في جو مهيب وجليل، خاطب الله نبيّه موسى واعطاه الوصايا العشرة، حيث نقرأ في سفر الخروج 18:19-19: ‏‏"وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدّاً. ‏فَكَانَ صَوْتُ الْبُوقِ يَزْدَادُ اشْتِدَاداً جِدّاً وَمُوسَى يَتَكَلَّمُ وَاللهُ يُجِيبُهُ بِصَوْتٍ". نكتشف من قراءة هذه الآيات أن جبل ‏سيناء كله كان يدخن ويرتجف من محضر الرب، وأن الرب تكلم بصوتٍ عظيم وسط النار والسحاب والضباب. ‏‏(راجع أيضاً تثنية 11:4-13 وتثنية 22:5)، وأعطى الله لنبيّه موسى جملة من الوصايا التي ما تزال تجسّد، وحتّى ‏في أيّامنا في القرن الحادي والعشرين، حاجزاّ ورادعاّ للبشريّة من السقوط في ظلمة الخطيّة.‏

الوصايا العشر

وهذا هو نص الوصايا كما نطق بها الله في سفر الخروج 1:20-17: "أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ‏مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتاً وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ ‏وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلَهَكَ إِلَهٌ غَيُورٌ أَفْتَقِدُ ‏ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ وَأَصْنَعُ إِحْسَاناً إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ. لاَ ‏تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلَهِكَ بَاطِلاً لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً. اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ ‏وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ ‏وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ - لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا ‏وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. لِذَلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِتَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي ‏يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ. لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ ‏امْرَأَةَ قَرِيبِكَ وَلاَ عَبْدَهُ وَلاَ أَمَتَهُ وَلاَ ثَوْرَهُ وَلاَ حِمَارَهُ وَلاَ شَيْئاً مِمَّا لِقَرِيبِكَ".‏

في سفر المزامير، رفع الملك والنبي داود بالوحي تسبيحة شكر لله على وصاياه، وكتب واصفاّ ناموس الله ووصاياه ‏قائلاً في  مزمور 7:19-14: "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيماً. وَصَايَا ‏الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ الْقَلْبَ. أَمْرُ الرَّبِّ طَاهِرٌ يُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ. خَوْفُ الرَّبِّ نَقِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى الأَبَدِ. أَحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ ‏عَادِلَةٌ كُلُّهَا. أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ الْكَثِيرِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ. أَيْضاً عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِهَا وَفِي حِفْظِهَا ‏ثَوَابٌ عَظِيمٌ. اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا! مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي. أَيْضاً مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ احْفَظْ عَبْدَكَ فَلاَ يَتَسَلَّطُوا ‏عَلَيَّ. حِينَئِذٍ أَكُونُ كَامِلاً وَأَتَبَرَّأُ مِنْ ذَنْبٍ عَظِيمٍ. لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ صَخْرَتِي وَوَلِيِّي".‏

ونقرأ في إنجيل المسيح حسب البشير متى قصة شاب غني طرح سؤالاً مصيريّاً على الرّب يسوع: "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ ‏الصَّالِحُ أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ"؟ في جوابه على هذا السؤال المهم جدّاً، قال له الرّب يسوع: ‏‏"إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا. قَالَ لَهُ: أَيَّةَ الْوَصَايَا؟ فَقَالَ يَسُوعُ: «لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ ‏تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. (راجع متى16:19-19). فما أعطاه الله لموسى كان ولا ‏يزال قوانين أخلاقية لشعب الله قديماً وحديثاً. وللأسف الشديد فإننا نعيش في زمن يريد فيه معظم الناس أن يعيشوا ‏دون أي قانون أخلاقي يضبط سلوكهم وتصرفاتهم. فهم يريدون التحرر من الأخلاق، فالله في نظرهم إله الحزم والجزم ‏والربط، وبالتالي فهم يقولون من خلال تصرفاتهم وسلوكهم بأنهم لا يريدون الله، بل يريدون العيش كما يريدون بدون ‏أي رادع أو مرجع أخلاقي.‏

نتعلّم من الكتاب المقدّس بأن الله هو إله المحبة، وأن وصاياه لنا جاءت بدافع من محبته لنا. فالله يريد لنا الخير، ‏ويريد لنا الحياة الأفضل، ويريد لنا الحياة الأبدية. ووصايا الله تساعدنا أن نعيش في الحرية الحقيقية، أي الحرية من ‏العبودية للشر وللخطية وللعادات الردية. وصايا الله لا تستعبدنا بل تحررنا وتساعدنا لكي لا نسقط في فخ خداع ‏النفس أو الوقوع في حبال إبليس الشرير. عندما تقول الأم لابنها لا تلعب بالكبريت، أو لا تمشي وسط الشارع، ‏أو لا تشرب من وعاء الكلور، فإن السبب في طلبها هو محبة ابنها أو ابنتها. فهي لا تريدهم أن يحترقوا أو يمرضوا ‏أو يموتوا. كل طلباتها عبارة عن وصايا للخير وللحياة وللصحة الجيّدة لأولادها، وليس لتقييد حرّيتهم والتّحكم بهم.‏

علينا كبشر أن نتذكر دائماً بأن الله هو إله الخليقة كلّها وصاحب السلطان المطلق في الوجود. ولأنه الله، فإن له كل ‏الحق والقوة أن يقول لنا ما الذي يجب نعمله وما الذي يجب أن لا نعمله. وما يطلبه منّا الله دائماً هو لخيرنا ولحياتنا ‏ولسعادتنا، وليس لأي هدف آخر. وعندما يتجاوب النّاس مع كلام الله ويعيشون بحسب وصاياه، فإنهم يمجّدون الله ‏في حياتهم، ويختبرون حضور الله ونعمته الفيّاضة لهم.‏

طبيعة وصفات وصايا الله:‏

‏1. وصايا الله واضحة ومباشرة ولا يوجد فيها أي لبس أو غموض.‏
‏2. وصايا الله خفيفة وليست ثقيلة أبداً.‏
‏3. وصايا الله تبين بقوة الفرق بين الحق والباطل، وبين الخير والشر. فلا وجود لأي شيء يقع بين الحق والباطل أو ‏بين الشر والخير. فأي أمر في الوجود إما أن يكون خير أو أن يكون شر، ولا يوجد شيء وسط بينهما.‏
‏4. وصايا الله تستدعي طاعة النّاس لها والعمل على تطبيقها. ‏

توجد في عالمنا اليوم آراء وأفكار كثيرة تريد وتعمل على تغيير وتبديل وصايا الله لتتفق مع شهوات الناس الرديّة. ‏حتى في الأوساط الدينية، يوجد من يبرر النفاق باسم الشّطارة، والانحراف باسم الميل الطبيعي، والتحلل والفساد ‏باسم حقوق الإنسان والحرية. وهذه ألاعيب من الشيطان لاقتناص الناس إلى إرادته الشريرة.‏

لدى معظم الناس رأي يقول بأنهم مستعدين لعمل أي شيء ما دام لا يؤذي أو لا يعثر الآخرين. فهم يقولون أنهم ‏مستعدين لإقامة حفلة رقص ومجون وسكر لأنهم لا يؤذون فيها الآخرين. وكثيرون مستعدين للكذب إذا كان ذلك ‏مقبولاً ولا يؤذي أحد. ونسبة عالية من الناس يقولون أنهم قادرين بأنفسهم أن يقرروا ما هو الصحيح والأخلاقي ‏بناءً على تجربتهم الشخصية في الحياة، ولا يحتاجون إلى وصايا وشريعة الله.‏

مثل هذه الأقوال والمواقف قادت وتقود العالم اليوم إلى مستنقع الحروب والدمار والرذيلة والسقوط الأخلاقي بلا ‏حدود. لذلك لا غنى للعالم عن وصايا الله، لأنه بدون الله تعم الفوضى والانحطاط، ويكتب العالم نهايته التعيسة ‏بيده.‏

بالعودة إلى خروج 2:20: "أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ". نلاحظ بوضوح أن ‏الله عمل أولاً على تأكيد سلطته وقوته ومجده وقدرته على عمل ما لا يستطيع الإنسان عمله، وذلك قبل إعطاء ‏الوصايا. فهو يقول أولاً: أنا الرب إلهك: فهو هنا يعلن بأنه الله وبأنه الرب، أي أنه إله وسيّد الإنسان. وبالتالي فله ‏كل السلطة والحق أن يعطي الإنسان الوصايا التي يراها مناسبة. فالله الكلي الوجود، والكلي المعرفة والعلم، ‏والكلي القدرة والسلطان، هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في هذا الوجود. تقرأ في أمثال 3:15: " فِي كُلِّ ‏مَكَانٍ عَيْنَا الرَّبِّ مُرَاقِبَتَيْنِ الطَّالِحِينَ وَالصَّالِحِينَ". وفي إرمياء 24:23 "إذَا اخْتَبَأَ إِنْسَانٌ فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةٍ أَفَمَا أَرَاهُ أَنَا ‏يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَمَا أَمْلَأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ يَقُولُ الرَّبُّ؟" وبنفس المعنى في عبرانيين 13:4 "وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ‏ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذَلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا". ‏

الله كلي الوجود (إرمياء 24:23) وكلي العلم (عبرانيين 23:4) وكلي القدرة كما نقرأ مثلاً في إرمياء 17:32: " ‏أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ هَا إِنَّكَ قَدْ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقُوَّتِكَ الْعَظِيمَةِ وَبِذِرَاعِكَ الْمَمْدُودَةِ. لاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ ‏شَيْءٌ". كذلك فإن الله مستقل الإرادة ولا يحتاج إلى استشارة أحد كما نقرأ في دانيال 35:4 "هُوَ يَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ فِي ‏جُنْدِ السَّمَاءِ وَسُكَّانِ الأَرْضِ وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ يَدَهُ أَوْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟". وفي إشعياء 13:40-26،15. ‏وإشعياء 1:66: "هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: السَّمَاوَاتُ كُرْسِيِّي وَالأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ" ‏

الولايات المتحدة الأمريكية اليوم هي أقوى دولة في العالم اليوم، فلديها المال والعلماء والسلاح والسلطة لتملي ‏على العالم شروطها في العلاقات الدولية والسياسات المختلفة. ولكن كل قوة وعظمة أمريكا هي كلا شيء أمام قوة ‏وسلطة الله القدوس. ‏

مع أن الله أعطانا الوصايا بدافع المحبة، ولأجل أن نعيش حياة مقدّسة ومرضية أمامه ومع الناس. إلا أن العالم رفض ‏وما يزال يرفض وصايا الله.‏

فأولاً: الخطاة يرفضون وصايا الله. نقرأ في خروج 2:5 كلمات رفض وعصيان نطق بها فِرْعَوْنُ مصر: «مَنْ هُوَ ‏الرَّبُّ حَتَّى أَسْمَعَ لِقَوْلِهِ فَأُطْلِقَ إِسْرَائِيلَ؟ لاَ أَعْرِفُ الرَّبَّ وَإِسْرَائِيلَ لاَ أُطْلِقُهُ". ما أكثر فراعنة اليوم والذين يقولون: ‏‏"من هو الرب حتى أسمع لقوله" ويقولون أيضاً : " لا أعرف الرب". أجل ما أكثر الخطاة والفراعنة الذين يرفضون ‏الله ويرفضون سلطانه ولا يعرفونه في أفكارهم وأفعالهم وأقوالهم.‏

عالمنا اليوم لا يعرف الله الحقيقي ولا يسمع لصوته. إنهم يعرفون آلهة الذهب والفضة والنحاس والحديد والحجر ‏والخشب. إنهم يعرفون آلهة القتل والكراهية والحروب والموت والدّمار. إنهم يعرفون آلهة الزنا والنجاسة والدعارة ‏والانحراف والرذيلة. أنهم يعرفون آلهة النفاق والدجل والمراءاة والمسايرة والرّشوة . وهذه الآلهة مريحة لهم. هذه ‏الآلهة تشبع رغباتهم وشهواتهم الجسدية الأرضية. لذلك لا يريدون الله الحقيقي، لأنهم يظنون أنه جبار ومتسلط ‏ووصاياه ثقيلة، غير عالمين أن آلهة هذا العالم هي سبب كل ما يعانيه الناس من أمراض وفساد وحروب وفقر وجوع ‏وحروب ودمار وكراهية وعنصرية وعذاب وكل أشكال الشرّ والويل في عالمنا المعاصر. وأن الله الحقيقي هو اله المحبّة ‏والعدالة والسّلام لجميع النّاس.‏

ثانياً: المتديّنون وبعض المؤمنين أيضاً يرفضون وصايا الله: لو سأل كل واحد منا نفسه: هل يوجد لله ‏سلطان حقيقي على حياتي؟ هل الله حقاً ربي وسيدي ومعلمي ومرشدي وناصحي وقائد حياتي؟ صحيح أننا كمؤمنين ‏نعترف بوجود الله وسلطانه وقداسته، ولكنّ البعض منّا يعيش أسبوعه من يوم الاثنين إلى يوم السبت وكأنهم لا ‏يؤمنون بالله، حيث لا وجود له في كلامهم وتصرّفاتهم. ويتذكرون صباح يوم الأحد وجود الله وسلطانه، ويأتون إلى ‏مكان اجتماع الكنيسة للصلاة بدافع الواجب وحب الظّهور والقبول الاجتماعي، وليس بسبب محبة الله. ويعودون ‏بعدها إلى حياتهم المستهترة وغير المكرّسة لشخص الله القدّوس. فخلال الأسبوع يعيش بعض المؤمنين بدون صلاة، ‏وبدون قراءة الكتاب المقدس، وبدون عمل أي خير للآخرين، وبدون الاستماع لصوت الله من خلال الكتاب ‏المقدس، وبدون التفكير في أسلوب حياتهم إن كانت سبباً لمجد الله أم لا. إن بعض المؤمنين يهملون الله في حياتهم ‏اليومية وكأنهم يقولون مثل فرعون: من هو الرب حتى أسمع لقوله؟ مثل هؤلاء لا يريدون أن يتدخل الله في تفاصيل ‏حياتهم اليومية، ويعملون ما يحلو في أعينهم دون أي اعتبار لكلمة الله، ودون التبشير ومشاركة الغير بأي شيء عن ‏محبة الله وعن الصليب وعن ضرورة التوبة.‏

بالعودة إلى خروج 2:20 نلاحظ أن الله بعد أن أكّد على سلطته وقدرته ومجده بقوله: "أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ". عمل الله ‏على توضيح أساس وسبب مسؤولية البشر تجاه شخصه القدّوس. أي أن الله أخبر الناس بسبب ثانٍ يجعلهم ‏مسئولين أمامه ومطالبين بطاعته، وهو عمل الله في حياة الناس. أي أن ما يعمله وعمله الله للإنسان هو سبب رئيسي ‏وجوهري يعطي لله الحق في إعطاء الوصايا للناس، ويجعل الناس ملزمين في طاعة هذه الوصايا، لذلك فهو يقول: ‏‏"الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ" من هذا القول نستنتج أن الذين أخرجهم الله من أرض العبودية ‏ملزمين بطاعة الله. والخروج من العبودية هو عمل الفداء، والفادي الوحيد هو الله. والفداء يعني دفع ثمن المفدي: ‏فالعبد لا يتحرر من العبودية إلا بدفع الثمن، والذي يدفع الثمن يصبح المالك الفعلي للعبد الذي فداه. أي أننا ‏في الفداء تحررنا من العبودية بثمنٍ دَفَعَهُ الله نفسه، وبالتالي فنحن لسنا ملك أنفسنا بل ملك لمن اشترانا وأخرجنا ‏من سلطان الظلمة والعبودية. وبما أننا ملكه، فهو بالتالي يملك كل الحق في أن يأمرنا بأن نعمل أشياء معينة، ونمتنع ‏عن عمل أشياء غيرها.‏

لقد عمل الله للإنسان ما لا يستطيع الإنسان عمله من أجل نفسه. فشعب الله القديم لم يستطع أن يخلّص نفسه من ‏فرعون مصر، ولكن الله أخرجهم بذراعه القوية. والمؤمنون بشخص الرب يسوع اليوم لم يُخِلِّصوا أنفسهم بأعمالهم، ‏بل أن الرب يسوع هو الذي خلّصنا بدمه الذي سفك على الصليب. وبالتالي فالرب يملك السلطة والقدرة على ‏حياتنا ليعطينا الوصايا والنواهي والأحكام والأوامر.‏

لاحظوا معي التسلسل في عملية إعطاء الوصايا:‏
‏1- أولاً: أعلن الله عن نفسه: أنا هو.‏
‏2- ثانياً: أعلن الله انّه المخلص والمحرّر والفادي: أخرجك من مصر.‏
‏3- ثالثاً: أعطاهم الله الوصايا للحياة الأفضل.‏

عمل الله في الماضي وما يزال يعمل اليوم من أجلنا ما لا نستطيع عمله بأنفسنا. نقرأ في أفسس 12:2: " أنكم ‏كنتم في ذلك الوقت بدون مسيح، أجنبيين من رعوية إسرائيل، وغرباء من عهود الموعد، لا رجاء لكم وبلا إله في ‏العالم". ليس هذا فقط، فنحن كما نقرأ في أفسس 1:2 كنّا "أمواتاً بالذنوب والخطايا". وبدافع من محبّته لنا، بادر ‏الله، ونحن أموات بالخطايا، الى بعث الحياة فينا بخلاصنا بنعمته الغنيّة (راجع أفسس 5:2). أي أن خلاصنا وتبريرنا ‏وخروجنا من مستنقع الخطيّة: " لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". (أفسس 9:2). فكل الفضل وكل المجد هو لله، ‏وبالتالي لله كل الحق أن يقودنا في الطريق الذي يريده هو، لأنه يعرف ما هو الأفضل لنا.‏

تصوَّر أن سفينة غرقت في البحر، واستطاع بعض الركاب النجاة باستخدام بوصلة قادتهم إلى الشاطئ، وبعد وصولهم ‏الى شاطئ النجاة، حطّموا البوصلة ورموها، وأرادوا متابعة السير لوحدهم، ولكنهم اكتشفوا خلال وقت قصير أنهم ‏لا يعرفون الطريق وتأسفوا على تحطيمهم البوصلة. ‏

ونحن اليوم نحتاج إلى بوصلة الله. نحتاج إلى الوصايا لتقودنا في طريق الخير والمحبة والقداسة والبر والتقوى، وبدون ‏هذه البوصلة نضيع ونسقط في الشر والخطية والشهوة الردية والموت والضياع إلى الأبد.‏

هل نقبل عطية الله الرائعة؟ هل نقبل وصاياه؟ أم نرفضها ونضيع في الظلمة وفي دروب هذا العالم الذي سقط في ‏مستنقع الشّر؟! ‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا