لكل شيء وقت وزمان

محاولة مونتغمري استعجال النصر: بعد نجاح قوّات الحلفاء في إنزال نورمادي على الشواطئ الغربية لفرنسا في السّادس من حزيران في العام 1944 لمواجهة جيوش ألمانيا النّازية، حاول مونتغمري القائد الإنجليزي في أيلول من العام نفسه أن يستعجل النّصر ويحسم الحرب العالميّة الثّانية ويدخل برلين قبل حلول الشتاء، فقام بعمليّة إنزال عشرة آلاف من المظليين البريطانيين تساندهم فرقتين أميركيتين وراء خطوط الأعداء بالقرب من مدينة ارنهام الهولنديّة المتاخمة للحدود الغربية لألمانيا. ولكن تلك العمليّة قد باءت بالفشل، وبعد قتال دامَ أياماً تسعة أمر مونتغمري نفسه فرقته بالإنسحاب، فما عاد من العشرة آلاف مظلي سوى أقل من الرّبع فقط! وهكذا استمرّت الحرب وجاء الشتاء ولم تنته حتى أيّار من العام 1945. "لِلْحَرْبِ وَقْتٌ وَلِلصُّلْحِ وَقْتٌ" (الجامعة3:8).

كلمة الفصل للجالس فوق المُقبّب: الله وحده هو المسيطر تماماً على أحداث التاريخ كلها وفي يده الأوقات والأزمنة بمقدار محسوب بدقّة متناهية. قد تضغط يد الإنسان على الزِّناد – سواء في أوروبا أو سوريا أو في أية بقعة من بقاع الأرض كلها- لتشعل حرباً طاحنة، ولكن ما مَن أحد يستطيع أن يوقف تلك الحرب ويعيد الهدوء والأمان إلاّ متى تحرّك الجالس فوق المقبّب (الجلد المنبسط أو القبّة الزرقاء) على ذلك العرش الذي منظره كحجرالعقيق الأزرق، ليقول وصوته كصوت مياه كثيرة: كفى!

على أنه مهما كانت الصراعات والصعاب التي تعترض طريقنا في هذه الأيام، فإن القدير لن يبخل علينا بالمعونة الوافرة التي نحتاجها حين نسرع إليه طلباً للمعونة والإنقاذ! وفيما نسير قدما مستندين بالإيمان على الرب، عوضا عن التقهقر والإنسحاب من معركة الحياة والخدمة، سنجد أن الجبال تذوب أمامنا لتصير سهولاً، وأن العدو قد انكفأ مهزوماً. وهكذا تُستمطر الخيرات من سحب المشقّات لنقدم الحمد لاسمه وفي أفواهنا ترنيمات. "ترنّمي أيتها السّموات لأن الرب قد فعل..." (إشعياء44:23).

نحن لا نستطيع أن نستبق الأحداث أو نُعجِّل الأوقات التي رتبها الآب لكل أمر في حياتنا. ما علينا سوى أن ننتظره بسكوت ورجاء واثقين أنه لن يخيب طالبيه أبداً، لأنه مكتوب: " جيد أن ينتظر الإنسان ويتوقع بسكوت خلاص الرب" (مراثي إرميا 3:26) إذ ذاك وفي الوقت المحدّد والمناسب سيجعل كل الأشياء- مرّة كانت أم حلوة؛ مؤلمة أو مبهجة- تعمل لخيرنا ولحمد اسمه!

" يُعاد استجواب الشّاهد!":نحن جميعاً نميل بالفطرة إلى محاولة التّخلُّص السّريع من كل صراع أو ضيق قد يداهمنا من حيث لا ندري. قد تفلحُ محاولاتنا تلك مؤقتاً أو جزئيّاً، ولدهشتنا يعاودنا الضيق في موقف آخر رغم كل احتياطاتنا الماكرة والمُحكمة! لنسمع صوت القاضي السّماوي الحكيم قائلاً، فيما نهمّ بمغادرة قاعة الصراع ظانين أننا قد انفلتنا منه: " يُعاد استجواب الشّاهد!" فما لم يُتمم ذاك الذي أحصى جميع شعور رؤؤسنا، قصده الخاص والمحدد من كل صعوبة لا غنى عنها في عمليّة صقل شخصياتنا وإنضاجها، فإنه لن يدعنا ننجح في الهروب من صعوبات الطريق وفي سلوك الطرق المختصرة. فحريٌ بنا إذن أن نقبل بهدوء معاملاته معنا فلا نخفف شدة المحنة بالخل الممزوج بالمرارة وقد رفض هو نفسه شربه وهو على الصّليب، لكي يبقى بكامل وعيه ولئلا يُخدَّر إحساسه بالألم الذي كان معيّنا له من الآب لعلاج داء الخطية الفتّاك "وأَعْطَوْهُ خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمُرّ لِيَشْرَبَ، فَلَمْ يَقْبَلْ" (مرقس 15:23). كما أنه من المستحسن أن لا نؤجل الضيق الفعّال لئلا يباغتنا بأكثر شدّة ولمدة أطول. فلندع الألم الذي سمحت به يد القدير أن يأخذ وقته المعيّن منه تعالى ثم ينقضي، لأنه بعد الحزن نختبر الفرح غير الإعتيادي وبعد التأديب يأتي النصر والإبتهاج. فالشتاء لا يدوم طوال السنة بل هو مجرد فصل من أربعة لا أكثر. حقًّا هنالك للضيق وقت وللفرج وقت؛ للبكاء وقت وللضّحك وقت.

" وايضاُ يقودك الرب من وجه الضيق إلى رحب لا حصر فيه، ويملأ مؤونة مائدتك دُهناً " (أيوب 36 :16).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا