ليس بمقدور المرء أن يحيا الحياة الكاملة كل يوم دون حدوث المواجهات والتحديات المختلفة، إذ لا محالة سيترك يومنا وراءه بعض الفجوات والفراغات بين الحين والآخر.

في حال كانت حياة الإنسان مُشبِعة وفيَّاضة ستكون هذه الفراغات صغيرة وغير ملحوظة، تمامًا مثل ضياع بضعة قروش كانت بحوزة رجل يفيض غنًى فاحشًا! إلاّ أن حياة الشخص الغير قادر على الشعور بالرضى والاكتفاء أو غير قادر على تحقيق نجاحاته وتوقيع بصمة واضحة وقوية فوق صفحات حياته، ستكون فجواتها عبارة عن حفرة آخِذة بالكبر والعمق والامتداد لتُصبح  مع الأيام هُوّة شاسعة وفارغة وموحشة، هُوَّة مُميتة تُهدّده بالسقوط فيها في أية لحظة!

سيُصبح ماضيه هو حاضر كل يوم، وسيستمر طيف الماضي بالرقص والتمايس بدلال أمام عيون حاضره لدرجة تعمي الأبصار والبصيرة عن كل ما حوله، فتغويه ليسهى عن كل ما هو حلو وجميل ومملوءً بركة وحق. استسلامه لطغيان ما كان سيسمح لماضيه بنسج بُرقعًا أسود يحجب عنه رؤية جمال اليوم وما يحمله من لحظات فرحة مُلوَّنة زاهية، ومُستقبل واعد يحمل في طيَّاته مشروع ذكريات خلاّبة ودافئة.

من هنا تنبع التساؤلات والشكوك... كيف لنا مِلء هذا الضياع وهذه الهُوَّة المخيفة؟! كيف لنا أن نجعل من جوع الماضي يُصبح شبع اليوم؟! كيف نرفض وقوفنا كالتمثال البارد ونحن واضعين يدًا على المحراث ناظرين للوراء، مملوئين حسرة واشتياق وآهات؟! ماذا نفعل كيما نقدر أن  نطوي صفحات الماضي دون رجعة، بكل ما فيها من أحلام لم تُحقق وتوقعات لم تُستجاب وآمالاً لم تُحقق؟؟ فزوجةُ لوط لم تنجح في فعل ذلك! إنه لأمرٌ حقًا صعب أن تنطلق نحو الأمام تاركًا في القلب الكثير من الحسرة والأسطر التي لم تكتمل كتابتها بعد. أن تُكمِل المسير تاركًا كل ما كنت أنت عليه وكل ما كان هو عليك لتمضي نحو مُستقبل جائع، وماضٍ خلفك يغوص في ثنايا ألهبة النيران... وداعًا لكل ما كان يومًا عزيزًا جميلاً نضرًا وحيويًا؟!!

فيما نحن مترنِّحين حيرةً وتعبًا وارتباكًا، ترى هل لنا أن نرفع كلمات صادقة حقيقية من القلب، مُتعبِّدين... مُصلِّين.. مُتقدِّسين... بينما تمتد تخوم ماضينا لتُحاصرنا من كل جانب كأرجُل الأخطبوط الخانقة؟! كيف لنا أن نَصدُق في تضرعاتنا ونحن موقنين بأن صلاتنا تُشوِّهها ندوب ما كان وما زلنا نتمناه ان يكون؟ صلاةٌ يشوبها غبارٌ عثٌ أبيضُ؟
 أؤمن بحق انه في حياة كل انسان هنالك اشتياق لفراغ مُعيَّن قد تُرك في ماضيه...لم يتسنى له مِلأه كما يجب...أو لربما نجح في مَلئه ولكنه لم يصل أبدًا لحالة الشبع والاكتفاء والرضى!! الأمر الذي يترك في القلب والفكر اشتياق واشتهاء وحنين للحظات مجيدة من الماضي...ظاننين في أنفسنا أنها فيما لو عادت إلينا من جديد لملأت ما في القلب من حسرة!!

أولسنا مُدركين بأن كل لحظة تمرّ في حياة المرء لا تتكر وليس بالامكان استرجاعها بتاتًا؟! فحياتنا كالصفحة البيضاء تبدأ، وكل ما نخطّه عليها لا يمكن شطبه واخفاءه...كل ما نعيشه ونفعله ونقوله ونفكر به في كل لحظة من حياتنا هي مجموعة واسعة من القرارات المصيرية تُبصم وتُختتم فوق صفحات حياتنا لتبقى هناك على الدوام دون رجعة!  ليس للماضي أن يأتي ليحيا حاضرنا، ولكن بامكان حاضرنا أن يرسم ملامح واضحة لمستقبلنا، فالقلمُ بين أيدينا لنرسم ونخُطّ ونُقرِّر!!!

قال المُرنِّم بكلماتٍ رائعة حقيقية مؤثرة وصادقة:

"خذ لي جنبك خيمة يا ابويا ابراهيم يا غريب، نفسي أبعد عن سدوم حتى لو فيها القريب.

وابني مذبح قلبي يفرح بالصلاة والترنيمات، روحي تِسبح وألقى مطرح للسكن بعد الممات..."

هي حقًا كلمات قوية تحمل معها الكثير من التصميم والعزيمة والاصرار، وأهمها الإرادة القوية!!

هنالك ثلاثُ قيمٍ أساسية على الإنسان تبنِّيها حتى ينجح في فتح بوابة حاضره على مصراعيها وغلق كل أبواب الماضي أجمع: القناعة، الفهم، والإدراك!

- القناعة بأن ما كان لا يعود، فهو طيّ النسيان والحياة تسير دومًا نحو الأمام، لا العكس!
- الفهم بأن الحاضر والآن بإمكانهما ضمان مُستقبل بلا ماضي وبلا حنين وبلا حسرة.
- الإدراك بأن كل لحظة تمر في حياتنا هي الآن واليوم وسوف لن تتكرر، لذا يتوجب علينا التمسك بها والتشبث جيدًا، والاستمتاع بها إلى أبعد الحدود حتى "الشبع"!
لحظة نُشكِّلها كما نتمنى وكما نحتاجها أن تكون، نغوص في ثناياها إلى العُمق والطول والعرض وإلى كل الأبعاد الممكنة حتى لا يتبقى مجال ولا حتى فسحة صغيرة لأي ندم أو اشتياق أو حنين أو أية إحتمالات بديلة...تمامًا كما يقول الكتاب: "النفس الشبعانة تدوس العسل، وللنفس الجائعة كُل حلوٍ مُرّ"!!

يُشبه الماضي في حياتنا مُستنقعًا راكدًا لمياهٍ صامتة! فكما هو معروف ان مياه المستنقعات الغير جارية هي عبارة عن بيئة قذرة وغير صحية بتاتًا، إذ تكون بيت جذّاب جدًا للجراثيم والأمراض والفيروسات مع الحشرات وما إلى ذلك من مصادر حيويّة للأمراض! فكلما نظرنا بعيونٍ مشتاقة مُتحسرة إلى ماضٍ ولّى وغاب، نكون قد أخذنا نغطس أكثر فأكثر داخل المستنقع. وكلما طالت فترة الحنين لِما كان يومًا، كلما عرّضنا أنفسنا أكثر وأكثر لأوساخ وأمراض المستنقع... كالعلق مثلاً... إذ يجد العلق جسدنا من أشهى المأكولات وأطيبها، فتراه يلتصق بقوة بجلدنا ويبدأ بالتلذذ ببطء مُمتصًا دمنا. وكلما طالت فترة بقائه على الجلد، كلما ازدادت خطورته!!

اعتاد الٌقُدماء على استخدام العلق لعلاج الإلتهابات الداخلية في جسم الإنسان كبديل للعمليات الجراحية أو للأدوية، حيث كان يتم وضع العلق فوق مكان الإلتهاب لفترة زمنية قصيرة ومحدودة، وهناك يقوم العلق بامتصاص الدم وما يحتويه من مرض، مُخلِّفًا وراءه بُقع ودمغات داكنة تُغطي منطقة الجلد... وقد كان من المهم أن يكون المُعالِج يقظًا ومتنبهًا لأهمية الفترة الزمنية لوجود العلق، ففي حال طالت هذه الفترة الزمنية يُصبح وجوده مُهدّدًا خطيرًا كالسُمّ المُميت!

فليس من ضير في النظر إلى الوراء بهدف تهذيب الحاضروتشذيبه فترميمه، ولكن الخطورة تكمن عندما يرضخ الإنسان لحالة الغيبوبة المستمرة بين غياهب ماضٍ ميت، ويتناسى كل ما هو حيٌّ اليوم، كل ما هو جميل ومُشرق..فيتجاهل بذلك كل ما أنعمه الله عليه من خيرات مُتجدِّدة كل صباح، ولا يقوم باستيعابها أو ادراكها لأنه مخدوع بصريًا ونفسيًا وروحيًا من طيفِ الماضي وألوانه المُزيفة!

في سبيل النجاح لاقتلاع ذواتنا من براثن ومخالب ماضٍ قاهر ومُسيطر، علينا أن نحيا كل يوم حياة الشبع والمِلء التام فندوس بذلك على كل عسل وحُلو زائف! عليّ البحث عن مصدر قادرًا أن يملأني على الدوام ويفيض مجراه من أحشائي وأضلُعي وأعماقي إلى الخارج، آخذًا معه كل ما هو ضار، سام، رديئ وغير صالح...مُزحزحًا كل ركود وقذارة وألم وتعب واعياء...فيكون الفيض الدائم كجريان النهر فيَّ، بجريانه يُنظِف ويُطهِّر ويُعقِّم ويُجدِّد ويؤسِّس، ويبني كل صلاح لحياة فُضلى فيّاضة مبنية على صخرٍ ثابتٍ لا يتزعزع!

إن العالم مليء بالعسل الزائف، إذ ترى عسلأ ذهبيًا وهّاجًا مُغريًا فتركض نحوه جائعًا مُتعشمًا، وما تستهم لتلتهمه مُتلذِّذًا لتُفاجأ مُستنفرًا من طعم المرار الحاد والعفن الراكد في ثناياه!!

إن كل متعة وجاذبية في هذا العالم هو أمر وقتيّ خدّاع وكاذب...وبالأخير فانٍ. لا شيء يدوم ولا شيء يُشبع على الدوام...إذ بعد كل شبع يعود الجوع لينهش الأحشاء ويؤرقها، ويرجع العطش لينفث الجفاف والاعياء فينا!!

وهنا علينا أن نستيقظ ونفتح أعيينا باحثين عن ما هو أسمى وأصدق وأنقى، أكبر من العالم وأحلامه وزيفه، وأصدق من أكاذيبه وأوهامه، وأطيب من أطايبه ومُشتهياته! علينا أن نبحث عن الكنز الحقيقي لكل غالٍ ونفيس، وأن نجد النهر الفيّاض بماءٍ حيّ وأرض اللبن والعسل القادر أن يُلذّذنا ويُشبعنا للأبد.

هو إله الكون وربّ الأرباب الحيّ الذي وعد وأتمم الوعود، وأحبّ إلى المُنتهى، غفر حدّ النسيان..هو أبُ الحنان والطمأنينة والاكتفاء والمِلء والشبع والسرور الحقيقي الدائم... إلهي الحيّ صخرتي الرب يسوع، إذ معه أنا أنسى كل ما هو ورائي وأمتدُّ إلى قُدام، ناظرًا إلى السماء بيتي الأبدي حيث حضنه الدافئ...وكما يقول الرسول بولس لأهل فيلبي 3: 7 "فما كان لي رِبحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل اني أحسب كل شيء أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربيالذي من أجلع قد خسرتُ كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكل أربح المسيح...إذ انا أنسى ما هو وراء وأمتدّ إلى ما هو قُذام..." هللويا...

فلنبن حاضرنا على صخر الدهور المتين والقويّ، هو ضماننا وهو أبديتنا. كيما يكون حاضرنا شبعانًا على الدوام، مملوءً حلاوة..فلا نحتاج للنظر وراءنا ولو نظرة خاطفة. لنكن مُتعلِّقين به، يقظين وحكماء..لنتعلق بما هو حقيقي ومضمون، شخص الرب يسوع المسيح. لنشبع به، مُتلذِّذين مُستمتعين...حتى المِلء فالفيض...

"جوّعني ليك، واشبعني بيك..اشبعني ربي من فيض غناك، فلا أحتاج في أي جوع أن أشبع من سواك. إملأ عينيّ بجمال يسوع واشغل خيالي بجروح يسوع، فلا أحتاج في أي ضيق أن أبحث عن سواك..." هللويا...

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا