لوقا 13:24 

إنَّ حدَثَ القيامة هو أعظم حَدَث في كل التَاريخ، وليس ذلك فقط، بل ان هذا الحدث يخُص جميع الخليقة. هذا هو اليوم الذي تَهَلَّلَ العالم بأسرهِ فيه. لكن رغم هذا كله، نلاحظ شيئاً غريباً، ورُبّما غير متَوَقّع، نرى الرّب يسوع مشغول بشخصين! غريب هذا الأمر، فبعد الإنتصار والظفر العجيب، بدل أن يستغل يسوع هذا الموقف ليُعلن انه هو الملك وهو الرقيب، نراه يقترب من تلميذين باكيين وعن أسئلتهما يُجيب!

يُرَكّز الوحي على هذان التلميذان، لكنه لا يذكر إلا اسم واحد منهما هو كليوباس (لوقا 18:24)، ويضيف أنهما من قرية عمواس، ولكن لم يكونا من زمرة الإثني عشَر تلميذاً، بل كانوا من الفئة التي تبعت الرب.

لقد كانا عابسين، رغم كونهم تلاميذ، أي مؤمنين بيسوع. أليس ذلك مُثيراً للتَّساؤل؟  للأسف نحنُ كثيراً ما تبدو علينا علامات الحُزن والوجه الكئيب رغم ايماننا بيسوع.  سبب عبوسة هذان التلميذان هو خيبة الأمل : "ونحنُ كُنّا نرجو أنهُ المُزمِع أن يفدي اسرائيل".(لوقا21:24). ونحن كثيراً ما تُشابه حالتنا حالة هذين التلميذين، إذا خاب توقعنا بأمر مُعَيّن، إذا لم يستجب الرب لنا بحسب الطريقة التي رسمناها أو تمنيناها. لقد كانت توقعاتهم محصورة بشيء أرضي ومادي، ولم تمتد رؤيتهم الى ما هو أبعد من ذالك، خلاص كل العالم من الخطية، وليس الخلاص السياسي. 

لم يكونا عابسين فقط، بل كانا يتطارحان!(لوقا 17:24). وهذا نفس الفِعل المُستخدم ليصف طرح انسان لآخر بِحَجَر! يبدو من هذا الوصف ان النقاش كان حاداً، ونبرة الصوت تُعبر عن الإنفعال والجِدّية. لكن ما أعظم حُب الرب، وما أحلى قلبه المليء بالحنان والشّفقة والرأفة، فنراه وسط هذا المشهد يقترب بكل هدوء ويمشي جنباً إلى جنب معهما. وما هذا الا دليل على إهتمامه الفائق بالأفراد. فمهما كانت حالتك، هو يهتم بكَ شخصياً، يقترب منكَ، يمشي معكَ، يسمعُ لكَ. لقد كان مُهتماً بالموضوع الذي كانوا منشغلين بالتطارح حوله، وهكذا هو الحال بالنسبة لنا، هو يهتم بالتفاصيل التي تؤلمنا والتي تُسَبب الحيرة والتساؤل لنا. فكم من مرّة فتّشنا عن أحد نقدر ان نشفي غليلنا ونفرغ ما في داخلنا من ضغط وهم في حديثنا معه؟  لكن الجواب الشافي والكافي والعافي لا نجده الا عندما نفترب من الرب. لقد استمر النقاش الى ثلاث ساعات، وهي المسافة بين عمواس وأورشليم، ثلاث ساعات استمع الرب لأسئلتهم ، وأجاب عليها بالكامل. هوَ أول درس كتاب يُعقد في تاريخ البَشريّة! تغلغلت فيه  طول أناة الرب ومحبته، فإنه ليس في عجلة من أمره على الإطلاق، وإنه على استعداد كامل ان يمضي معنا جلسة ليعالج حيرتنا وتساؤلاتنا وليقدم لنا الشفاء. 

بعد ذلك نرى يسوع يكشف حالتهم الروحية : " أيها الغَبِيّان والبطيئا القلوب بجميع ما تَكَلّم به الأنبياء".(لوقا 25:24). هذان التلميذان لم يكونا مدركين لمعنى القيامة الحقيقي، حالتهم الروحية بإنحدار، بسبب توقعات خابت وانهارت، تحليل بشري أنزلهم الى الحضيض، وكأنهم يقولون: "يسوع هذا الذي وضعنا كل ثقتنا ورجاءنا به، قد مات وانتهت القصة وانتهى كل أمل ودُفن مع دفنه في القبر"! لقد تعَثّرا بتوقعات خاطئة. والتعثر وخيبة الأمل يُضفيان الحزن على  أجواء حياتنا، لينعكس ذالك على وجوهنا وكلماتنا. 

لقد تَوَقّع يسوع أن تكون حالتُهم أفضل  بكثير، فلقد كانت عندهم الكتب، فمن المتوقع ان يكون ادراكهم وفهمهم للأمور أفضل. فما السبب إذاً لكل هذا الحُزن والتّساؤل؟ نجد الإجابة في العدد 16: " ولكن أمسِكَت أعينهما عن معرفته". ولقد سمحَ الرّب بذالك لقصد مُعَيّن، فهو لا يريد أن يعرفوه ويختبروه بالجسد، حسب النظرة القديمة، لأنه أن اختبروه هكذا، لما استطاعوا أن يفهموا كلامه، ولم تكن لهم الفرصة بأن يفسحوا عن ما يشغل بالهم. يسوع أراد أن يتدرج معهم خطوة تلو الأخرى، ليوصلهم الى محطة الحق الإلهي، ليختبروا حقيقة المسيح المُقام. بعد ذالك، تظاهر أنه سيتركهم، ممتحناً بذالك ايمانهم وتمسكهم به. الرب يُعلّمنا ويفهمنا كلامه، ثم يوصلنا الى مُفترف طُرُق، وينتظر إستجابتك لمُبادرته.وأنت المسؤول عندها، إما ان تكمل معه الطريق، أو تنسحب.

بُرقُع وعمى روحي: البُرقُع هو الحِجاب الذي يَحجِب الرؤية عن شيء مُعَيّن. ولكن يوجد نوعاً آخر، الذي هو أكثر خطورة، الا وهو البُرقع الروحي الموضوع على القلب(2 كو14:3). فهؤلاء االتلاميذ تحدّثوا مع الرب لساعات طويلة، لكن البُرقع كان على قلوبهم ولم يفهموا الكلام. في حياتنا، وبسبب الخطية التي أدّت الى الانفصال عن الله، أُسدِلَ البُرقع على قلوب وعيون البشر، فكم من شخصٍ حاولنا التحدث معه عن محبة الرب وغفرانه، فتجده يقابلك بالنكران والمقاومة؟ إن ذهنه الروحي مُغلق، وعيناه الروحية لا تُبصر الحق. لكن المسيح أبطلَ كل عمى روحي، وفتحَ لنا باب الإتصال الإلهي. لكن رغم ذلك، فإن المسؤولية تقع على الأنسان بأن يرجع للرب، ويطلب منه أن يرفع البُرقع، ويمنَحَهُ المعرفة الروحية. وعندئذٍ نتمتع بالشركة معه، ويكسر الخبز معنا ويباركنا.

لقد تحولت حياة التلميذان تحويلاً جذرياً، فعرفوا حقيقة المسيح، ووبخوا أنفسهم في ضوء هذه المعرفة والمحبة: "ألم تَكُن قلوبنا ملتهبة فينا". فالمسيح يكشف حالة قلبك، ويقودك للتوبة، ويجتذبك بحبال محبته. أنه يريدك أن تدخل العمق معه، ولا تكتفي فقط بالعلاقة والمعرفة السطحية. يا ليتك تطلب منه أن يُلهب قلبك، ويفتح عيونك في كل مرة تقرأ كلماته، لتتلَذذ بشخصهِ، تتَشَبّه به وتعكِسَ صفاته.

 

 

 

 

 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا