لقد نقل لنا الكتاب المقدس الكثير من خطايا الملوك؛ لكن عادةً يذكر النقاد خطية الملك داود، أحد الملوك الذين أخطأوا، الذي زنى مع بثشبع وقتل زوجها أوريا الحثي (٢ صموئيل ١١). وتثير خطية داود الكثير من التساؤلات عند الكثير من النقاد منها:

كيف يُكلم الله إنسان زانٍ كداود ؟

وكيف يُكرم الكتاب المقدس داود من جهة، و يذكر أنه زانٍ من جهة أخرى، وكأن الله يشجع على الزنى ؟

ولماذا يُورد الله حوادث زنى غير لائقة بكتابه المقدس؟ وغير لائقة بالقادة والملوك ؟

فيما يلي بعض الأجوبة على هذه التساؤلات:

أولاً: لكي يبرز الله حقيقة الإنسان الخاطئة:
الله أورد قصص عن خطايا القادة في الكتاب المقدس، لكي يبرز لنا كبشر حقيقة هامة جدًا؛ وهي أن الجميع أخطئوا، ومن ضمنهم الأنبياء والكهنة والمولك. طبعًا كما تعلمنا سابقًا، لم يُخطئ الكهنة والأنبياء بالزنى أو بتعدد الزوجات الذي هو أيضًا زنى؛ لكن هذا لا يجعلهم معصومين عن الخطية، فهُم بالطبيعة خطاة؛ كما يعلم الكتاب في العهد القديم:

" الكل قد زاغوا معًا فسدوا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحدٌ" مزمور ١٤: ٣ و٥٣: ٣.

ويؤكد على هذه الحقيقة الوحي في العهد الجديد حيث قال:
" ١٠ كما هو مكتوب؛ أنه ليس بار ليس ولا واحد.... ٢٣ إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم (عجزوا أن يصلوا) مجد الله." رومية ٣.
فالله دائمًا يُركز على حقيقة قبول الإنسان من خلال إنعامه عليه، وليس من خلال استحقاق الإنسان.

ثانيًا: لكي يعلمنا الله أن الحل هو كشف الشر وليس سَتْرَهُ:
نحن نعيش في مجتمع تقوده فلسفة "استتروا"، "داروا"، من جهة الخطية، لتجنب الفضيحة؛ وهذه الفلسفة مناقضة تمامًا لطريق الله. فالحل في مجتمعنا هو أن لا يذكر حدث كهذا أمام الناس للحفاظ على مكانة الملك أو القائد. أما حل الله فهو أنه يجب أن يُفضح الخطأ لكي يُعالَج ويكون عبرة لباقي الشعب، لمجد الله القدوس. لذلك يُعلِم الكتاب المقدس المؤمنين:
" ١٦ اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات لكي تُشفوا.." يعقوب ٥.
إن الاعتراف للبعض بالزلات هو الطريق للشفاء؛ لكن إبليس يريد أن يجعل المؤمن يتكتم على زلاته وخطاياه لكي يظل رابطه ومسيطر عليه بها؛ فيقول الكتاب المقدس أيضًا:
" ١٣ من يكتُم خطاياه لا ينجح ومن يقر بها ويتركها يُرحم." أمثال ٢٨.
فطريق الله الحقيقي مناف ومناقض تمامًا لحضارة "استتروا"، "داروا".

ثالثًا: لكي يبين لنا الله أن الجميع تحت القانون:
إن من أعظم الصفات التي يبرزها الكتاب المقدس لله هي أنه يحاسب القادة على أخطائهم؛ ولا يوجد عنده استثناءات؛ بل الجميع تحت القانون، إن كانوا ملوك أم فقراء. فياتي لملك مثل آخاب الذي ذهب ليغتصب حقل إنسان بسيط اسمه نابوت، بعدما دبرت زوجته له مكيدة ليموت فيها، فيرسل له الله النبي إيليا ويقول له:
" ١٩ ... هل قتلت وورثت أيضًا؟ ثم كلمه قائلاً هكذا قال الرب، في المكان الذي لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب دمك أنت أيضًا." ١ ملوك ٢١.

لقد ساعدت تعاليم الكتاب المقدس هذه، العالم الغربي الذي نشأ فيها، لتطبيق ما يسمى بالديمقراطية؛ وهي سيادة القانون على الجميع ومن ضمنهم الرئيس. أما الوطن العربي، فلا زال في صراع سياسي مستمر لأن فكرة سيادة القانون ليست متأصلة في تعاليمه الدينية، حيث أنها فكرة دينية يهودية / مسيحية. أما فكرة الدين السائد في الوطن العربي هي، أنه من الطبيعي أن يكون هناك استثناءات خاصة للنبي أو القائد مناقضة للقانون. مما يعني أنه فوق القانون؛ وهذا يقدم فكرة أن القائد فوق القانون، فكيف يقبل أن يحاسبه القانون؟ وإلى هذا اليوم نرى التاثير المدمر لهذا التشويه لحقيقة شخصية الله الذي جعل جميع الوطن العربي في أزمة لا يمكن حلها إلا إذا انحنى بانكسار ليقبل أخلاقيات الكتاب المقدس، المؤسسة على سيادة القانون على الجميع من الكبير للصغير؛ وهي النظام الذي أوجده الله لحكومات هذا العالم.

رابعًا: المغزى هو ليس عمل الملوك، بل ردة فعل الله على عمل الملوك:
إن هدف الله من روي بعض الأحداث التي حدثت مع شعب الرب، هو إبراز ردة فعل الله على الأحداث؛ وليس لكي يعطينا تقريرًا إخباريًا على الأحداث بحد ذاتها.

فيما يلي خطية داود، وهي الزنى والقتل، وردة فعل الله عليها:

في ٢ صموئيل ١١، رأى الملك داود بثشبع امرأة أوريا الحثي، بينما كان في القصر وباقي الجيش في المعركة بعكس عادة الملوك (عدد١). وسيطرت الشهوة على قلبه وأخذ بثشبع وزنى معها. لكن عندما حَبِلت، دعى زوجها ليأتي إليه من المعركة، بهدف جعله يضطجع معها، ليداري عن خطيته؛ ويجعله يعتقد أن الولد الذي حبلت به هو منه (الأعداد ٦-١٣). لكن أوريا رفض أن يضطجع مع زوجته بثشبع، مراعاة لشعور باقي الشعب الذين كانوا في الحرب؛ مما من المؤكد جعل داود يخجل من نفسه لأنه لم يكن في المعركة حيث الشعب، بل كان في القصر. بعدما فشلت كل محاولات داود لجعل أرويا أن يضطجع مع زوجته، أرسل في يده رسالة إلى يوآب رئيس الجيش مفادها أن يجعله يموت في المعركة. فلكي يداري داود على خطية الزنى، قام أيضًا بجريمة قتل بحق أوريا الحثي (الأعداد ١٤-٢٥).

إن خطايا البشر لا تؤثر على قداسة وبر الله، لكن ردود فعل الله على خطيتهم هي التي تحدد مدى بِر وقداسة وعدالة الله.

دعونا نلقي نظرة على ردة فعل الله على هذه الخطية:

١- لقد استاء الرب جدًا من هذا العمل:

في آخر عدد من الأصحاح ١١ من صموئيل الثاني يقول الكتاب:
" ٢٧ ...أما الأمر الذي فعله داود فقَبُح في عيني الرب."

٢- أرسل الرب ناثان النبي إلى داود ليواجهه؛ وقال له قصة ليجعله يحكم بها على نفسه:

" ١ فَجَاءَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «كَانَ رَجُلاَنِ فِي مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا غَنِيٌّ وَالآخَرُ فَقِيرٌ. ٢ وَكَانَ لِلْغَنِيِّ غَنَمٌ وَبَقَرٌ كَثِيرَةٌ جِدّاً. ٣ وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إِلاَّ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ قَدِ اقْتَنَاهَا وَرَبَّاهَا وَكَبِرَتْ مَعَهُ وَمَعَ بَنِيهِ جَمِيعاً. تَأْكُلُ مِنْ لُقْمَتِهِ وَتَشْرَبُ مِنْ كَأْسِهِ وَتَنَامُ فِي حِضْنِهِ، وَكَانَتْ لَهُ كَابْنَةٍ. ٤ فَجَاءَ ضَيْفٌ إِلَى الرَّجُلِ الْغَنِيِّ فَعَفَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَنَمِهِ وَمِنْ بَقَرِهِ لِيُهَيِّئَ لِلضَّيْفِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ نَعْجَةَ الرَّجُلِ الْفَقِيرِ وَهَيَّأَ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ». ٥ فَحَمِيَ غَضَبُ دَاوُدَ عَلَى الرَّجُلِ جِدّاً، وَقَالَ لِنَاثَانَ: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ الْفَاعِلُ ذَلِكَ، ٦ وَيَرُدُّ النَّعْجَةَ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ لأَنَّهُ فَعَلَ هَذَا الأَمْرَ وَلأَنَّهُ لَمْ يُشْفِقْ». ٧ فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ!..." ٢ صموئيل ١٢.

٣- لقد حكم الله على داود بِحُكمِه الذي حكم به، حيث قال:

" ٩ لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ. ١٠ وَالآنَ لاَ يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ لِتَكُونَ لَكَ امْرَأَةً. ١١ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَئَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجِعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هَذِهِ الشَّمْسِ. ١٢ لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ بِالسِّرِّ وَأَنَا أَفْعَلُ هَذَا الأَمْرَ قُدَّامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَقُدَّامَ الشَّمْسِ». ١٣ فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ». فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: «الرَّبُّ أَيْضاً قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ." ٢ صموئيل ١٢.

ورأينا كيف أن داود كابد أربعة ضربات قاسية كما قال؛ بالإضافة إلى موت الطفل عوضًا عن موته (تمامًا كما حكم):

١- الطفل الذي حُبل به مات ( ٢ صموئيل ١٢: ١٥-١٩)، وموته كان عوضًا عن موت داود (عدد ١٣-١٤).
٢- أمنون ابنه اغتصب اخته ثامار وهي ليست من نفس الأم ( ٢ صموئيل ١٣: ١-٢٢).
٣- قام أبشالوم، أخو ثامار من نفس الأم، بقتل أمنون على هذه الرجاسة ( ٢ صموئيل ١٣: ٢٣-٣٣).
٤- قام أبشالوم بثورة ضد داود أبيه أدت إلى هروبه من أورشليم وإذلاله بأخذ نساءه منه أمام أعين جميع إسرائيل كما قال الرب ( ٢ صموئيل ١٥: ١٠ إلى ١٦: ٢٣)
٥- موت أبشالوم إبن داود ونوح داود عليه ( ٢ صموئيل ١٨: ٣٣).

إذًا هنا ردة فعل الله هي التي تحكم على مدى احتماله للخطية، فلو سكت الله على عمل داود لكان يشجع الزنى فعلاً.
وإذا أنزل الله آية على داود تحلل له أن يأخذ بثشبع زوجة له، لكان الله (والعياذ بالله) زانٍ كداود؛ وأيضًا عاجز تمامًا عن وضع قانون كامل بحيث أن يطبق على الجميع دون وجود استثناءات (أي ترقيع).
لكن عندما يأتي الله ويوبخ داود ويواجهه ويقاضيه بسبب هذه الخطية؛ ويفضحه أمام كل الشعب؛ فمنها نتعلم أن الله قدوس، ولا يطيق الخطية، وعيناه أطهر من أن تنظران للشر (حبقوق ١: ١٣)، وبالتأكيد لا يشجع على الزنى كما يدعي بعض النقاد. وعنده قانون كامل، لذلك هو ثابت لا يوجد فيه استثناءات أو تعديلات؛ يُطبق على الجميع دون أي تمييز.
طبعًا لقد عوض الله لبثشبع على خطية داود تجاهها وتجاه زوجها، بأنه رفعها وأكرمها عن طريق مَسح ابنها سليمان ملكًا على أسرائيل.

فهل يوجد إله قدوس كإلهنا العظيم الذي لا يسكت على الإثم، وليست عنده محاباه، والجميع سواسية أمامه؟

ليس ذلك فقط، بل يأتي الله بعد هذا الحدث في الوحي الإلهي في بداية العهد الجديد لينقل نسل المسيح ويقول:
" .. وداود الملك ولد سليمان من التي لأوريا (أي من زوجة أوريا)" متى ١: ٦

أي أن الله، بعد خطية داود بحوالي ١٠٠٠عام، لا زال مصممًا بأن المرأة التي أخذها داود له، هي ليست من حقة، بل هي امرأة أوريا الحثي؛ لأن الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان.
يا له من إله قدوس ومجيد يستحق كل إكرام وعبادة ومجد. هذا هو الإله الحقيقي الذي نعبده، والذي نحن مدعوين لننقل صفاته المجيدة لمجتمعنا الذي نعيش فيه، أمام الكثير من الصور المشوهه التي تُروَج حَولنا عنه وعن كتابه المقدس.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا