كثيرون من المشككين بوجود الله يطرحون هذا السؤال: "من خلق الله؟ ومن أين أتى؟" ويُطرح عادة هذا السؤال في نقاش، بعد عرض بعض الأدلة على وجود الله، أو عندما نشرح أن وجود خالق هو التفسير الأنسب لوجود هذا الكون الرهيب العظيم. وربما يُطرح هذا السؤال أيضًا بعد الشرح أن التفسير الآخر لوجود الكون (عدم وجود خالق) هو تفسير ضعيف ولا يعتمد على أدلة واضحة وصريحة.

في البداية، إذا تأملنا في هذا السؤال نجد أنه طريقة للتهرب من محور النقاش الذي يدور على وجود الله ومحاولة لتغيير هدف النقاش إلى نقاش آخر كليًا. سأعطي مثلا للتوضيح: إذا سألنا كيف تكونت رسمة الموناليزا، بإمكاننا أن نجيب فورا أن اللوحة رسمها شخص معين. نلاحظ أيضًا أن الرسمة لم تُخلق من ذاتها وأنها ليست نتيجة عملية نشوء وتطور عشوائية. أمّا السؤال: "من خلق الرسّام؟ ومن أين أتى؟" هو سؤال آخر كليًا يدور حول هوية الرسّام وليس حول الموضوع الأصلي وهو كيفيّة تكوّن الرسمة.

يعتقد بعض الملحدين أن هذا السؤال بمثابة الضربة القاضية التي يخشاها المؤمنون، وللأسف بعض المؤمنين فعلا يخشونها. فأشهر من تباهى بهذا السؤال هو عالم البيولوجيا الملحد ريتشارد دوكينز الذي قال في كتابه "وهم الله" (The God Delusion) أنه إن كنت تؤمن بالخالق فيجب أن تعلم من خلق الخالق نفسه! لذلك فإن الله بأعين دوكينز هو مجرد وهم. إني أتفق مع دوكينز بنقطة واحدة، بأن كل إله مخلوق هو حقـًا وهم، وفي المسيحية يدعون جميع الآلهة المخلوقة أوثانًا.

أنا لست بلاهوتي، ولم أدرس اللاهوت في كلية ولا حتى درست الفلسفة، ولكني سأحاول مناقشة السؤال المطروح والتعمق فيه عن طريق التكلم عن الله من نظرتي البشرية الشخصية المحدودة.

السؤال: "من خلق الله؟" يثير أيضا سؤالاً آخر وهو: "من خلق الذي خلق الله؟" ومن ثم: "من خلق الذي خلق الذي خلق الله؟" وهلم جرًّا. والنتيجة هي عدد لا نهائي من الأسئلة. ولكن الحقيقة أبسط من هذا بكثير، فبحسَب إيماننا المسيحي: الله غير مخلوق، وليس هنالك أي مُسبب لوجوده.

المنطق يقول إن كل شيء إبتدأ بالوجود يجب أن يكون هنالك مُسبب لوجوده. فمثلا: الكاميرا. هنالك سبب لوجود الكاميرا بأن شخصًا ما أو عدة أشخاص اخترعوها، أوبكلمات أخرى أوجدوها. مثال آخر هو الكون. فبما أن العلماء وجدوا دلائل على بداية للكون فيجب أن يكون هنالك مُسبب لهذه البداية. هذه المعادلة المنطقية لا تنطبق على الله، لأنه لا توجد بداية لوجود الله! فالله موجود منذ الأزل ولم تكن هنالك فترة زمنية التي لم يكن الله موجودا فيها، ولذلك فلا حاجة لوجود مُسبب كي يوجد الله.

ماذا يعني الله موجود منذ الأزل؟ هل هنالك شيء قبل الأزل؟ بالرياضيات هنالك إشارة المالانهاية: ∞ ويستعملونها لفحص تصرف الدوال الحسابية بالأرقام الكبيرة جدا. ومن المتعارف عليه أنه لا شيء أكبر من هذه الإشارة فمثلا: ∞ + 1 = ∞! أو حتى ∞ = ∞ + ∞! نفس المبدأ من الجهة الأخرى للمحور، أي للأرقام السالبة والرمز هو ناقص مالانهاية بحيث أنه لا يوجد شيء أصغر من هذا الرمز. فبهذا، وإن صحّ التعبير فإن الأزل هو ∞-!

وبما أننا تكلمنا عن بداية الكون، فجدير بالذكر أنه قبل وجود الكون لم تكن هنالك أي مادة أو ذرة، ولا حتى مكان أو حيّز ليتسع لأي ذرة. وأيضا لم يكن هنالك أي زمن! فإن أغلبية علماء الفيزياء مقتنعون أن الزمن إبتدأ عند بداية الكون فقط! فعندما أُوجِدت الذرة الأولى أُوجِد معها الحيّز المناسب لها، وإبتدأ الزمن بالعد! لذلك أستطيع أن أقول أن الله في بداية الكون خلق المادة وأيضا خلق الزمن، ولهذا لن يكون الله محدودًا بالزمن بل خارجًا عن محوره.

من خلق الله؟ الله غير مخلوق ولا يوجد مُسبب لوجوده بل هو موجود منذ البدء، منذ الأزل وحتى قبل أن تبدأ ساعة الزمن بالدق! الله هو الالف والياء، البداية والنهاية، الكائن والذي كان والذي يأتي.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا