لم يعط اللاهوتيون مسألة الحلال والحرام في المسيحية، القدر الكافي من الإهتمام، على الرغم من أهميتها في حياة الفرد، مثلا يسألك شاب من بين أبنائنا:

هل تناول المشروبات الكحولية حرام؟

أول كلمة حرام مع العقوبة ذكرها الله كانت في قصة أبوينا آدم وحواء ( وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلاً: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ.)"تكوين2: 16و17". وردت كلمة حرام في الكتاب المقدس بحدود (12مرة) على سبيل الذكر( فَلَمْ يَتَمَكَّنْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِلثُّبُوتِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ. يُدِيرُونَ قَفَاهُمْ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ لأَنَّهُمْ مَحْرُومُونَ، وَلاَ أَعُودُ أَكُونُ مَعَكُمْ إِنْ لَمْ تُبِيدُوا الْحَرَامَ مِنْ وَسَطِكُمْ.)"سفر يشوع7: 12". كما وردت بعدة مضامين مثل لعدم التناسي ( فَأَنْتُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ قَدْ سَبَقْتُمْ فَعَرَفْتُمُ، احْتَرِسُوا مِنْ أَنْ تَنْقَادُوا بِضَلاَلِ الأَرْدِيَاءِ، فَتَسْقُطُوا مِنْ ثَبَاتِكُمْ.)"2بطرس3: 17" أحتراز ( اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ!)"متى7: 15". أو وردت بشكل تنبيه ( وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ،)"أفسس5: 18" و تحذير ( لأَنَّ زَمَانَ الْحَيَاةِ الَّذِي مَضَى يَكْفِينَا لِنَكُونَ قَدْ عَمِلْنَا إِرَادَةَ الأُمَمِ، سَالِكِينَ فِي الدَّعَارَةِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِدْمَانِ الْخَمْرِ، وَالْبَطَرِ، وَالْمُنَادَمَاتِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ الْمُحَرَّمَةِ،) "1بطرس4: 3".

تتوضح كلمتي الحلال والحرام في الكتاب المقدس كطريقين أحداهما أسود والثاني أبيض، أمام الإنسان الذي خلقه الله مخيراً وليس مسير وله حق الإختيار، فلو سلك الخط الأول يعني سار بمحض إرادته في الرذائل ففقد محبة الله، وهذه وحدها خسارة روحية لو أدركها الإنسان لعرف مدى قيمتها. كأن الله يقول لكل خاطئ من بيننا: لو مارست ما منعتك عنه يعني أنك تُحزن قلبي وتحرم نفسك من محبتي فائقة الحدود، من حمايتي، من زمن النعمة، من الخلاص بدم الحمل ومن الملكوت. علما أن قانون الله غير صارم وغير نهائي مهما كان حجم الخطيئة ( وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا.) "رومية5: 20".  أن الله فسح المجال للخاطئ لكي يعود إلى جادة الصواب، حتى لم يجعل من العقوبة فورية بحقه كما يفعل القضاة في المحاكم الجنائية، بل فسح له مجال للتوبة لكي يعود ويحصل على كل البركات (لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ.)"لوقا15: 24". من منا لم يقرأ قصة النبي داود مع بَثْشَبَعَ ( فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ:  الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ.) "2صموئيل12: 13".  

قد يسأل آخر:

هل يوجد تحريم كبير وحلال دون حدود؟

الحرام واحد وأن أختلفت أنواعه، على سبيل الذكر وليس الحصر، أولاً: الفعل/ ممارسة الخطيئة. ثانياً: الأمتناع عن الفعل/ رفض العمل بالوصايا العشرة ( ثُمَّ أَعْطَى مُوسَى عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ لَوْحَيِ الشَّهَادَةِ: لَوْحَيْ حَجَرٍ مَكْتُوبَيْنِ بِإِصْبعِ اللهِ.)"الخروج31: 18". ثالثاً: نقض وصية من الوصايا العشر وإيجاد البديل. رابعاً: إغواء من الشيطان/ يوعز للبعض أن ليست كل خطيئة محرمة! مثلاً الاختلاس من تاجر متعود على ضرب بضاعته. الزواج من مطلقة ( كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُل يَزْنِي.)"لوقا16: 18". خامساً: ممكن أن نسميها بـ(رأس النعام) يظن الخاطئ بأن لا أحد يراه وهو يرتكب خطيئة ما في الظلمة، على سبيل المثال، سرقة الزوجة من محفظة زوجها.

أن القتل جريمة والكذب سقوط أخلاقي والسرقة إستلاء على مال الغير دون وجه حق، فلا يمكن تبريرها على أنها غنائم. أو يبرر أحدهم عمل سرقته بسبب الفقر المدقع أو الحاجة الماسة فيستشهد بفتوة (سارق السارق كوارث لأبيه). أن تبرير الفعل الشنيع لا يجوز في المسيحية مهما كانت الأسباب وأن جازت في الشرائع الأخرى، فإذا تمرضت زوجتك لا يجوز لك أيها الزوج المسيحي أن تمارس الزنى. ولو مارست الزنى يعني قررت نسيانك لله. وقد تحيد أكثر فتبرر خطيئتك قائلاً:

ماذا أفعل؟ لا أقدر أن أصبر من غير ممارسة الجنس.. لا أقدر أن أنام لم أحتس الخمرة كل ليلة.. لقد تعودت على ممارسة القمار. صعب عليَّ الأقلاع عن عادة التدخين.

كل بالغ فينا قادر على التمييز بين الحلال والحرام، وحماية لأنفسنا مما هو حرام علينا أن نسترشد بكلام يسوع المسيح "له كل المجد" وننتبه لعاقبتنا الوخيمة ألا وهي الخسارة الكبيرة لعطية الله الا وهي حرماننا من الحياة الأبدية في الملكوت. لذلك علينا أن نحكم ضميرنا ومتى ما وقعنا في شرك التحريم علينا أن لا نستسلم لملذاتها بل نمتنع عن ممارستها ونعود أدراجنا على طريق التوبة لنجد يسوع "لمسيح "له كل المجد" ينتظرنا، عندئذ لن نخسر أبونا السماوي، دون أن نتردد في الإستعانة بمعونة روح الله القدوس لأننا ضعاف ولازالت الخطيئة تسكن فينا وتستغوينا لعمل ما لا يرضي الله ( لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ.) ( فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ.)"رومية7: 15 و 20". فالحلال الذي يجب أن نرجوه هو أن يعيش الله فينا. ولكي أما الحرام الذي مصدره الشيطان لكي نحمي أنفسنا منه علينا أن نعمل بـ ( رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ.)"مزامير111: 10".

لم يجعل الله من كلمة (حرام) في الكتاب المقدس، قانوناً صارماً أو سيفاً قاطعاً، فمع النص العقابي توجد رحمة وعدالة ومحبة أنتجت تضحية الفادي على الصليب، لتأتي المغفرة مجانية من آب سماوي أحب أبنائه الخطاة ( لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.)"يوحنا3: 16".

أن الخالق أحترم عقلية المخلوق، التي بها ميزه عن الحيوان والنبات، بحيث ترك له حرية الإختيار بين التبعية لـ الله، أو تبعية الشيطان. وقد نبهنا ( لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ.)"متى6: 24". لم يلجأ الله إلى إنزال أقصى عقاب بحق أبوينا (آدم وحواء) كما ينادي معظم نواب الأدعاء العام في قاعات المحاكم بوجوب إنزال أقصى عقوبة بحق الجاني! بل فضل الله أن يخرج أبوينا من العقوبة بدرس تتناقله الأجيال، فكانت عقوبتهما ذي شقين، أولهما مادية وهي أخراجهما من الفردوس. وثانيهما معنوية وهي الحرمان من نعمة وبركة الحياة في الفردوس، دون أن يمنع عن ذريتهما من بعدهما على مر الأجيال ( بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ) "أفسس2: 5". بل أرسل إبنه الوحيد يسوع المسيح "له كل المجد". متجسداً في هيئة إنسان لكي لا يتركنا لقمة سائغة بين أنياب الشيطان.

أن الأمتناع عن ممارسة عادة سيئة كأننا نحرم على أنفسنا ما يستعبدها ويهينها لكي لا نفقد الحياة في ملكوت السموات. أن معرفة الحلال من الحرام بعين الإيمان يعني أننا سمحنا للمسيح يسوع أن يعيش فينا حتى تكون ضمائرنا في يقظة تامة ( وإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ عَيْنَانِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ النَّارِ.)"مرقس9: 47".

لا يجوز تحريم الشيء بحسب رأي البعض، مثلا لا يجوز للقسيس أو الكاهن أن يأمر الرعية بمقاطعة جيرانهم اليهود لأن أجدادهم قد صلبوا المسيح. أو أن يعلم أب فاشل أولاده على الكذب فيستشهد بمقولة قديمة( أكذب أكذب إلى أن يصدقك الآخيرين). أو أن يلجأ البعض إلى العمل بمقولة ميكافلي (الغاية تبرر الوسيلة.).

أن الكتاب المقدس واضح لا يشوبه لبس أو عدم فهم ( فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي.)"يوحنا5: 39". لذلك يجب أن لا نتخذ من أخطاء الغير مبررا لممارسة الخطيئة. فلا يجوز لنا كمسيحيين مخلصين بدم الحمل أن نشتم من يشتمنا أو نعادي من يُعادينا ( وأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،) "متى5: 44".                                                                        
بإرتكابنا ما حذرنا الله منها (الخطيئة) يعني أننا نُحزن قلب الله مما يجعل الواحد منا يعود نادماً طارقاً باب التوبة المفتوح على مصراعيه، ليأتي الثواب في شكل خلاص بدم الحمل وقد أبقى الله عقارب ساعة زمن النعمة مشتغلة ( واللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ،)"2كورنثوس9: 8".

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا