في أول زيارة لي للولايات المتحدة عام 1998 سألني ضابط الجوازات في المطار في مطار نيوآرك بعد أن نظر إلى جواز سفري: انت من الهولي لاند؟ فأجبته مازحاً: ظننت أنني وصلت للتو للبلاد المقدسة... فنظر إلى الضابط من وراء مكتبه وقال: من قال لك هذه الكذبه؟

في زياراتي الكثيرة لبلاد العم سام توصلت للنتيجة عينها: ان أمريكا ليست البلاد المقدسة، ففيها قمة العلمانية والانحلال الخلقي. إنها بلاد سبّاقة في الانحلال الجنسي وتصدير أفلام الدعارة وينتشر وبأ المثلية والمادية والموقف السياسي المنحاز في بقع عديدة في العالم. ولكن هناك جانب مضيء أيضا إذ هناك أعداد غير مسبوقة من الكنائس من شتى الأجناس والأشكال ونسبة الذين يترددون على الكنائس أيام الأحد هناك هي الأعلى دون منازع في كل العالم . وفي الوقت الذي يضمحل التأثير المسيحي في أوروبا الغربية فان التأثير المسيحي (والانجيلي خاصة) ما زال قوياً في الأجواء العامة في البلاد ككل. يعيش التأثير المسيحي بجانب المادية والانحلال الأخلاقي - حيث كثرت الخطيئة تكثر النعمة أيضا. يكفيها أنها البلاد التي أنتجت دوايت مودي وبيلي غراهام وريك وارين والبلاد التي ارسلت مرسلين للتبشير في كل العالم بما يزيد عن باقي دول العالم معاً. كما انها البلاد التي يعطي سكانها التبرعات للعمل المسيحي أكثر من باقي دول العالم.
هل هي منارة يُستهدي بها أم أنها مهزلة؟

ان لهذا السؤال أهمية قصوى لارتباط كنائسنا الانجيلية في البلاد بكنائس وهيئات في أمريكا. كنتيجة لذلك تكثر زيارات القساوسة وقادة الهيئات الانجيلية المحليين لأمريكا. كما تكثر زيارات المجموعات الأجنبية عامة والأمريكية خاصة في بلادنا لتفقد كنائسنا وهيئاتنا لفحص إمكانية الارتباط وحتى دعمها المادي.

بعض المحليين يتبنون ما يتم في أمريكا فيستقون من مائها وينهلون من عقيدتها ونهجها دون سؤال أو تحكيم للعقل، للكتاب المقدس والمنطق. انهم لا يفحصون مدى مطابقة ذلك لظروف بلادنا، حضارتنا وعقليتنا الشرقية. بالنسبة لهم أمريكا هي منارة و نتبنى كل موضة وتقليعة منها في كنائسنا.

ما قد ينجح في بلاد مهاجرين منفتحة مترامية الأطراف تتحكم فيها المادية والروح الفردية لا ينجح بالضرورة في بلاد كبلادنا ما زالت تحكم فيها العائلية والعقلية الشرقية.

من الجهة الاخرى- يمكن الاستفادة من الخبرة الهائلة للكنائس الأمريكية في الخدمة المسيحية من تعاليم الكتاب المقدس، التعليم ، الوعظ، التسبيح والموسيقي والإدارة الكنسية. لماذا لا نستفيد من خبرات وتجارب الآخرين ممن هم أكثر دراية منا؟ لا يتوجب علينا البدء من نقطة الصفر بالنسبة لأمور الخدمة لكن علينا قبول ما هو مناسب او ملائمة ما يتم عمله هناك ليتوافق مع بلادنا.

العدد الهائل من الكنائس والطوائف المسيحية في أمريكا يقع على المسيحي ابن الأقلية في الشرق العربي الزائر كالصاعقة. ففي ولايات عديدة هناك كنيسة في كل شارع. ومشهد الآلاف التي تؤم الكنيسة الواحدة يصيب الزائر بالاندهاش. غير ان هذا الاندهاش والعجب يتوجب أن لا يقودنا لتبني كل ما يقدم ويستخدم هناك. ففي بلادنا ارث وتاريخ عظيم منذ الكنيسة الأولى - ارث الآباء، الاستشهاد والتشبث بالإيمان المسيحي رغم الاضطهاد عبر العصور.

كما انه من الضروري التريّث قبلما بناء علاقات مع كنائس أمريكية وفحص لاهوتها وسياساتها إذ أن الطوائف والشيّع هناك لا تعد ولا تحصى وبعضها قد انحرف عن الإيمان القويم.

يوفر لنا العصر الحالي إمكانيات هائلة لفحص الأسماء والتمحيص عبر كميات المعلومات الهائلة المتوفرة في الانترنت لمعرفة خلفية، عقائد ونهج المجموعات التي نتصل بها في الخارج. هذا الفحص يوفر علينا متاعب ومشاكل الارتباط مع مجموعات أو كنائس أجنبية (وبالذات أمريكية).

هذا التفاعل مع كنائس الغرب قد يتحول لنعمة إذا تم فحصة والعمل به دون التنكر لهويتنا وظروف حياتنا كمسيحيين في البلاد المقدسة ....الحقيقية.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا