نقرأ في كتاب الخروج عن حياة رجل الله موسى، الطفل العبراني الذي ترعرع في عائلة فرعون واكتسب حكمة المصريين، وما يُمَيِّز حياته هو التغيير الجذري والعميق الذي صنعه الله في قلب رجل الله الفريد هذا، حتى إن الكتاب يشهد أنه لم يكن شخص حليم مثل موسى!
مع أنه كبر في بيت فرعون، لكنه لم يُهمل انتماءه لشعب إسرائيل، لدرجة أنه قام بقتل رجل مصري عندما تخاصم مع رجل إسرائيلي.
لكن هذه الحادثة الصعبة أجبرت موسى على الهروب من وجه فرعون خوفًا على حياته، حتى إن أبناء شعبه لم يعترفوا بموسى خادمًا من عند الله، عندما تخاصم رجلان من شعبه، وأراد صنع الصلح بينهما، لكن اعترض أحدهم قائلًا: من أقامك رئيسًا علينا؟!
اعتمد موسى في مرحلة حياته الأولى وفترة الشباب على القوة الجسدية والحكمة البشرية، الأمر الذي سبب له الهروب وخيبة الأمل، لكن نحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله والمدعوين حسب قصده، كما جاء في رومية أصحاح 8. ونحن نعلم أن موسى أحب الله، وكانت عند موسى غيرة لشعب الله، مع أن الدافع والأسلوب لم يكونا حسب فكر الله.
هل اعتمدنا نحن في ماضينا على حكمتنا البشرية والقوة الجسدية مثل موسى، لخدمة الله أو حتى لتأمين أمورنا الشخصية ومصالحنا؟
نقرأ في رسالة يعقوب عن حكمة الله الوديعة والطاهرة، التي تُفكر بمصلحة الغير قبل مصلحتنا الشخصية، الحكمة الإلهية غير الأنانية مثل "الحكمة" الأرضية الجسدية الشهوانية، بل الشيطانية، كما كتب يعقوب!
بعد حادثة هروب موسى من فرعون خوفًا على حياته، نقرأ عن اللقاء المبارك بين موسى والله، الذي ظهر له كنار في العليقة، وأمره بأن يخلع حذاءه لأن الأرض التي كان واقفًا عليها أرض مقدسة!!!
نعم إخوتي، أرض الله مقدسة، بل قضية الله مقدسة لأن الله كلي القداسة والمجد والقوة، لذلك علينا جميعًا أن نخلع "حذاء" حياتنا القديم، حذاء الأنا والشعور بالانتماء "وحدي" لشعب الله، أو ربما فقط لكنيستي أو معتقدي ولاهوتي!
عندما خلع موسى حذاءه، اختبر بعد ذلك قوة وعمل الله في حياته، حتى إنه احتمل الألم والتذمر المستمر من شعب إسرائيل القديم، بل وكان حليمًا ومتواضعًا جدًا حتى مع إخوته هارون ومريم عندما انتقدوه واحتقروه!
ما أعجب عمل نعمة الرب التي تُغَيِّر قلب وكيان الإنسان الداخلي، فالقاتل والمُجرم يصبح حليمًا متواضعًا، والسارق يصبح كريمًا وسخيًا في العطاء، والزاني يصبح قديسًا، وغير المؤمن يصبح مؤمنًا خادمًا وكارزًا بالإنجيل للخليقة كلها.
نقرأ في رسالة بولس الرسول الأصحاح 6 عن سلاح الله الكامل، الذي يجب على كل مؤمن حقيقي بالرب يسوع المسيح أن يلبسه ويحمله كما أوصى بولس، لأن حربنا ليست مع دم ولحم. حربنا نحن ليست مع الإسرائيلي أو الفلسطيني أو اللبناني، ولا حتى مع الإيراني أو الأمريكي!!! بل حربنا مع الرؤساء والسلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر وأجناد الشر الروحية في السماويات. حربنا ليست مع الزميل في العلم أو العمل، ولا حتى مع القريب أو الجار أو من سلب حقي وسبب لي الضرر، ولا حتى مع إخوتي في الكنيسة، بل حربنا نحن هي فقط مع الشيطان وإبليس ومملكة عدونا الروحي!
لذلك يجب علينا أن نلبس سلاح الله الكامل، وأحد هذه الأسلحة هو حذاء إنجيل السلام، لكن يجب علينا أولًا أن نخلع الحذاء القديم لكي نلبس حذاء الإنجيل، ونبشر للجميع برسالة الإنجيل، رسالة المحبة والسلام مع الجميع، قدر المستطاع كما يعلمنا الكتاب، رسالة الخلاص والحياة الأبدية التي أكملها يسوع على عود الصليب، بموته وقيامته من الأموات في اليوم الثالث.
هل ما زلنا نرفع صوت القوة الجسدية والنقمة والسيف في وجه "أعدائنا"، أم إننا لبسنا حذاء إنجيل السلام لكي نصنع لنا من الأعداء أحباء، ومن الخصوم شركاء لنا في ملكوت الله، ملكوت المحبة والسلام الأبدي؟
