ان الحياة المسيحية مليئة بالتحديات والعمل بل والجهاد، كما قال بولس الرسول: "جاهدت الجهاد الحسن ..." (2 تي 4 : 7)، ومن يظن أن الحياة المسيحية الحقيقية "مفروشة بالورود" فهو مخطئ كل الخطأ. الخطوة الأعمق في مسيرة اتباع المسيح هي الانفراز او التفرغ لخدمة السيد، والتي تتطلب دعوة خاصة من الرب مؤيدة من اخوة روحيين، تحضيرات مضاعفة، صلوات كثيرة، حياة قداسة مستمرة بتصاعد دائم، كون هذا الشخص ذي سيرة حسنة وسمعة طيبة ومتطلبات دقيقة أخرى، والآيات في هذا الصدد كثيرة (أنظر مثلا من فضلك 1 تي 3 : 1 – 13، تي 1 : 5 – 9). ان الخل في واحد أو أكثر من هذه الصفات قد يعكس خدمة ذا عجز، تولّد عثرات وتطعن بجسد المسيح والكنيسة التي هي جسده وتأتي بأوجاع كثيرة، ان آجلا أم عاجلا.

ان خدمة السيد الرب بشكل عام، والتفرغ للخدمة بشكل خاص، ليست بالأمر السهل وينبغي التعامل مع هذا الأمر في غاية من الجدية وأخذه بمحمل الجد كل الجد، كيف لا وهي بمثابة تعامل مع الأقداس، وبالتالي فهي قمة في الأهمية والحساسية والدقة، بل ومحفوفة بتحديات وصعوبات وآلام عسيرة، وأكثر من ذلك بمخاطر ليست بقليلة، ولكن بالمقابل بالأمجاد والمكافآت والبركات لكل من يعمل بأمانة ولمن ينهي السباق بنجاح كما قال بولس الرسول في نهاية خدمته: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الايمان، وأخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي لا يفنى" (2 تي 4 : 6 – 8). من المهم أن نؤكد هنا أن خدمة الرب هي لكل مؤمن، وبالتالي فعلى جميعنا العمل بأمانة واطاعة الوصية، ولكن التشديد في هذا المقام على الأشخاص الذين ينوون الأقدام على خطوة التفرغ للخدمة والانفراز لذلك كليا.

ليس الهدف من هذا الكلام احباط عزيمة كل من ينوي الاقدام على هذه المأمورية العظمى، حاشا، فأن خطوة "الخروج للخدمة" أو "التفرغ للخدمة" لهي خطوة مباركة لكل من يتعامل معها بالمقدار الذي تستحقه من تعامل على صعيد الاستحقاق الشخصي للمأمورية، التوقيت المناسب والاطلاق الالهي تحت غطاء الكنيسة المحلية، الكل بإرشاد من الروح القدس (أع 13 : 2 – 3). من المهم جدا أن تكون النوايا القلبية للخروج للخدمة مقدسة وخالية من كل مآرب شخصية، محبة المال والعالم وشهوات الجسد، والا فستكون النتائج مدمرة للشخص نفسه خاصة ولجسد المسيح عامة.

نأتي هنا ببعض الأمثلة التي توضح وتؤكد ما ذكرنا أعلاه ومدى قدسية تلك المخدومة، فها نرى نوبة الكهنوت تقع على زكريا ليكهن للرب، والذي يشهد الكتاب له ولزوجته بأنهما كانا "... بارين أمام الله وسالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم" (لو 1 : 6) فيدخل الهيكل ليبخر للرب، وبينما هو يبخر يكلمه ملاك الرب وينبئه بأن زوجته سوف تحبل وتلد له أبنا، ولكن بسبب شك زكريا بالأمر يربط الرب لسانه الى موعد ولادة يوحنا (لو 1 : 8 – 22، 57 – 66). أمثلة أخرى فيها كانت العواقب وخيمة ومفجعة أكثر بسبب التعامل مع الأقداس باستهانة قصة حنانيا وزوجته سفيره بفترة فيها كان الانتعاش الروحي في رمته حيث كان الناس يأتون بالأموال ويضعونها عند أرجل التلاميذ لتستخدم لأجل الخدمة، يأتي الزوج المذكور ويقدمان قسما من المال والقسم الآخر يسلبانه، ويكذبان بذلك على الروح القدس فيميتهما الرب (أع 5 : 1 – 11). نقرأ أيضا قصة من العهد القديم، عندما نقل الشعب تابوت العهد أو "تابوت الله الذي يدعى عليه بالاسم اسم رب الجنود الجالس على الكروبيم" (2 صم 6 : 3)، فمد عزه يده الى تابوت الله وأمسكه لأن الثيران انشمصت، فحمي غضب الرب على عزه لأنه مس التابوت وأماته "بسبب غفله" (2 صم 1 – 11، 1 أخ 13 : 9)، ذلك التابوت نفسه الذي أصبح سبب بركة لبيت عوبيد (1 صم 6 : 12). نقرأ كذلك قصة النبي الذي افترسه الأسد لأنه لم يطع صوت الرب ولم يكن قلبه كاملا أمام الله (1 مل 13 : 24) وقصة شمشون الذي فارقه روح الرب واقتلعت عيناه بسبب شهوة الجسد (قض 16 : 20 – 21) وكلنا يعلم نهاية شمشون المحزنة، وأمثلة أخرى كثيرة.

عندما صعد موسى الى الجبل المقدس وكلمه الله هناك بكل الشريعة، حذّر الله من أن "كل من يمس الجبل يقتل قتلا" (خر 19 : 12)، وفي سفر يشوع يوصيهم أن يحرصوا جدا أن يعملوا الوصية والشريعة الالهية وأن يحبوا الرب، يحفظوا وصاياه ويسيروا في طرقه بل ويلصقوا به ويعبدوه بكل قلوبهم ونفوسهم (يش 22 : 5).

نعم، فالأمثلة صعبة ونتائجها قاسية ولكن من اللازم معرفتها كي يتوخى كل منا الحذر عندما ننوي الاقدام على خطوة مقدسة فيها نتعامل مع الأقداس، فإذا كان عهد الزواج مقدس وبالتالي ينبغي ألا نقدم عليه بتسرع أو عجلة، فكم وكم يجدر بنا ألا نتسرع بالانفراز لخدمة السيد، والتي هي في قدس الأقداس.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا