يفتخر الاهل بالابن الطبيب فهو يخدم الناس في ناحية هامة في حياتهم: صحتهم. يسعد الأهل بالابنة المهندسة فهي تعمل في مجال خلّاق ومفيد وراقي. وفوق هذا –المهنتان تدرّان دخلاً كبيراً وتسمح بحياة ميسورة ورغيدة.
لكن ماذا مع العمل في أهم مجال في الحياة: البناء الروحي والحياة الابدية؟ ماذا مع رعاية شعب الرب؟ ألا يشتاق اليها احد؟

احد الأسماء التي اطلقها الرب على نفسه كان "الراعي الصالح". وتحدث مراراً في عظاته عن رعيته وكيف يعرفها بأسمائها. انه اله شخصي.

في حكمته السرمدية اقام الرب رعاة على كنيسته/رعيته ووضع على اكتافهم مسؤولية عظمى.

نشر رسالة الانجيل تحتاج لوسيلة اتصال واضحة. يمكن للوسيلة (ان كان واعظ أو برنامج تلفزيوني أو صديق) ان تقوم بواجبها وبعدها أن تختفي عن الأضواء. لكن المتابعة والتلمذة لمن يقبل هذه الرسالة الثمينة يحتاج الى راعٍ.
والرعاية دعوة الهية لمن يتكرّس ويتفرغ لعملها. ولكن الأمر لا يقتصر على راعي الكنيسة ولكن الرب يريد اناساً وسط شعبه يعاونون في رعاية شعب الرب. فالراعي (ان كان راعي الكنيسة أو من يعملون عمل رعاية مع شعب الرب) يعلّم بالكلام وبالنموذج ويحمي من ذئاب الضلالات الخاطفة. انه متيقِّظ ومتأهب للذود عن الخراف.

انه يعتني ويشجع ويطبب ويقوّم. لولا وظيفته لأضحى المؤمنون مشوهين ومعاقين. لولا الرعاية لأضحوا كالنبتة البرّية التي تنمو بعشوائية. لولاه لكانوا كالأطفال الذين لا رقيب عليهم فيأكلون النشويّات فقط مثلاً فيفقد الجسم توازنه ويمرضون.

حاجة الرعاية لم تتغير في عصرنا بل وحتى زادت. فرغم امكانيات التواصل الشخصي، غير ان الوحشة كبيرة وكثيرون يشعرون بالغربة في عالم مليء بالناس. نعيش عصر السرعة ولا يتوفر الوقت للاهتمام بالغير. عصرنا هو عصر هرطقات وضلالات وهناك ضرورة لحماية شعب الرب منها.

رغم الحاجة الكبيرة غير انه ندر وجود الرعاة بالمفهوم الكتابي الاصلي الذي قصده الرب.

فضّل المدعوون للخدمة الانخراط في تعليم الكلمة او الوعظ او التسبيح أو التبشير أو وضع المشاريع والخطط أو الادارة وقليلون سلكوا درب الرعاة الوعر. فالرعاية جبهة عراك. انها درب محفوف بالمخاطر والراعي لا يسير به وحده بل عليه قيادة خرافه ليوصلهم للمكان الآمن. لن يقدر ان يتلكأ لئلا تضيع فرصته بالعودة من المرعى الى البيت قبل المغيب. كما أن عليه ان يحصي خرافه بشكل مستمر. لن يعود وقد ضاع منه خروف.

قليلون مستعدون للسهر في سبيل الرعيّة. قليلون يرغبون بتحمل وسخ الخراف على ملابسهم وعلى أياديهم. ويا للهول فان وسخهم من انواع مقرفة ومقززة مختلفة!

فهذا مرتبك في امور الحياة وعلى الراعي تذكيره بالمحبة الاولى. وذاك يكسب الاموال وقد أهمل عائلته والكنيسة وهو راض عن نفسه. كيف سينبهه ؟ وهذان الزوجان قد قررا الطلاق وربما تكون فرصة الراعي معهما الاخيرة لكي لا يقطعا الرباط بينهما. وهذا الشاب قد استمالته هرطقة مظهرها مشابه للكنائس الانجيليين وتبدو للوهلة الاولى كأنها اكثر حماسة للرب وللروح القدس ولكنها بعيدة عن الحق في التعليم والممارسة ومن هنا تستوجب انذار الشاب. كيف يفعل ذلك بمحبة وحزم؟ وها هي بعض الارامل التي اقعدهن المرض وعليه زيارتهن في البيوت. فوق هذا عليه تحضير عظة مع انه يشعر بالجفاف الروحي. وكيف ينسى الاجتماع المعيّن مع لجنته وقد قدموا اقتراحات عديدة لم يتأكد من جدواها للكنيسة بعد ولا يشعر بالسلام نحوها؟

ان مهمة الرعاية تستهلك الطاقة وترهق النفس وعلى مبتغيها ان يستثمر حياته فيها. انها خدمة ومهمة تستغرق العمر كله في الوقت الذي رغب هو فيه ، كما هي طبيعة البشر، بالجائزة السريعة والتقدير.

فوق كل هذا فان المعاش الشهري من الكنيسة لا يكفي لسد الاحتياجات. بعض اعضاء الكنيسة يستكثرون عليه وعلى عائلته معاشاً لا يصل الى نصف ما يكسبونه هم . يظنون انه كُتب عليه وعلى اولاده العيش بزهد. لقد اعتقد انه دعيَ للرعاية وليس للرهبنة المتقشفة! مؤخراً شعر في ذاته انه بدأت تتسلل الى قلبه نشوة حين يقدم له اعضاء الرعية تقدمات مالية-لا لشيء الا لأنها تساعده في تسديد احتياجات بيته. انه يشعر بتأنيب ضمير وقد طلب من الرب نزع ذلك من قلبه.

أمام الحاجة الكبيرة للرعاية (كدعوة متفرغة وأيضاً كخدمة يقوم بها الأعضاء لبعضهم البعض) وأمام تحدياتها نتذكر جلسة يسوع مع تلميذه عند بحر طبريا: وقف يسوع مع بطرس وعاتبه على نكرانه اياه. قام بعمل رعاية نموذجي واسترد تلميذه اليه. ثم سأله ان كان يحبه ولمسمع الاجابة الايجابية من بطرس قال له ثلاث مرات:أرع غنمي.

هل من يثبت محبته للرب ويرعى غنمه؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا