه، عمل على يده معجزات صارخة لا يمكن أن ينكرها الصغير والكبير، المؤمن والكافر، الذكي وحتى الغبي. فمثلا الله صنع على يد موسى 10 ضربات معجزية لأرض مصر. وبعد كل ضربة، عندما كان يتوب فرعون، كان موسى يرفع يده لله، فيوقف الله الضربة. أيضًا عند خروج شعب إسرائيل من مصر، شق مياه بحر سوف على يد موسى وبني أسرائيل عبروا بأرجلهم: "22 فَدَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ عَلَى الْيَابِسَةِ، وَالْمَاءُ سُورٌ لَهُمْ عَنْ يَمِينِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ" خروج 10.

أيضًا تكلم شخصيًا الله عند جبل سيناء مع جميع الشعب بالوصايا العشر!! كان كلامه محاط بالرعود والبروق المرعبة، وشهد هذا وسمع كلامه أكثر من 600 ألف رجل، كانوا هناك!! فلم يأت موسى مدعيًا أن الله دعاه كنبي وأعطاه وحيًا، دون أي دليل صارخ لا يمكن إنكاره. بل صنع الله على يده معجزات كبيرة في وسط الشعب وباقي الشعوب، كشعب مصر وبيت فرعون وشعوب أرض كنعان. والمسيح أيضًا كونه أتى في عصر كان فيه صمت نبوي لمدة تزيد عن الأربعة قرون، لذلك عمل معجزات لا يمكن إنكارها. لدرجة أنه حتى حاخامات اليهود الذي كفروا بالمسيح وقاوموه ورفضوه، لم يقدروا أن ينكروا معجزاته أمام شعبهم أبدًا؛ فقالوا عنه، أنه مارس السحر!! "يشو النصراني الذي مارس السحر وحرض ورفض إسرائيل" (التلمود البابلي؛ أطروحة السنهدرين، القسم "ب"، الصفحة 107، العمود "ب"). فلا يوجد في التاريخ كله كتاب له مصداقية إلهية أعظم من الكتاب المقدس والمسيحية!!!

الثانية، شهادة الأنبياء المعاصرين لهم والمشهود لهم: هذا هو الشرط الثاني للنبي المُعطى وحيًا؛ ليس بالضرورة أن يصنع معجزات، إذا صادق عليه أحد الأنبياء المعاصرين له المشهود لهم إما بالمعجزات، أو بشهادة الأنبياء المعاصرين لهم السابقين. وهذا يقودنا لقضية يتسائلها البعض:

هل لرسل المسيح مصداقية بتسلم الوحي الإلهي؟؟
في الواقع الله يعلم أن الناس ستتسائل هذا التساؤل، لذلك ثبت وحيهم بالشرطين مجتمعين معًا. تأكدت نبواتهم عن طريق شهادة المسيح لهم بأنهم رسله. وطلبه منهم بأن ينقلوا الإنجيل للعالم أجمع، ويعلموهم بجميع وصايا وتعاليم المسيح: "13 وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا «رُسُلاً»" لوقا 6. "19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ..." متى 28. وأيضًا تبرهن وحي تلاميذ المسيح بالمعجزات. فصنع الله على أيدي رسل المسيح معجزات لا يمكن أن تنكر: أقاموا موتى (أعمال 9: 40)؛ شفوا مرضى؛ فحتى ظل بطرس كان يشفي مرضى (أعمال 5: 15). أيضًا كان الناس يأتون بمناديل، يضعونها على جسد بولس وبعدها على المرضى والمعذبين بأرواح شريرة، وكانوا يبرأون (أعمال 19: 12). هذا كان البرهان القاطع للبشر، أن المسيحية هي من الله؛ كما قال بولس في وحيه، أن الله لم يرسله بكلام فصيح مدهش (لأن هذا يستطيع أن يفعله البشر)؛ بل كانت رسالة الله كالمعتاد، مثبته بإظهار قوته المعجزية:

" 4 وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ، 5 لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ." 1 كورنثوس 2. وبخصوص وحي بولس، هذا يقودنا لسؤال هام آخر يتسائله البعض:

وماذا عن وحي بولس، فالمسيح لم يعاصره ليشهد عنه، فكيف تصدقون كتاباته؟
بالرغم من أن المسيح بذاته ظهر لبولس، خلصه، واختاره؛ لكن لم تكون شهادة بولس ذاته عن هذا الاختبار كافية؛ لذلك، ليؤكد الرب دعوة بولس، أظهر لنا وحي لوقا أن المسيح بعد ظهوره لبولس، ظهر لتلميذه حنانيا في رؤيا: "10 وَكَانَ فِي دِمَشْقَ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ حَنَانِيَّا، فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ فِي رُؤْيَا: «يَا حَنَانِيَّا!». فَقَالَ: «هأَنَذَا يَارَبُّ» 11 فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَاطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلاً طَرْسُوسِيًّا اسْمُهُ شَاوُلُ . لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي" أعمال 9. لكن أيضًا بالإضافة لظهور المسيح لحنانيا، وتأكيد المسيح عن اختياره لبولس؛ الوحي أيضًا شهد لبولس كرسول للمسيح من ثلاث جوانب، وهي أكثر من كافية لبرهان وحيه:

أولا: شهد الله عن بولس بمعجزات فاقت جميع باقي الرسل جميعًا، فيقول وحي لوقا عنه الآتي:

"11 وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ، 12 حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ" أعمال 19.

أيضًا بولس صلى لشاب مات، وأقامه من الموت (راجع أعمال 20: 1-12)، من يستطيع أن يقيم موتى غير الله أو الشخص الذي يؤيد الله رسالته !!؟؟

ثانيًا: شهادة أهم رسل المسيح المعاصرين له، وهو الشرط الثاني الذي تكلمنا عنه سابقًا. فنرى في الوحي شهادة بطرس تلميذ المسيح نفسه عن وحي بولس؛ مما يجعل وحيه مبرهنًا عن طريق اجتماع الشرطين السابقين معًا: أولا المعجزات؛ وثانيًا، شهادة نبوية لرسول مشهود له مثل بطرس عنه؛ حيث قال:

"15 وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ 16 كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ." 2 بطرس 3. نرى من الآيات السابقة أمرين هامين: 1) من خلال عبارة: "بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ" يؤكد الرسول بطرس أن الحكمة التي كتب بها بولس، أعطيت له من الله، ولم يكتبها من ذاته؛ لذلك يحذر من تحريف تفسير ما كتبه بولس! 2) أيضًا يساويها بباقي كتب الوحي، وذلك من عبارة "كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا"؛ وهي شهادة واضحة صريحة لا غبار عليها، بأن وحي بولس مساوٍ تمامًا لباقي أسفار الكتاب المقدس.

ثالثًا: عندنا أيضًا دليل إضافي منطقي، وهو خسارة بولس لمنصبه ومكانته الدينية المرموقة، مقابل الآلام التي اختبرها، كالكثير من الأنبياء. فلو كان منافقًا واختبر كل هذه الآلام لترك طريق المسيح في الحال. فأفنى حياته كلها في خدمة بشارة المسيح، ومن أكثر ما كابد من بين جميع القديسين والأنبياء، عبر كل تاريخ الكتاب المقدس؛ حيث يقول الوحي عنه:

"24 مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً 25 ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ 26 بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ 27 فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ 28 عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ" 2 كورنثوس 11. فعادة مدعي البنوة والرسولية المنافق، يتبع طريق الرسولية لكي ينتفع منه منافع شخصية ودنيوية؛ من أموال، نساء، ملذات، مناصب، ووقار من أتباعه ....إلخ!! أما بولس، فبحسب تاريخ حياته، لم ينل أي من هذه جميعًا، لدرجة أنه في فترة من الفترات، اشتغل ليعيش (أعمال 18: 3). بل بالعكس خسر منصبه ومكانته كفريسي معروف وكقائد ديني مرموق (راجع أعمال 22: 3 و26: 10 وفيلبي 3: 4-8).

وبناء على هذا، مفروض أن يكون عنده مئات الأسباب لترك طريق الرب، لأن كل حياته آلام ومعاناه. وذلك ليس صدفة طبعًا، هذا ما قاله له الرب يسوع بوضوح من خلال حنانيا عندما دعاه: "16 لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي" أعمال 9. وهذا كان السبب لثباته في طريق الآلام كسيده المسيح؛ حيث كانت حياته أصعب من جميع باقي الرسل!! وهذا دليل قاطع آخر إضافي منطقي على أنه رسول صادق؛ فلو كان منافق، ورأى الطريق مؤلم أمامه سيجعله يخسر كل منصب ووقار دون أي منفعة دنيوية، لتركه في الحال.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا