ارميا 8 :8 ، ارميا 23 :36

ارمياء

عند قراءة اي نص كتابي ينبغي ان لا تؤخذ الكلمات وتوضع بمفردها، والا فالامر سيكون في منتهى الخطورة، وذلك بالنسبة لكل موضوع يتم تداوله من خلال نصوص مكتوبة دينية كانت ام علمانية، ماذا لو قلنا انه مكتوب في سفر المزامير "ليس اله" فهاتين الكلمتين موجودتان في الكتاب المقدس، ولكن، هل هذه هي كل الحقيقة؟ ان الحقيقة هي ان النص يقول" قال الجاهل في قلبه ليس اله " (مزمور 14 :1) ما نود الاشارة اليه ان هناك ما يسمى بـ سياق النص او القرينه context ولا يمكن فصل النص عما قبله وما بعده عند محاوله تفسير ما ورد به.

في ارميا 8 : 7 نجد ان الله يتهم شعبه بانه لم يعرف قضاء الرب، والكلمة العبرية المترجمة "يعرف " عندما ترد بالاشاره الى قضاء الرب فانها لا تعني فقط مجرد المعرفة، ولكنها تشير الى الاهتمام والحفظ والسلوك بموجب تعاليم الشريعة. هذا المعنى هو المعنى الرئيسي لكلمه" يعرف" في ارميا 8 : 7 ( قارن مع هوشع 4 : 6 ) وهذا المعنى يمكن ان نجده بالتفصيل في قاموس جيزنس صـ 333 الكلمه رقم 3045، انهم لم يهتموا بقضاء الرب. يمكننا ان نسأل سؤالا هاما هنا، وهو: طالما انهم لم يهتموا بملاحظة قضاء الرب فهل هو اذن موجود ام تحرف؟ الاجابه بكل تأكيد انه موجود والا فكيف يشار اليه انه لم يلاحظ منهم ولم يراعي. نذهب الى العدد 8 من ارميا 8 ونبدأ بنصفه الاول " كيف تقولون نحن حكماء وشريعه الرب معنا " ان ما يقوله هؤلاء معناه " نحن حكماء لان شريعه الرب معنا " فهذا الاسلوب العبري المتبع كثيرا في الكتاب يعبر عن السبب والنتيجة، فالنتيجة هي انهم حكماء، والسبب، هو ان شريعة الرب معهم. لا زالت الى الان الشريعة لم تحرف، ونذهب الى النصف الثاني من العدد 8 " حقاً الى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب"، ان اولئك الحكماء الذين يدعون انهم حكماء بسبب ان شريعة الرب معهم ويفتخرون انهم يفهمونها جيداً، ولانهم يفهمونها فلذلك هم حكماء في اعين ذواتهم، هؤلاء هم مفسري الشريعه للشعب هؤلاء هم الذين يكتبون كتباً ويشرحونها للشعب. انهم معلموا الشعب بحسب ما يرون ابتغاء للمال ( ارميا 8: 10 ) ويقولون للشعب سلام سلام، اي ان كل شيء على ما يرام بالرغم من ان الشريعة تقول انه في الحيدان عن الرب والارتباط بالاوثان سيكون الجزاء هو عقابا قاسيا، والاسفار الاربعة بعد التكوين وخاصه سفر التثنية مليئ بهذه التحذيرات للشعب اذا زاغ بعيداً عن الهه، فبدلاً من ان يخبر الكتبة الذين هم معلمو الشريعة الشعب بالحق الالهي اذا بهم يخدرونهم ويكلموهم بالناعمات بما هو ليس حق، هذا هو المقصود بـ "حقاً انه الى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب".

اعجب ما في الامر ان كلمه " حولها " التي يستند عليها هذا الادعاء بالتحريف لا ترد على الاطلاق بهذا المعنى في النص العبري، فالكلمة المترجمة " حولها " مشتقة من فعل عبري يعني " يعمل – يصنع – يفعل " وقد وردت تقريباً 2287 مره في الكتاب، لم تذكر ولا مرة واحدة بمعنى حوّل convert ولكنها تعني عمل made انظر جيزنس صـ 657 الكلمه رقم 6213 ، اما قلم الكتبة الكاذب فهو اشارة الى كل التعاليم الكاذبة التي تعوّج المفاهيم الصحيحة لشريعة الرب، انها تشمل ايضا كل التقاليد الشفاهية الخاطئة المتوارثة من التفسيرات غير الصحيحة للمكتوب (وهذا ما انتقده الرب نفسه في مرقس 7 : 8 ) ، بل اننا يمكن ان نرى ان ما ينطقه اللسان يمكن ان يشار اليه كقلم (مز 45 : 1).

ننتقل خطوة ابعد داخل السفر نفسه في ارميا 23 : 36 حيث نقرأ "اذ قد حرفتم كلام الاله الحي" وهذه العبارة بمفردها عند قرائتها تشير بكل تأكيد الى تحريف كلام الله! ولكن هل هذا حقيقة ما يقوله هذا الاصحاح؟ حيث نجد فيه ان الله يصف كيف يتنبأ الانبياء الكذبة بالكذب ويقولون ان الله قال! وكيف يحلمون احلاماً كاذبة اي ليست من الله ويضلون الشعب؟ وكيف يقولون ان هذا وحي الله وهو ليس من الله؟ في مقابل هذا نجد انه لا زالت كلمة الرب باقية ولم تتحرف، ولذلك يقول الرب وهو يريد من شعبه ان يميز بين كذب الانبياء الكذبة وبين اقواله الصادقة في كلمته، اذ يقول" اليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تحطم الصخر" انها لا زالت ثابتة ومميزة ويمكن ادراك صدقها فكيف اذن تحرفت؟ ان التحريف في عدد 36 يقصد به تماماً هو انهم غيروا المفاهيم الصحيحة في كلمه الله بتحريفها الى مفاهيم كاذبة تخدم مصلحتهم، فعندما تكون انت المسؤول عن تعليم تعاليم الله الصحيحة المكتوبة في كتابه للناس، وتعلمهم بتعليم مغاير للمكتوب فانت تحرف كلام الله في مفهومه بالرغم من انك لم تعبث بالمكتوب بأي حال من الاحوال، تحريف للمقصود من الكلمات ولكن ليست تغيير الكلمات ذاتها، هي تبقى الى الابد لانها كلمات الله السرمدي.

دليل قوي على ان المقصود في التحريف هو التفسير والمعنى المقصود وليس في المكتوب وذلك بتقديم الكلمه الالهية بصوره مغايرة، هذا الدليل نجده في اصحاح 26 : 4 فنقرأ ما يلي " وتقول لهم هكذا قال الرب ان لم تسمعوا لي لتسلكوا في شريعتي التي جعلتها امامكم " فزمنياً اصحاح 26 هو بعد اصحاح 23 فان كانت الشريعة قد تحرفت في اصحاح 8 واصحاح 23 فكيف اذاً يقول الله في اصحاح 26 انه" جعلها امامهم " وكلمة جعلتها من ضمن معانيها " ثبتها- وضعتها" (انظر جيزنس صـ 573 الكلمه رقم 5414 بند 2).

ولو افترضنا ان الشريعة حرفت حقا على ايدي الكتبة في زمن ارمياء، فالذي حرفوه هو النسخ الموجودة لديهم وليس كل النسخ، ولو افترضنا جدلاً ان كل النسخ قد حرفت، الا يقدر الله على ايجاد نسخة اخرى من كلمته طالما هي كلمته الحية التي اراد ان يعطيها للبشر ليحيوا بها؟ ام انه يترك كلمته تضيع ولا يقدر ان حفظها؟ دعنا نعطي برهاناً من داخل ذات السفر، فعلينا ان نقرأ ارميا 36 كله، نقرأ كيف كتب ارمياء بواسطه كاتبه باروخ بن نيريا كلام الله بشأن يهوذا والامم من زمن يوشيا حتى وقت كلامه لارميا، وكيف ان الملك يهوياقيم عندما قرأ ثلاثة سطور او اربعة منه انه القاه في النار حتى فني كل الدرج، الى هنا اختفت كلمة الله... ولكن انظر ماذا فعل الله المسؤول عن كلمته "عد فخد لنفسك درجاً اخر واكتب فيه كل الكلام الاول الذي كان في الدرج الاول الذي احرقه يهوياقيم ملك يهوذا"، لقد اعاد الله كلمته الى الوجود كما هي ولم يغير منها ولا كلمه، هو قادر على ذلك تماماً، انه مسؤول عن كل كلمه وكل حرف فيها متى 5 :18 

"الى الابد يا رب كلمتك مثبتة في السموات" مزمور 119 : 89.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا