إن رأيتَ ظُلمَ الفقير ونزع الحَقِّ والعدل في البلاد، فلا تَرتَع من الأمر، لأنَّ فوقَ العالي عالياً يُلاحظ والأعلى فوقهما - (جامعة 5: 8).

فوق العالي عاليا، الشمس فوق الغيوم العالية

حُروب، قصف، دمار، إغتصاب، حرق، موت، استبداد، ظُلم... هذا ما نسمع به ونشاهده في الآونة الأخيرة أكثر من أي شيء آخر. وتتغلغل هذه الكلمات في كل نشرة أخبار، في كل صحيفة، وفي كل حديث نتناقله. الأمور تزداد سوء من يوم ليوم، حتى وصل الحال للبعض أن يصرخ مع إرميا النبي: "كَلّت عيناي من الدموع، غَلت أحشائي، انسكب على الأرض كبدي على سحق بنت شعبي"(مراثي 2: 11). أو يتساءل مثل داود:"حتى متى يا رب تنسانا كل النسيان"(مزمور 13: 1).

قد يبدو لنا من خلال مراقبتنا للأحداث أن الشَّر ينتصر، وأنَّ إلهنا صامت لا يفعل شيئا. لكن دعوني أذكركم وأذكر نفسي أن إلهنا يسمع، وصراخ المساكين يدخل أذنيه، إنه يرثي لمنكسري القلوب، وهو دائمًا الإله الأمين. نعم، بحسب الأمور التي نراها في العيان، قد نصاب بالإحباط وتصيبنا أسهم الشَّك والتساؤل. أحبائي، لا يجب أن تغيب عن أذهاننا الحقيقة بأننا نعيش في عالمٍ شرير، يرفض حُب الله وينكر عمله. الشيء الآخر الذي يجب أن يبقى نصب أعيننا هو كلمات المسيح عندما قال: "في العالم سيكون لكم ضيق، لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم"(يوحنا 16: 33). يا للتعزية والرجاء في هذا الوعد الرائع الذي ينعش قلوبنا وأرواحنا وسط كل هذه الأحزان.
 ومن خلال كل هذه الظروف، نتعلم ونستنبط دروسًا كثيرة، لكن في مقالي هذا أود أن أتأمل معكم في ثلاثة منها:

1) الله هو صاحب السيادة والسلطان:

يُحاول إبليس أن يوهمنا بأنه هو المنتصر والغالب، وهو الذي يسيطر على الأمور، ويتخفى وراء البشر، والأنظمة السياسية لتتميم خططه. صحيح أنه رئيس هذا العالم ونظامه الشرير، هو رئيس سلطان الهواء، وجنوده الشريره تتحرك في الأجواء لتبعث الشر. لكن مع كل هذا فإن سلطانه يبقى محدودًا. لقد شبههُ الرسول بطرس برسالته بالأسد (إبليس خصمكم كأسدٍ زائر-1 بطرس 5: 8). لننتبه لكاف التشبيه هنا، نعم ابليس يحاول أن يرعبنا بزئيره وضجته، لكنه أسدًا ضعيفًا بلا أسنان، مربوطا بحبل في يد الله القدير، ولا يستطيع أن يتعدى حدوده. كل هذا الشر الذي في العالم بسببه، وهو يقصد به الأذى والقضاء على أولاد الله، لكن الرب يسمح به للخير وتشكيل أولاده، ولإعلان عظمته وقدرته. وأكبر مثال من الكتاب المقدس لنا على ذلك نجده في قصة أيوب، حيث نقرأ أن الشيطان لم يصنع شيئًا إلا بأمر الله! وأمثلة أخرى كثيرة في الكتاب المقدس تعلن أن الرب هو صاحب السلطان، مثل قصة أستير ومردخاي، وقصة دانيال، الذي لما علم بإمضاء الكتابة، توجه إلى الرب بالصلاة، ولم تستطع عندها القوانين ولا ظلام الجُب، ولا زئير الأسود أن يهز شعرة واحدة من رأسه! فلا نخف إذا مهما اشتدت العواصف، وصعبت الظروف، ولندع البشر يقولوا كلمتهم، والقضاء يقول كلمته لكن ما دمتَ أنت يا رب لم تقل كلمتك بعد، فهيهات أن تكون كلمتهم هي الأخيرة، فقل كلمتك أيها الأول والآخر!

2) إله الرَّأفة والحنان (مزمور 40: 11):

لقد اختبر داود أزمتين شديدتين في حياته: مطاردة شاول له وانقلاب ابنه عليه. ووصلت به الحال الى ضيق نفسي شديد. لكن الرب كان كريمًا معه، لقد مالَ إليه وسمع صراخه، فتبدل هذا الصراخ إلى ترنيم: "وجَعلَ في فمي ترنيمة جديدة". لقد طلب داود الرب من كل قلبه وسط ضيقه، وسأله أن لا يمنع عنه رأفته.
في أيامنا هذه نمر بإختبارات وظروف صعبة، مثل غيوم سوداء ثقيلة تلبّد سماء حياتنا وتحجب كل بصيص رجاء أو فرح. نمر بمشكلة صعبة، ونتوقع بعد زوالها أن نلتقط أنفاسنا من جديد، وإذ بمشكلة أخرى تبغتنا، وتتراكم الغيوم السوداء مرة أخرى. لكن شكراً للرب، فهو إله الأمس واليوم والأبد. والذي إختبره أتقيائه في القديم يعطينا الثقة لما سنواجهه في المستقبل. نعم قد تسمح عنايته بإجتايزنا بظروف صعبة، لكن حكمته الفائقة أسمى من حكمتنا البشرية. هو يعرف الافضل، ويجعل كل الأشياء تعمل معاً للخير. هو يتحنن علينا، ويرثي لضعفنا. لنثق به، ونختبر محبته وحنانه ورأفته تتغلغل في كل ظروف حياتنا.

3) مُغَيّر الأوقات والأزمان (دانيال 2: 21).

العلي متسلط في مملكة الناس ويعطيها من يشاء (دا 4: 25) وهو يغير الاوقات والازمنة يعزل ملوكا وينصب ملوكا (دا 2: 13).
هذا العالم هو عالم الله، هو ُيعيّن المدبرين الحكام والقادة، ولكنه ليس بعيدًا عن عالمه، بل يتدخل في الأوقات المناسبة. فهو ضابط الكل، يده تصنع تاريخ الأمم والشعوب. ولنا على ذالك أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس: ففي قصة شعب الله في مصر، نقرأ أن الرب قسى قلب فرعون (خروج 7: 3-4)، قلب فرعون من الأساس كان قاسيًا متحجرًا، لم يتجاوب مع تحذير الله وإنذاره، فقسّاه الرب أكثر، وأنزل عليه وعلى شعبه ضربات شديدة في النهاية، وبهذا استعلنت ذراع الرب بقوة للمصريين (لأنه يقول الكتاب لفرعون: إني لهذا بعينه أقمتك، لكي أظهر فيك قوتي، ولكي ينادى بإسمي في كل الأرض- رومية 9: 17). ومثال آخر في العهد الجديد، في قصة ميلاد المسيح، حيث رتبت العناية الإلهية بأن يولد يسوع في حقبة الملك هيرودس، وعندما أمر هذا الملك الشرير بقتل كل أطفال بيت لحم، هربت العائلة المقدسة إلى مصر، وهذا كان بترتيب الرب لتتم النبوءة من هوشع (ومن مصر دعوت ابني- هوشع 11: 1).

يعطينا هذا اطمئنانًا أن حياتنا ليست في أيدي الناس، بل في يديه الرحيمتين، اليدين القديريتين اللواتي تنسجن من أحداث التاريخ نسيجًا رائعًا متقتا. نعم، وسط كل هذه الشرور، والظلمة، والطغيان لنثق ان الرب الهنا إله قدير، لا ينعس ولا ينام، هو يعرف الأفضل. وبحكمته ونعمته يحول الألم إلى مجد، والمرار إلى حلاوة.

آه كم اشتقنا إلى أزمنة وأوقات جديدة، أزمنة يسود فيها العدل والإستقامة، أزمنة خير وسلام، في حياتنا الشخصية، في بيوتنا وعائلاتنا، في مجتماعاتنا.

ربما لم نجد الحل لحد الآن، لكن لننظر بالإيمان الى الرب الذي يعطينا خلاصا، لندخل محضر الرب، ولا ننحصر بالظروف القاسية، بل ننسبي بمحبته. وعندها نرى الرب وحده في علاه، ولا تعود الظروف والمشاكل تهزنا. لتكن كلمات مزمور داود شعارنا في هذه الأيام: "من أصوات مياه كثيرة، من غمار أمواج البحر، الرَّب في العُلى أقدر". (مزمور93: 3)

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا