" ٣١ وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَهُمْ مُسْتَهْزِئُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَعَ الْكَتَبَةِ، قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا!" مرقس ١٥.

هذا ما قاله رؤساء الكهنة عن يسوع وهو على الصليب؛ فبالرغم من أن رؤساء الكهنة قالوا هذه العبارة باستهزاء، لكن دون أن يشعروا، كانت هذه العبارة ربما أفضل عبارة ممكن أن تُلَخِّص حياة المسيح. نعم خلَّص المسيح جميع البشر، لكن نفسه لم يقدر أن يخلصها!!

من الجيد لنا أن نتذكر كل لحظة ماذا فعل المسيح لأجلنا على الصليب؛ لكن من الضروري لنا كمؤمنين، بأن نتمثل بما فعله لنا. كثيرًا ما ننظر إلى الصليب كحدث ليس له تطبيق عملي واضح لحياتنا؛ فنعتبره أمر يتعلق بذلك المخلص المجيد الذي جاء ليموت موتًا فريدًا ليفدي البشرية؛ فيصعب علينا أن نتمثل به بشكل حرفي. والسبب في هذا هو أننا ننظر ربما إلى جزئية الصليب كجزئية حَدَثَت في آخر حياة المسيح بالجسد. لكن في الحقيقة الصليب كان سيرة حياة المسيح كلها. هذا هو الأمر الذي من المهم أن نتمثل به ونحياه؛ لكي نكون مستعدين أن تجتازه ربما، ونموت لأجل المسيح والأخوة. إن المسيح، بالرغم من أن له القدرة على أن يُخَلِّص نفسه، لم يقدر أن يخلصها، لأنه خضع تمامًا لمشئية الآب؛ لذلك بذل نفسه لأجنا جميعًا كل أيام حياته على الأرض، وليس فقط وقت الصليب.

وللصليب في حياة المسيح، جانبان هامان، يجب أن نحياهما إذا أردنا أن نتبعه:

الأول: لم يقدر المسيح أن يخرج عن إرادة الآب:

إن المسيح كان دائمًا يشدد ويقول أنه كان دائمًا يتبع مشيئة الآب:

" ٣٨ لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي." يوحنا ٦.

فالمسيح كأقنوم الابن في اللاهوت، أخلى نفسه وأخضع نفسه تمامًا لجميع أركان الضعف البشري، أراد أن يخلص نفسه من الصليب، لكن لم يقدر على ذلك بسبب خضوعه التام لإرادة الآب، حيث قال قبيل الصليب:

" ٤٢ .. «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ».” لوقا ٢٢.

الثاني: لم يقدر المسيح أن يعيش لأجل نفسه، بل لأجل الآخرين:

لقد تواجه المسيح مع سلوك التلاميذ المعاكس تمامًا للصليب والمحاط بالأنانية والكبرياء وحب الظهور؛ فتارةً يفتكرون في مَنْ فيهم أعظم من الآخر، لوقا 9: 46، وتارةً يتحاجُّون على من هو الأعظم، مرقس 9: 39، وفي الليلة الأخيرة، لكي يزيدو على ألم المسيح قبل الصلب،  تشاجروا فيما بينهم على من هو أعظم، لوقا 22: 24. وذات يوم، يأتي إبني زبدي مع أمهما ليخجلا المسيح، وتطلب منه أمهما ليُجلس أحد أولادها عن يمينه والأخر عن يساره في الملكوت؛ فيختاظ باقي التلاميذ (متى ٢٠: ٢٠-٢٤). بعدها يقدم المسيح للتلاميذ وصفة الصليب ليبرز جانبين:

" ٢٥ فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. ٢٦ فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، ٢٧ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا."

الأول هو أن نظام العالم فيه رؤساء، أما المكلوت فليس فيه قادة أو رؤساء، لأن المسيح لم يجهز  قادة أو رؤساء، بل خدَّام. والثاني هو أن نظام العالم يقود فيه الرؤساء بالتسلط على الآخرين، أما الملكوت فيقود الخادم فيه عن طريق الانكسار واستعباد نفسه وبذلها لأجل الآخرين. بعدها يقدم لهم مثال نفسه، ويربطه في الصليب، فيقول:

" ٢٨ كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ." متى ٢٠.

لذلك كما قلنا، الصليب كان نتيجة حتمية لسيرة حياة المسيح، في طاعة إرادة الآب؛ والتي جعلته أن يعيش حياته لا لنفسه، بل لأجل البشر أجمعين. علَّمنا من خلال غسل أرجل التلاميذ، بأن نتنازل عن كرامتنا، راحتنا، وقتنا، مكانتنا؛ لأجل الآخرين.

فهل نحن مستعدين أن نتمثل بالصليب، ونكسر كرامتنا، راحتنا، وقتنا، أموالنا، برامجنا، لأجل الآخرين؟؟؟
هذا هو الصليب وهذه هي حياة الصليب؛ هل نحن مستعدون لأن نحياها؟؟

هذا هو العيد الحقيقي، وهذه هي الطريق لاختبار قوة القيامة؛ في حياتنا وفي أرضنا.

 

 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا