كانت هذه واحدة من التطويبات التي علمها الرب يسوع في موعظته على الجبل، الموعظة التي وضع فيها السيد المسيح اساسات الحياة المسيحية السليمة، والتي يتحتم على كل مسيحي حقيقي ان يتحلى بها، ليس بدون سكنى الروح القدس في قلبه وعمل النعمة في حياته (إنجيل متى 5: 9).

وبينما نحن في موسم الميلاد لا بد ان نذكر موضوع السلام، كيف لا ويسوع هو رئيس السلام، كذا قال عنه الأنبياء حوالي 700 سنة قبل ميلاده من خلال نبوة اشعياء النبي القائل: "6 لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيبا مشيرا الها قديرا ابا ابديا رئيس السلام." (اشعياء 9: 6). نعم - فميلاد المسيح مقترن بالسلام لا محالة، اذ بمجيئه بشرت جند السماء قائلة: "المجد لله في الأعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة". وفعلا، في ميلاده رنمت الملائكة وتهلل الرعاة وفرح المجوس وقدموا هدايا، وتنبأ سمعان الشيخ وانطلق بسلام بعد ان بارك الصبي، كذا سبحت حنة الرب، حتى النجوم أعلنت بمجيء المسيا بنجم عجيب مضيئ فوق مذوده. 

من هنا، نرى مشهدا جميلا ومتواضعا في الوقت نفسه، وهذا المشهد لهو متميز جدا بل وعجيب، اذ اتحد جند السماء مع ابسط طبقات الشعب، في أصغر مدينة بين رؤساء يهوذا وفِي مكان متواضع جدا - مذود بقر وضيع، وبالتالي نرى صورة رائعة للسلام والعدل، فالله يظهر لرعاة بسطاء مبشرا بميلاد المخلص ليرفعهم وليبطل الموجود، ويعلن ذاته لمجوس غرباء من المشرق كي يخزي حكماء هذا الدهر. 

بالمقابل، نرى مشهدا في غاية من العنف والشر والغضب، في ذات الموسم - ميلاد المسيا، موسم شهد مذبحة ما بعدها مذبحة، فيه استشهد أطفال بيت لحم وكل تخومها من سيف الطاغية هيرودس، مئات الأطفال، بعد ان أتاه المجوس مخبرينه بميلاد المخلص وبعد ان تأكد من حكمائه ان المسيح سوف يولد في بيت لحم، نرى أورشليم كلها تهتز، وبالتالي يرفس هيرودس برجليه صورة السلام الجميلة المذكورة، اذ يشعل غضبه ارجاء بيت لحم وضواحيها، فينزل السيف برقبات أطفال ابرياء دون مكان للرحمة او الشفقة وينحرهم كذبح البعير، ويبعد يسوع هاربا الى مصر.

الحاصلة هي ان الرب يرسل السلام لبني البشر، والإنسان يلاقيه بالحرب والذبح والقتل، وللأسف نحن نرى ذلك في أيامنا، بل وبشكل متفاقم وبشع، فمن ميلاد لآخر يزداد العنف وتشتد الحروب ويكثر الظلم، وفِي الآونة الاخيرة يحترق الشرق بضراوة وتسوده الحروب والقتل والرعب والتشرد والتشتت، ذلك الشرق الذي أتت منه رسالة الميلاد، رسالة السلام، يتحول الى ساحة متزعزعة لا تعرف السكينة او اي معنى للسلام ...

أين السلام وأين صانعو السلام؟! أولئك الذين إذا سعوا للسلام صنعوه، وإذا فعلوا ذلك فهم أبناء الله يدعون كما قال المسيح في التطويبة المذكورة. أين هم أولئك الرعاة البسطاء الذين سوف يسمعون بشارة الميلاد وينشرونها؟! أين أنتم أيها المجوس الحكماء الذين سيخبرون بمجيء رئيس السلام لارضنا عامة ولشرقنا خاصة؟! نحتاج امثالك يا سمعان الشيخ البار الذي انتظر بصبر ورأى خلاص الرب بأم عينه، ونريدك يا حنة العابدة المصلية المتشفعة ان تعودي وتزوري ارضنا من جديد، وفوق كل ذلك نريد ان نسمع تهليل وتسبيح جند السماء بمولد الرب الاله الذي يخلص شعبه من خطاياهم ...

يعوزنا كثيرا، في أيامنا بالذات، لصانعي سلام، أين أنتم يا أبناء الله المدعوين لصنع السلام، لنشر بشارة الميلاد، لإيقاف سيف هيرودس وبطشه وقتله؟! تواضعوا يا اصحاب الاملاك والقوة والنفوذ، فقد شبعت أنفسنا من هزء المستريحين وإهانة المستكبرين، كذا صرخ صاحب المزمور في أيامه، فنحن في موسم لرفع المتضعين، اصمتوا يا حكماء هذا الدهر، فنحن في زمن يخزيكم فيه رب الجنود، لان كبرياءكم جلب سيف هيرودس وحكمتكم أشعلت النار في الهشيم، فولى الطفل يسوع من وجهكم ...

ولكن اعلموا علما انه إن لم تتوبوا سيأتي يوم، وهو قريب، الذي يموت فيه شركم كما مات هيرودس، ويرجع الرب الى وطنه ليملك من جديد، ويعود ليرفع المتضعين ويخزي حكماء هذا الدهر، عندها سترجع بسمة الانتصار في محيا الرعاة وستبتهج مريم بالله مخلصها لأنه نظر الى اتضاع أمته، ورحمته الى جيل الاجيال للذين يتقونه، لأنه هو الرب الذي صنع قوة بذراعه، شتت المستكبرين بفكر قلوبهم، أنزل الاعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين، هو هو الذي يشبع الجياع خيرات ويصرف الاغنياء فارغين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا